صحافة

هل يغير بيرنهام بريطانيا كما غيرتها ثاتشر؟

أحمد محمود عجاج

المشاركة
هل يغير بيرنهام بريطانيا كما غيرتها ثاتشر؟

رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام (إ.ب.أ)

يوم الجمعة الماضي انتخبَ نوابُ حزب العمال أندي بيرنهام زعيماً لحزبهم، وحُكماً رئيساً للوزراء، بتأييد 379 نائباً عمالياً، وبذلك تدخل بريطانيا كما قالَ بيرنهام في خطابه، عهداً جديداً؛ وكلمة "عهد جديد" تؤشر لعزمه على تغيير البلاد كما غيرتها مارغريت ثاتشر في الثمانينات بمركزتها السلطات في لندن، وبإطلاقها حرية السوق، وخصخصة القطاع العام؛ وخلافها تعهد بيرنهام بتطبيق اللامركزية الموسعة، وبتأميم قطاعات خدماتية كالقطارات، والماء، والطاقة، وصناعات ثقيلة كالصلب.

وإذا صدَّقنا ما يقوله بيرنهام الذي بدأ أمس تشكيل حكومته بعد تكليفه من الملك تشارلز، فسنشهد تجربة مثيرة للغاية في بلد يعيش أزمة اقتصادية وسياسية أدَّت إلى تغيير سبعة رؤساء للوزراء خلال عشر سنوات، وذلك يعود لأسباب عدة، منها الفشل في الرؤى، والتخبط في السياسات، وتبخر الثقة بالساسة. ولكيلا نذهب بعيداً، ثمة أمران مهمان يستدعيان التوقف عندهما لأنهما المحركان لتغيير الوزراء، وفقدان الثقة بالسياسيين، وبروز اليمين المتشدد، وهما: الاقتصاد والهوية.

حزب العمال تأسس لحماية الطبقة العاملة، وعبارة "الطبقة" تدل على أنَّ الاقتصاد يجب أن يتأطر لحماية الشريحة الأقل قوة اقتصادياً لتأسيس مجتمع أكثر عدالة، والحزب بتخليه في عقود منصرمة عن هويته أفقده انتماءه الأصلي، وحمل ثاتشر للقول "بشماتة" إن زعيم حزب العمال توني بلير مخترع حزب "العمال الجديد" هو ابنها غير الشرعي للتدليل على فشل الاشتراكية وانتصار منطق السوق النيوليبرالي. أندي بيرنهام الآن في مهمة تاريخية عنوانها سلخ الحزب من ثوب بلير، وإلباسه ثوبه الأصلي الاشتراكي؛ لذلك التركيز على الاقتصاد أصبح لبنة أساسية في برنامجه لإدراكه كاشتراكي أن داخل الإنسان نزعتين: أولاهما، تأمين الأساسيات من طعام وتعليم وسكن، وثانيتهما، التمايز والتباهي. الفكر الاشتراكي يعتقد أن تحقيق الأساسيات ضروري لغياب التنازع الطبقي، والدولة بتدخلها في الاقتصاد تقضي على التمايز والتباهي، وتحقق المجتمع العادل.

الفكرة النيوليبرالية الثاتشرية خلاف ذلك ترى أنَّ الدولة لا دخل لها في الاقتصاد، وأن الأفراد قادرون كأحرار على صناعة الثروة، وباقي الطبقات الدنيا ستستفيد من ثرواتهم بالتنقيط، لأنه ليس عدلاً أن يدفع من يعمل ماله ليعيش به من لا يعمل، وبالتالي لا ضير أن يتمايز أو يتباهى ليحقق لُبَّ إنسانيته. وهذا التمايز والتباهي، في النيوليبرالية المُعاشة، فتح الباب أمام مشكلة الهوية. مشكلة الهوية أنَّ النيوليبرالية نقلت الصراع من الطبقية إلى الهوية (التمايزية) بشعار أن أبناء البلاد الأصليين لا يحصلون على خيرات بلادهم، وأنَّ المهاجرين هم الأكثر استفادة، وبالتالي أصبح الصراع بسبب ظروف المعيشة القاسية ليس بين الطبقة الغنية والفقيرة، بل بين مواطن أصلي وغير أصلي.

ويدرك بيرنهام أنَّ أزمة الهوية سببها اقتصادي لشعور شريحة كبرى (بيضاء البشرة) أنها محرومة، وهذا الحرمان استغله سياسيون وسوَّقوا أنَّ المهاجرين يأخذون فرص عملهم، ويتكاثرون، ويُذوبون تقاليد البلاد، وجذورها المسيحية - اليهودية. وهكذا كلما ازداد الفقر توسَّع الانقسام في الهوية، وكذلك بتركيب السلطة، ولذلك تعهد بيرنهام أنَّه سيكون رئيساً للجميع، أغنياء وفقراء، وسيحكم بالتوافق حتى مع الأحزاب المعارضة له بالقضايا المصيرية، وسيسمح لكل نوابه بالاعتراض؛ لكنه شدد بوضوح أن طريقه عمالي خالص، ولن يكون كحزب المحافظين الذي رفع شعار "لنستعد قرار بريطانيا" وانتهى به المطاف بتسليمه للشركات والأغنياء.

هل سيتمكن أندي بيرنهام من النجاح؟ ثمة عناصر تحمل على هذا الاعتقاد وأخرى تعاكسه؛ عناصر النجاح إدراك حزب العمال أن هذه فرصته الأخيرة لإعادة التواصل مع الناخبين، ولقناعة نوابه أن لديهم قائداً "كاريزماتياً" مؤمناً بجذوره العمالية، وله تجربة ناجحة في مدينة مانشستر، وأن البلاد تحتاج إلى انعطافة مصيرية كما احتاجتها في أواخر السبعينات مع ثاتشر. وعناصر المعاكسة أنه يتسلم السلطة في خضم أزمات داخلية وخارجية؛ الداخلية تتطلب خيارات مؤلمة كرفع الضرائب لتحقيق وعوده بالتأميم، وضمان الأساسيات للمواطنين، وخارجياً أزمات تتطلب مزيداً من الإنفاق على الدفاع، وانشغالاً أكبر في نسج العلاقات المستقبلية مع أوروبا، وإصلاحها مع أميركا بينما سيكرس - مضطراً - جل وقته لحل الأزمات الداخلية.

ما يواجهه بيرنهام أكبر مما واجهته ثاتشر، والفارق أن ثاتشر باعت أملاك الدولة، وأحبتها الطبقة العمالية، ونوابها كانوا وراءها صفاً واحداً، بينما بيرنهام يحتاج للمال لشراء ما باعته ثاتشر، وحزبه كما يقول نيل كينوك، مُلهم أندي بيرنهام، إنه "لا يحتاج لأعداء ما دام يوجد حزب العمال"، للدلالة على الانقسام الكبير في التوجهات داخل الحزب. وبهذه السردية، فإن بريطانيا على موعد تاريخي سيؤدي، إن نجح أندي بيرنهام، إلى تغيير هائل لن تقتصر تردداته على الساحة البريطانية بل ستتجاوزها إلى العالم، تماماً كما تجاوزت إصلاحات ثاتشر حدود بريطانيا لتصبح بوصلة العولمة النيوليبرالية؛ وكذلك قد يشهد العالم، إن تفاءلنا، عودة جديدة للاشتراكية بتزاوج شاذ، لم يخطر ببال ماركس، بين عدوين: الرأسمالية والاشتراكية.

(الشرق الأوسط)

يتم التصفح الآن