تقدير موقف

دونالد ترامب... عرَض أم مرَض؟

ليس خصوم دونالد ترامب وحدهم مَن يرون فيه خطرًا على أميركا؛ بعض الذين ساندوه وساهموا في صعوده بدأوا يقولون ذلك أيضًا. تاكر كارلسون، أحد أبرز داعميه، انقلب عليه، فيما رأى توماس فريدمان أن "أميركا أولًا" تحوّلت في عهد ترامب إلى "أنا أولًا". وتكتسب هذه المواقف دلالتها حين توضع إلى جانب أرقام استطلاعات الرأي: 59% من الأميركيين لا يرون أنّ ترامب يتمتّع بالحدّة الذهنية الكافية لقيادة البلاد، و71% لا يرونه صادقًا ولا جديرًا بالثقة، بينما وصفه 52% بأنه "خطير"، و47% بأنه "فاسد". هذه الأرقام تطرح أسئلةً عدة، أهمّها: كيف يصل رجل بهذه الصورة إلى البيت الأبيض، ثم يعود إليه مرة أخرى؟ وماذا حدث لأميركا حتى أصبح ترامب ممكنًا؟.

دونالد ترامب... عرَض أم مرَض؟

المؤكّد أنّ ترامب ليس أصل الأزمة، وإنّما أبرز ـ وربما أخطر ـ أعراضها. هنا يتجاوز الأمر الرجل إلى المجتمع والنظام السياسي اللّذين أتاحا صعوده.

ظهر ترامب في لحظة أميركية تراكمت فيها تناقضات عميقة إلى حدٍّ لم يعد يسمح بإخفائها بسهولة: انقسام اجتماعي وسياسي حادّ، تراجع في الثّقة بالمؤسّسات، غضب متزايد من النّخب التقليدية، وتحوّل التنافس بين الحزبين الكبيرين من خلاف على السياسات إلى صراع على الهوية والمصير.

قطاعات من الأميركيين لم تعد تبحث عن السياسي الذي يمثّل النظام وإنما عن شخص يتحدّاه

لم يعد الديموقراطي والجمهوري يمثّلان مجرّد اختياريْن سياسيّيْن داخل نظام واحد؛ صار كلّ معسكر ينظر إلى الآخر، في قطاعات واسعة، باعتباره تهديدًا لأميركا التي يؤمن بها.

وهكذا أصبحت السياسة الأميركية، أكثر فأكثر، سياسة تعبئة للأنصار ضدّ الخصوم. الخوف من الطرف الآخر صار أداةً انتخابية، والغضب وقودًا سياسيًا، والانتقام من النّخبة والمؤسّسة والحزب المقابل وعدًا انتخابيًّا بحدّ ذاته.

في مثل هذه البيئة لا يحتاج السياسي إلى أن يكون الأكثر عقلانيةً واتّزانًا؛ يكفي أن يكون الأقدر على التقاط الغضب والتحدّث بلغته، وتحويله إلى شعارات شعبوية.

وهذا تحديدًا ما أتقنه ترامب. فقد فهم أنّ قطاعات من الأميركيين لم تعد تبحث عن السياسي الذي يمثّل النظام، وإنّما عن شخص يتحدّاه؛ لا تريد خطابًا مصقولًا بقدر ما تريد صوتًا يعبّر عن غضبها، ولا تثق في المؤسّسات التقليدية بقدر ما تميل إلى مَن يهاجمها.

ترامب جعل التناقض بين الصورة التي صنعتها أميركا عن نفسها وبين ممارساتها أكثر فجاجة

لذلك لم يكن ترامب مجرّد مستفيد من الانقسام الأميركي، بل أصبح التعبير السياسي الأكثر وضوحًا عنه.

الأزمة هنا ليست في ترامب وحده، وإنّما في نظام حزبي كان يفترض أن يستوعب الاختلاف ثم تحوّل إلى أحد مصادر الاستقطاب. كلّما اشتد الانقسام ضاقت المساحة الوسطى، وأصبح التراجع أمام الخصم هزيمة، والتسوية معه خيانة، والاعتراف بحقّه في تمثيل جزء من المجتمع تهديدًا للوجود السياسي.

ومن الداخل إلى الخارج، تظهر الصورة عينها على نطاق أكبر.

بعد الحرب العالمية الثانية، لم تصعد الولايات المتحدة إلى قمّة القوة الدولية فحسب، وإنّما قدّمت نفسها بوصفها مهندسة لنظام دولي جديد يقوم على المؤسّسات والتحالفات والقواعد والقانون الدولي. مثّلت هذه الصورة جزءًا من القوة الأميركية نفسها؛ فلم تقد أميركا العالم بقوتها العسكرية والاقتصادية وحدها، وإنّما أيضًا بفكرة النظام الذي تقوده.

لكن الفجوة اتسعت مع الوقت بين هذه الصورة وبين الممارسة. ظهرت ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، وتفاوتت قراءة مبادئ السيادة وحقوق الإنسان بحسب المصالح والتحالفات، وأصبح الدفاع عن القواعد يتراجع أحيانًا أمام حسابات القوة.

بالطبع لم يبدأ هذا مع ترامب. لكنّه جعل التناقض أكثر صراحةً وأقل احتياجًا إلى اللغة الديبلوماسية التي كانت تغطّيه. لم يخترع فكرة أن القوة الأميركية يمكن أن تتقدم على القيود التي تفرضها القواعد، لكنه تعامل معها بقدر أقلّ من التجميل.

المشكلة في أنّ البيئة التي سمحت بصعوده ما زالت قائمة

ومع شعار "أميركا أولًا"، لم يعد السؤال دائمًا: كيف نحافظ على النظام الدولي الذي قادت أميركا بناءه؟ وإنّما ماذا تحصل أميركا في المقابل؟.

وهنا تكمن دلالة ترامب الأبعد. فالمسألة ليست اختلافًا في أسلوب رئيس عن آخر، وإنّما في تصور الدور الأميركي نفسه: من قيادة نظام دولي تستمدّ شرعيّته جزئيًا من القواعد والمؤسّسات، إلى استخدام القوة والنفوذ بصورة أكثر صراحة وتبادلية، حيث يصبح الحليف مطالبًا بأن يدفع ثمن الحماية، والمؤسّسة الدولية مفيدة ما دامت تخدم المصلحة، والقانون الدولي قابلًا للتجاهل عندما يصطدم بحسابات القوة.

ولهذا فإنّ مشكلة ترامب لا تُختصر في شخصه أو مزاجه أو طريقته الصادمة في الكلام وإدارة السياسة.

الأهم أنه جعل التناقض بين الصورة التي صنعتها أميركا عن نفسها وبين ممارساتها أكثر فجاجة، وكشف المسافة بين الخطاب والممارسة، وبين القيادة والهيمنة، وبين القواعد حين تكون في صالحها والقواعد حين تصبح قيدًا عليها.

إنّ الحكم على خطورة ترامب، كما تبدّت في استطلاعات الرأي، ليس حكمًا على الرجل وحده، بل يكشف أيضًا عمّا هو أعمق من ذلك: قابليّة قطاعات من المجتمع الأميركي للتعامل مع هذا النوع من القيادة بوصفه خيارًا سياسيًا ممكنًا. المشكلة ـ إذن ـ لا تكمن فقط في أنّ ترامب استطاع الوصول إلى السلطة، وإنّما في أنّ البيئة التي سمحت بصعوده ما زالت قائمة.

ما يبدو أزمة في شخص واحد يرتبط بتحوّلات أصابت السياسة الأميركية ودورها في العالم

وحين يخرج ترامب من المشهد، فإنّ الظاهرة التي صعد بها لن تختفي تلقائيًّا، وأزمة الثقة في المؤسّسات لن تتراجع قريبًا، والغضب الاجتماعي لن يتبخّر، والفجوة بين الخطاب الأميركي عن النظام الدولي وبين الممارسة لن تُغلق بمجرد تغيّر الرئيس.

ترامب سوف يرحل، لكن الظّاهرة التي حملته إلى السلطة ستبقى على الأقلّ لبعض الوقت.

هو لا شك أبرز وأخطر أعراض الأمراض التي يعاني منها المجتمع والسياسة الأميركية. وانتخابه أولًا، ثم عودته ثانيًا إلى البيت الأبيض، كشفا أنّ الخلل أعمق من ترامب، وأنّ ما يبدو أزمة في شخص واحد يرتبط بتحوّلات أصابت السياسة الأميركية ودورها في العالم.

ولذلك سوف يرحل ترامب، لكن ما كشفه لن يرحل معه. والسؤال الذي سيبقى بعده لن يقتصر على مَن سيجلس في المكتب البيضاوي، بل هل تستطيع أميركا أن تستعيد توازنها، أم أن عَرَض ترامب سيعود في صورة أخرى؟.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن