صحافة

من كركوك إلى طرابلس.. الشرع إذ يدمج لبنان في المستقبل

صهيب جوهر

المشاركة
من كركوك إلى طرابلس.. الشرع إذ يدمج لبنان في المستقبل

الرئيس السوري أحمد الشرع (سانا)

لا مبالغة في القول إنّ العالم، وليس فقط المشرق العربي، يتابع ما ستؤول إليه نتائج المواجهة بين واشنطن وطهران. خاصة بعد التلويح الإيراني بإقفال باب المندب، إضافة إلى مضيق هرمز، في ظل الرهان على عامل الوقت لدى كلا الطرفين. السيناريو الأقرب للمنطق والوقائع والظروف، أننا لن نكون ذاهبين لحرب شاملة ومدمرة، بل فترة من التفاوض المتزامن مع ضغوط عسكرية في البر والبحر. وبدا أن إدارة ترامب لا تملك سوى خيارين، وهي إما الذهاب في اتجاه تصعيد الحرب، والعمل على إنزال بري محدود، لكن هذا الخيار لا يبدو قابلاً للتنفيذ. فيما الخيار الأكثر رجاحة هو التوصل إلى حل سياسي واتفاق مع إيران.

وهذا التأرجح الإقليمي سينعكس بطبيعة الحال على الوضع في لبنان وسوريا، والذين باتا في مسار متلازم. لكن ثمة عوامل تلعب لمصلحة الحرب الحاصلة على حزب الله، أكثر منه للتسويات الدبلوماسية. وفي طليعة هذه العوامل الانتخابات الإسرائيلية. وخاصة أن المزاج الإسرائيلي يميل بغالبية واضحة للوقائع العسكرية في جنوب لبنان، وخصوصاً سكان المستوطنات شمال فلسطين المحتلة، والذين يشكّلون القاعدة الانتخابية الأكبر لحزب الليكود. وفي الغرف المغلقة هناك من يعتبر أن نتنياهو قد يكون يفضل عودة الحرب مع لبنان وإيران في الشهرين المقبلين، ما سيسمح له بتأجيل الانتخابات في الكنسيت إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأميركية، وبالتالي إعادة هندسة المشهد الحكومي الإسرائيلي وفق المعطى الأميركي الجديد.

لكن الحقيقة الثابتة أن المسببات الرئيسية لكل هذه الحروب الضارية هي مسارات الطاقة وربط النفط والغاز في المنطقة، لذا ليس من باب المصادفة أن الرئيس السوري أحمد الشرع ومنذ بدء الحرب الحاصلة، أعاد تعريف الجغرافيا السورية عبر تقديمها على أنها خط آمن لنقل الطاقة والبضائع، بالشراكة مع الدول المعنية من المحيط إلى الخليج، وصولاً لتركيا وأوروبا. لذا تُعتَبر مذكرة التفاهم الموقّعة بين العراق وسوريا لتأهيل وإعادة إحياء خط نقل النفط الخام كركوك – بانياس، خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تفعيل أحد أهم مشروعات الربط النفطي في المنطقة وتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، والأهم أن هذا المشروع التاريخي، سيؤدي إلى الوصول إلى طاقة تشغيلية للخط، تقدّر بنحو مليوني برميل من النفط الخام يومياً.

وتنبع أهمية خط الأنابيب من كونه يوفر للعراق منفذاً مباشراً إلى البحر المتوسط عبر ميناء بانياس السوري، ما يخفف الاعتماد على الموانئ الجنوبية على الخليج العربي التي ترتبط صادراتها بمضيق هرمز، ويشكل تنويع مسارات التصدير عاملاً أساسياً لتعزيز أمن الطاقة في العراق، عبر تقليل المخاطر الجيوسياسية والحد من تأثير أي اضطرابات قد تعرقل تدفق النفط. كما سيساهم المشروع في إيصال الخام العراقي إلى الأسواق الأوروبية وأسواق البحر المتوسط عبر مسار أقصر نسبياً، ما قد يساعد في خفض تكاليف النقل ومنح بغداد مرونة أكبر في إدارة صادراتها. وأبرز التصعيد الأخير في الشرق الأوسط الحاجة إلى إيجاد بدائل طويلة الأجل لمضيق هرمز، بعدما تسبب إغلاقه خلال معظم فترة الحرب مع إيران بأكبر اضطراب لإمدادات الطاقة تاريخياً وألحق أضراراً باقتصادات المنطقة.

وهذا المسار تنخرط به أطراف ودول عديدة، على رأسها تركيا، والتي عملت طيلة الأشهر الماضية على الدفع باتجاه علاقات سورية – عراقية متوازنة، عبر تجاوز “حقبة المجانين” التي حكمت المسار السياسي العراقي لعقدين من الزمن، في ظل خطاب أخوي يقدمه الرئيس الشرع والدولة السورية لكل الدول المجاورة لسوريا. ولأن دمشق باتت تعتبر نفسها محور الهدوء والحلول والشراكات، سعى الرئيس الشرع إلى إدخال لبنان في هذا الخط، والذي سيصل في حال بلوغ الأمر خواتيم سعيدة، إلى مدينة طرابلس الساحلية، ما يعني فتح الباب على معالجة كبرى لأزمات أكبر المدن اللبنانية، والتي عوقبت لعقود لموقفها من جراح سوريا وشعبها، وتحديداً الثورة السورية.

وثمة من يتحدث عن أن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى بغداد ولقاء نظيره العراقي علي الزيدي، أتت بترتيب مباشر عملت عليه تركيا وسوريا مع المبعوث الأميركي توماس باراك، بهدف إدماج لبنان في خطوط الطاقة البديلة والتي باتت ضرورة قصوى لحماية الأمن الطاقوي، والتي تسببت إيران وحروبها مع إسرائيل في العمل على البحث عنها كمسارات متوازية للطاقة والنفط في الشرق والغرب.

والوفد الوزاري اللبناني الذي زار بغداد لاقى حماسة لافتة من جانب المسؤولين العراقيين، تجاه مشروع الربط النفطي بين كركوك – بانياس، وطرابلس. والسير بهذا الخط، بجانب مشروع الربط النفطي بين كركوك ومدينة بانياس السوريّة، يعيد إحياء منظومة خطوط كركوك-بانياس-طرابلس التاريخيّة، والتي اعتمدت حتى الحرب الأهلية اللبنانية، على تدفّق النفط العراقي بالأنابيب داخل الأراضي السوريّة.

والأكيد أن رؤية الرئيس الشرع لمشروع الربط مع العراق ولبنان، كان قد تحدث بها سابقاً مع نائب رئيس الحكومة طارق متري في تشرين الثاني الماضي، عبر الاستفادة من هذا المسار لتطوير التصدير من خلال مرفأ طرابلس، وهذا ما سيكون جاهزاً بمجرد إعادة تأهيل شبكة الأنابيب الموجودة أصلاً بين لبنان والعراق، والتي تمر بالأراضي السوريّة. مع العلم أنّ عمليّة إعادة تأهيل الأنابيب تحتاج إلى عدة أشهر، بدأت وزارتي الطاقة والأشغال العمل عليها، على اعتبار أن مرفأ طرابلس يتمتع بميزة جاذبة للجانب العراقي، وهي عمق مياهه والمؤهلات المتطورة لرصيفه البحري، ما يسمح باستيعاب ناقلات النفط الكبيرة الحجم.

كذلك فإن إعادة تأهيل خزانات النفط الموجودة في طرابلس، سيسمح بتحويل المرفأ إلى نقطة تجميع للنفط المنقول عبر الأنابيب من العراق، قبل إعادة تصديره بحراً أو تكريره. وهذا ما يسمح بزيادة المرونة في عمليات شحن النفط بحراً في مراحل مقبلة. من هنا يمكن فهم الرسالة التي وجهها الرئيس الشرع على قناة الجزيرة حول لبنان، وهو أن الحلول لملف السلاح والتفلت والفوضى، ليست بالتحركات العسكرية، بل عبر إدماج لبنان وشعبه في مسارات اقتصادية متقدمة، تضطر الواقفين في المنتصف على الاختيار بين الماضي القاتم، والمستقبل المشرق.

(الثورة السورية)

يتم التصفح الآن