فلسطين... القضية والبوصلة

الحلّ يبدأ بـ"حلّ السلطة"!

ما يجري الآن من مسلسل جرائم إبادة يومي في الضفّة وغزّة، فضلًا عن فيض هائل من المجازر الأخرى التي ارتكبها العدو الصهيوني منذ سرقة فلسطين من أهلها، جريمة استثنائية ومتفرّدة في التاريخ الإنساني كله.

الحلّ يبدأ بـ

لقد كتبنا من قبل، سطورًا نُشرت هنا قبل ثلاث سنوات تحت عنوان "في بؤس وخرافيّة حلّ الدولتين"، (وكانت هذه السطور سابقةً بأسابيع قليلة لحرب "طوفان الأقصى" في غزّة) ولن نملّ من تكرار المعنى عينه، واختصاره أنّ الشعارين اللذيْن صارا مجرّد أهزوجة مملّة ليس لها أي أساس في واقع الحال القائم فعلًا في ما تبقّى من فلسطين (الضفّة وغزّة)؛ وأَقصد بالشعار الأول ما يسمّى "عملية السلام" تلك القائمة على خرافة إمكانيّة التعايش مع كيان عنصري عدواني ومسلّح حتى الأسنان، وأمّا الثاني فهو "حلّ الدولتيْن".

هذان الشعاران، خصوصًا الأخير، نراه الآن وقد استقرّ تمامًا في قلب الخرافة بعدما طال عمره لنحو خمسين عامًا، وتحت ظلاله الثقيلة ازداد عدوان العدو وتفاقمت وحشيّته وقضم المزيد من الأرض العربية وما تبقى من أرض فلسطين التاريخية.

انتهى أمر "أوسلو" إلى إقامة "احتلال منخفض التكاليف"

إنّ أسوأ نتائج شيوع هذه الخرافة هي اتفاقية "أوسلو" التي اكتمل عمرها هذا الشهر 33 عامًا، وقد أنتجت اختراعًا عجيبًا لم يسبقنا إليه أحد من أمم الدنيا، ألا وهو أن ينتقي العدو قطعةً صغيرةً من أرض الوطن المسروق يقام عليها شيء بائس ومشوّه يدعى "سلطة الحكم الذاتي" تلك التي جرى تسويقها باعتبارها مرحلةً أولى وانتقالية تنتهي بعد ثلاث سنوات يتم خلالها التفاوض حول ما أسموه قضايا الحل النهائي، على وعد أن تنتهي هذه المفاوضات إلى تحقيق شعار حلّ الدولتيْن، بحيث تقام دولة فلسطين في الضفّة الغربية وقطاع غزّة على مساحةٍ لا تتجاوز 22 في المئة من أرض فلسطين الأصلية.

لكن ما حدث فعلًا أنّ لا شيء من ذلك كله حدث، بل حدث العكس تمامًا فالمرحلة الانتقالية الأولى أضحت الأولى والأخيرة، والسلطة التي طال عمرها كلّ هذه السنين بدا أنّ لها وظيفة واحدة فقط هي مشاركة العدو في قمع المقاومة وإعفائه من دفع أي كلفة لاحتلاله، باختصار انتهى أمر "أوسلو" إلى إقامة "احتلال منخفض التكاليف" مع بقاء كل صور عربدات العدو ووحشيّته كما هي بل زادت، وكان أخطرها ابتلاعه ما تبقّى من أرض فلسطين، وهي حقيقة يشي بها أنّ عدد المستوطنين الصهاينة في أراضي الضفة الغربية وقت توقيع أوسلو كان لا يزيد عن نحو 150 ألف مستوطن يسكنون 140 مستوطنة، هذا العدد تضاعف حاليًّا مرات عدة، إذ يتجاوز عدد المستوطنين الآن 800 ألف يعيشون في نحو 500 مستوطنة وبؤرة استيطانية تبلغ مساحتها أكثر من 45 في المئة من أراضي الضفة تُسيّجها جميعها طرق التفافية لخدمة قطعان المستوطنين وحدهم وتمزّق أرض الضفة كلّها وتجعل ما تبقّى منها مجرّد "معازل" عنصرية منفصلة عن بعضها ومحاصرة تمامًا بما يزيد عن 1500 نقطة عسكرية للعدو تنتشر على كلّ الطرق والبلدات الفلسطينية التي تقاوم ببسالة الآن مخطّط تهجير سكانها، بعدما بلغت عنصرية ووحشية حكومة الكيان الصهيوني، بل وكل طبقته السياسية مستوًى من الإجرام والتطرّف الشديد يروّع البشر في كل مكان على الكوكب، خصوصًا أنّه مدعوم بمجتمع تَفوَّق في الكراهية والعنصرية الفجّة، حتّى تجاوزت نسبة مَن يرفضون أدنى حقوق للفلسطينيين أصحاب الأرض أكثر من 70 في المئة من مكوّناته.

والخلاصة أن ثقافة الاستسلام للعدو واعتباره "خيارًا" وحيدًا، يقوم على فرضيّة كاذبة وهي أن هزيمة العدو في حرب تخوضها الجيوش النظامية العربية، أمر مستحيل في ظلّ الدعم الأميركي المُطلق لهذا العدو وإمداده بأقوى وأحدث أسلحة القتل.

ولكن الحقيقة المُغيّبة عمدًا هي أنّ صور وأساليب المقاومة التي ابتدعتها الإنسانية لا تكاد تُعدّ أو تحصى، كما أنها تتنوّع في طبيعتها وأشكالها تنوّعًا هائلًا وتتّسع لممارستها جبهات تمتدّ من الاقتصاد والسياسة إلى العنف النبيل المتجسّد في العمل الفدائي المشروع.

إذن، ما هو الحل الواقعي الذي يضمن عدم الضياع النهائي لحقوق الشعب الفلسطيني... إنّه ببساطة يبدأ بالإعلان الفوري عن حلّ هذه "السلطة" البائسة المزعومة التي تحمي وتُجمّل وجه العدو وتغطي على جرائمه، وإذا حدث ذلك فسوف ينفتح المجال تلقائيًا أمام مقاومة شعبيّة عارمة في وجه عدوٍّ تتفاقم حماقاته وتطرّفه العنصري، ومن ثم تنزاح عن عورته الكريهة آخر ما تبقّى له من ديكورات تجميل خائبة لكنّها تكفي لتتعلّل بها حكومات في العالم غارقة في النفاق، إذ ستبدو وقتها حقيقة إسرائيل ككيان عنصري شبيه بنظام جنوب أفريقيا العنصري (وربما أسوأ كثيرًا)، هذا بينما تستمر "أرحام" الأمهات الفلسطينيات تقاوم وتحفظ القضية، وتحقّق الخطر الوجودي الذي يتحسّب له العدو ويخشاه بوصفه كيانًا عنصريًا اغتصابيّا، والمتمثّل في ما يسمّونه "الخطر الديموغرافي".

الحل العادل العملي يمرّ عبر تفكيك الطبيعة العنصرية للكيان الصهيوني وإقامة دولة ديموقراطية لكل سكانها

ولكي تعرف مدى جدّية هذا الخطر وفاعليّة سلاح "الأرحام"، أختم بالأرقام الآتية:

طبقًا للإحصاءات الرسمية الإسرائيلية والفلسطينية فإنّّ عدد المقيمين على أرض فلسطين التاريخية نحو 14 مليون نسمة أقل من نصفهم يهود وأكثر قليلًا من النصف الثاني فلسطينيون عرب، والمشكلة التي تُفزع المخططين الاستراتيجيين في إسرائيل أنّ معدّلات الزيادة الطبيعية والولادات في أوساط اليهود لا تتعدّى 2 في المئة، مقابل ضعفٍ ونصف هذه النّسبة عند السكان العرب، وهو أمر ساعد على إحداث تفوّق سكّاني عربي في فلسطين حقيقة، هذا طبعًا من دون إضافة نحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني يقيمون حاليًا في الشتات.

وبالإجمال فإنّ عدد العرب الفلسطينيين يساوي عدد كل يهود العالم، إن لم يزد عليه، وهذا يعني بدوره أنّ الحل التاريخي العادل العملي لا بد سيمرّ عبر تفكيك الطبيعة العنصرية للكيان الصهيوني وإقامة دولة ديموقراطية حقيقية لكل سكانها، أمر ممكن، بل هو الممكن الوحيد.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن