إقرار الكونجرس الأمريكي الموازنة العسكرية للعام المالي الجديد يجسد حالة التخبط التي تمر بها الولايات المتحدة، فالموازنة العسكرية ارتفعت إلى تريليون و150 مليار دولار، بزيادة 27%، في وقت ارتفع فيه العجز في الميزان التجاري في الأشهر الستة الأخيرة، ليتجاوز 500 مليار، ويتوقع تحقق رقما قياسي جديد يتجاوز التريليون دولار نهاية العام. الكونجرس شهد انقساما حادا حول إقرار الموازنة العسكرية، وصوت 216 عضوا لصالح إقرارها، واعترض 212 عضوا، بفارق 4 أصوات فقط.
العجز المزمن في الميزان التجاري والموازنة العامة سيدفع الديون الأمريكية الهائلة التي تبلغ نحو 40 تريليون دولار إلى ارتفاع جديد، فليس أمام تمويل الموازنة في ظل العجز سوى المزيد من الاستدانة، وتتبخر الآمال التي كانت معقودة على خفض الواردات ورفع الصادرات، وتقليص الإنفاق الحكومي كسبيل لخروج الاقتصاد الأمريكي من أمراضه المزمنة، ولم ينجح الرئيس ترامب في حربه التجارية، واللجوء إلى رفع الرسوم الجمركية كسبيل لعلاج العجز الكبير في الميزان التجاري، ولم يكن الفشل بسبب مواجهة الرسوم الأمريكية برسوم مضادة، ولا مخالفتها للقوانين الأمريكية التي تحظر فرض الرسوم دون موافقة الكونجرس، فالمرض يكمن في تدهور الإنتاج الأمريكي، وعدم قدرته على منافسة منتجات الصين والاتحاد الأوروبي والمكسيك وغيرها، فالشركات الأمريكية في الخارج يصعب أن تعود، فلا عمالة ماهرة ورخيصة متوفرة، ولا سلسلة إنتاج توافر المدخلات، ولا مزايا متوافرة كتلك الموجودة في الدول المنافسة.
السؤال الرئيسي المطروح في الكونجرس وخارجه هو كيف ترتفع الموازنة العسكرية بهذا المعدل الكبير 27% في وقت يزداد فيه العجز في الموازنة، وعلى حساب الإنفاق الحكومي في التعليم والصحة والبحوث والإعانات الاجتماعية؟ لا يمكن إعطاء إجابة صريحة وصادمة رغم وضوحها، وهى أن الولايات المتحدة تعول على القوة العسكرية في علاج أمراضها الاقتصادية، أي أنها ستواصل شن المزيد من الحروب أو التلويح بالقوة من أجل الحصول على مزايا اقتصادية، مثلما فعلت في فنزويلا وتفعل فى إيران من أجل السيطرة على أسواق النفط العالمية، وتتحكم في أسعارها، وتستطيع استخدام ورقة النفط في الضغط على منافسيها، خاصة الصين، بل إن السبب الرئيسي لحرب أوكرانيا كان محاولة السيطرة على قطاع الغاز والنفط الروسي إما بالإكراه أو بهزيمة روسيا.
إدارة الرئيس الأمريكي ترامب كانت تطلب رفع الموازنة العسكرية إلى تريليون و500 مليار، أي بنسبة 66% وليس 27% فقط، وهو ارتفاع لا يمكن تصديقه، تبتلع فيه الموازنة العسكرية معظم إنفاق الدولة، بما سيؤثر بالسلب على خدماتها في التعليم والصحة وغيرهما، ربما لوحت إدارة ترامب بتلك المبالغة لتحصل على الزيادة الأخيرة التي جرى تمريرها بصعوبة، لكن السؤال سيظل مطروحا حول قدرة القوة العسكرية على حل الأزمات الاقتصادية، بل قد يؤدى هذا النهج إلى المزيد من الأعباء، فالحرب على إيران لم تحقق أهدافها، وفشلت توقعات انهيار إيران أو إذعانها خلال أيام أو أسابيع، وتحولت إلى حرب استنزاف، ومطالبة الكونجرس بأموال إضافية لتغطية تكاليف الحرب التي لم يعد بالإمكان توقع متى وكيف ستنتهي، وتنذر بانجرار الولايات المتحدة إلى مستنقع يصعب التخلص منه، خاصة مع إغلاق إيران مضيق هرمز والتمسك بالتحكم فيه، بما يضيف عبئا جديدا لم يكن في حسبان المخطط الأمريكي. وكانت الحرب الأوكرانية قد بدأت بدعم أمريكي كبير بالمال والسلاح، وتمكنت إدارة الرئيس ترامب من خفض أعبائها، وتحميلها لدول الاتحاد الأوروبي، بعد أن زادت التكلفة وأمد الحرب التي مازالت تسبب نزيفا للاقتصاد العالمي، خاصة لكل من دول الاتحاد الأوروبي وروسيا.
لا يبدو أن الولايات المتحدة يمكن أن تتخلى عن استخدام القوة العسكرية لتحقيق مكاسب اقتصادية، فالموازنة العسكرية تؤكد المضي في هذا الطريق المرعب، والسبب أن الإدارات الأمريكية سواء الجمهورية أو الديمقراطية رأت أن خفض الإنفاق الحكومي سيؤدي إلى غضب شعبي لا يمكن تحمله، وفقدان النخبة السياسية مكانتها، واعترافها بالفشل المتراكم، وبالتالي حدوث تغيرات حادة في التوجهات والسياسات، ربما ينهي مسيرة الحزبين الحاكمين، وظهور أحزاب وقوى سياسية جديدة، ولهذا استبعدت هذا الخيار، لكن الأزمة لا تستجيب للعلاج الحالي، بل المرجح أن يتفاقم الوضع الاقتصادي، خاصة إذا فشل الحل العسكري في إيران وأوكرانيا، وتحول الإنفاق العسكري من فتح باب للخروج من الأزمة إلى مضاعفة الأعباء، وبالتالي تغير المزاج الشعبي الذي سيجد من يعبرون خارج النخبة السياسية الحالية، وهو ما تظهر علاماته من تمرد داخل الحزبين، وبداية ظهور نخبة سياسية جديدة، تواجه حقائق الأزمات، وتقديم حلول حقيقية، بدلا من القفز فوقها بالهروب نحو الحروب.
(الأهرام المصرية)

