اقتصاد ومال

اقتصاد الشركات العملاقة! هل أصبحت شركات التكنولوجيا أقوى من الدول؟

تضع سيطرة شركات التكنولوجيا على السحابة والبيانات والرقائق والأسواق الرقمية، السيادة العربية أمام اختبار يتجاوز الضرائب إلى المنافسة وحقوق المستهلك!.

اقتصاد الشركات العملاقة! 
هل أصبحت شركات التكنولوجيا أقوى من الدول؟

لم تتحوّل شركات التكنولوجيا إلى دول، لكنّها باتت تدير بنى تحتية وأسواقًا يصعب الاستغناء عنها. ولا تكمن الاستجابة العربية في إغلاق الأسواق، بل في تنظيم مشترك يحفظ البيانات والضرائب والمنافسة، ويحوّل الشراكات التقنية إلى قدرات محلية.

الشركات العملاقة قادرة على تمويل الرقائق ومراكز البيانات والبحث العلمي بمستويات لا تستطيع دول كثيرة مجاراتها

في مطلع سبتمبر/أيلول 2026، دارت القيمة السوقية لـ "إنفيديا" حول 5.5 تريليونات دولار، وتجاوزت القيمة السوقية لكلٍّ من "ألفابت" و"مايكروسوفت" ثلاثة تريليونات. وبذلك، فاقت قيمة كل شركة منها النّاتج المحلي السنوي لأكبر اقتصاد عربي، وهو اقتصاد المملكة العربية السعودية الذي يقدّره صندوق النقد الدولي بنحو 1.39 تريليون دولار في عام 2026.

لكنّ المقارنة تحتاج إلى الحذر. ليست القيمة السّوقية سوى تقدير متغيّر لقيمة الشركة في البورصة، أمّا الناتج المحلي فهو قيمة ما ينتجه بلد خلال سنة. مع ذلك، تكشف هذه الأرقام قدرة الشركات العملاقة على تمويل الرقائق ومراكز البيانات والاستحواذات والبحث العلمي بمستويات لا تستطيع دول كثيرة مجاراتها.

هل يجعلها ذلك أقوى من الدول؟ ليس بالمعنى السيادي؛ الدولة تُشرّع وتفرض الضرائب وتملك القضاء والقوة العامة. لكن شركات التكنولوجيا اكتسبت نوعًا مختلفًا من القوة: هي تملك البوّابات التي تمرّ عبرها التجارة والمعلومات والعمل والإعلان، وتضع شروط الدخول إلى متاجر التطبيقات، وتحدّد ما يظهر للمستخدم، وتستضيف بيانات الحكومات والمصارف والشركات. ولا يقتصر نفوذها على السحابة والمنصّات، بل يمتدّ إلى الرقائق ونماذج الذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفع والبنى التي تقوم عليها الخدمات الرقمية.

في الفصل الثاني من عام 2026، استحوذت "أمازون" و"مايكروسوفت" و"غوغل" مجتمعةً على 63 في المئة من سوق خدمات البنية التحتية السحابية العالمية. وترتفع حصتها إلى 67 في المئة في سوق السحابة العامة تحديدًا. ووفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، نمت حصة أكبر خمس شركات من مبيعات أكبر 100 شركة رقمية متعدّدة الجنسية من 21 في المئة في عام 2017 إلى 48 في المئة في عام 2025.

هذه ليست مجرّد أرقام. عندما تعتمد مؤسّسة على مزوّد سحابي واحد، يصبح نقل البيانات والبرامج إلى منافس مكلفًا ومعقدًا. وعندما تجمع شركة واحدة بين السحابة ونماذج الذكاء الاصطناعي والإعلانات ونظام التشغيل، تستطيع تحويل البيانات المتراكمة في خدمة إلى ميزة تنافسية في خدمة أخرى، بما يُصعّب دخول الشركات المحلية.

وجود الخوادم داخل البلد لا يحقّق السيادة الرقمية وحده

وتستفيد الدول العربية من جذب هذه الاستثمارات. فقد أعلنت "مايكروسوفت" أنها ستضخّ استثمارات وإنفاقًا بقيمة إجمالية تبلغ 15.2 مليار دولار في دولة الإمارات العربية المتحدة ما بين عاميْ 2023 و2029، تشمل مراكز البيانات وحصتها في شركة "G42" والنفقات التشغيلية. وفي السعودية، تخطّط "Amazon Web Services" لاستثمار أكثر من 5.3 مليارات دولار في البنية السحابية، مع إطلاق منطقتها الأولى في ديسمبر/كانون الأول 2026.

لكن وجود الخوادم داخل البلد لا يحقّق السيادة الرقمية وحده. السؤال الأهم هو: مَن يملك البرمجيّات ومفاتيح التشفير؟ وأي قانون يخضع له المزوّد؟ وهل تستطيع المؤسّسة نقل بياناتها وتشغيل خدماتها إذا انقطع المورد أو غيّر شروطه؟ تستطيع دول عربية تحصيل ضريبة القيمة المضافة من الخدمات الرقمية، ويتحمّلها المستهلك النهائي عادةً، بينما تستطيع الشركات المسجّلة استردادها أو حسمها في حالات كثيرة. لكن ذلك لا يعالج مشكلة تحديد مكان تحقّق أرباح شركة تبيع خدماتها في بلد من دون حضور مادي كبير.

ومع استمرار مفاوضات اتفاقيّة الأمم المتحدة للتعاون الضريبي وعدم اكتمال الترتيبات الدولية لإعادة توزيع بعض حقوق فرض الضرائب على أرباح الشركات المُتعدّدة الجنسيّات، تبقى الأسواق العربية الصغيرة منفردةً في موقف تفاوضي أضعف من المنصّات العالمية.

تحتاج المنطقة إلى التفاوض مع شركات التكنولوجيا بحجم سوق عربية لا بحجم كل بلد منفرد

أمّا في المنافسة، فلا تكفي القوانين التقليدية التي تُطبَّق بعد وقوع الضرر. تميل الأسواق الرقمية إلى مكافأة الفائز: يجذب كل مستخدم جديد مزيدًا من البيانات والمعلنين والمطوّرين. وقد يصبح صاحب المنصّة منافسًا وحكمًا في الوقت عينه، فيرتّب منتجاته أولًا أو يلزم المطوّرين بنظام الدفع التابع له. ويمتدّ الأثر إلى المستهلك. قد لا يدفع المستخدم ثمنًا نقديًا، لكنّه يدفع ببياناته وانتباهه. وقد يواجه تصميمًا يدفعه إلى قبول التتبّع، أو اشتراكًا يصعب إلغاؤه، أو قرارًا آليًّا لا يعرف كيف يعترض عليه.

ولهذا حظّرت القواعد الأوروبية "الأنماط المظلمة" التي تخدع المستخدم، وفرضت مزيدًا من الشفافيّة في الإعلانات، وأتاحت الاعتراض على قرارات حذف المحتوى، وخيار موجز غير قائم على التوصيات الشخصية في المنصات الكبرى.

المشتريات الحكومية العربية المشتركة يمكنها أن تفرض شروطًا أفضل لنقل المعرفة

لا تحتاج المنطقة إلى محاربة شركات التكنولوجيا أو إغلاق أسواقها أمامها، بل إلى التفاوض معها بحجم سوق عربية، لا بحجم كل بلد منفرد. يبدأ ذلك بتعريف عربي مشترك للمنصّات "حارسة البوّابات" (المهيمنة على البوّابات الخاصة بدخول الأسواق)، وإلزامها بقابلية نقل البيانات والتشغيل البيني، ومنعها من تفضيل خدماتها أو فرض نظام دفع تابع لها. وتحتاج الحكومات أيضًا إلى تضمين عقود السحابة حقّ الانتقال إلى مزوّد آخر، وخطط التخارج واستمرارية الخدمة.

ويمكن للمشتريات الحكومية العربية المشتركة أن تفرض شروطًا أفضل لنقل المعرفة وتدريب الكفاءات وإتاحة واجهات البرمجة للشركات المحلية. وضريبيًّا، يُفيد تبادل بيانات المبيعات ووضع قواعد متقاربة للتسجيل والتحصيل والتدقيق، مع توحيد الموقف العربي في المفاوضات الدولية. أمّا المستهلك، فيحتاج إلى بوابة عربية للشكاوى العابرة للحدود، وقواعد موحّدة للإعلانات الموجهة وإلغاء الاشتراكات وحماية الأطفال وشرح القرارات الآلية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن