النفط ومستقبل الطاقة

العرب والطاقة البديلة!ضرورة الاستثمارات الجماعية وتبديد المقاومة المجتمعية

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

المشاركة

تعمّق الإرادة السياسية المقيّدة بالتبعية للوقود الأحفوري، أزمة الطاقة المتصاعدة، في العديد من بلدان العالم العربي، في وقت يتحوّل فيه العديد من دول العالم نحو الطاقة النظيفة، وهو ما بات يدفع بضرورة الاتجاه نحو ضخّ مزيد من الاستثمارات العربية في مصادر الطاقة البديلة، والعمل الجماعي على إصلاح ما تعانيه تلك السّوق الواعدة من تشوّهات.

العرب والطاقة البديلة!
ضرورة الاستثمارات الجماعية وتبديد المقاومة المجتمعية

ينظر كثير من الخبراء إلى ملف الطاقة البديلة باعتباره أحد أهم الملفات التي يتعيّن التعاطي معها بالقوة المطلوبة عربيًّا، خصوصًا خلال السنوات القليلة المقبلة، في ظلّ توقّع العديد من الدراسات المتخصّصة، زيادة في الطلب على الطاقة بنسبة قد تفوق 7% من النسب الحالية، وهو ما يعني على نحو مباشر، استنزاف مزيد من مخزون النفط والغاز العربي، اللذين يمثلان نسبة نحو 98.2% من استهلاك الطاقة في البلدان العربية، ما يجعل من الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، قضية بالغة الضرورة، في ظل الاستهلاك المتنامي للطاقة الكهربائية، خصوصًا خلال فصل الصيف، لمواجهة التغيّرات المناخية الحادة.

الهيدروجين الأخضر من التقنيات المهمة لتحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ

تقدّر الإحصاءات الرسمية، إجمالي استهلاك الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تضم أغلب الدول العربية، بنحو 1600 تيراواط/ساعة، وتعدّ المملكة العربية السعودية هي الأعلى استهلاكًا للكهرباء، بينما تتصدّر الكويت قائمة الأعلى عربيًّا وعالميًّا، في استهلاك الفرد للكهرباء، بنحو 19.062 كيلوواط/ساعة سنويًّا، وتستحوذ مصر والسعودية والإمارات والعراق والجزائر على نحو 74% من إجمالي إنتاج الكهرباء في المنطقة العربية، حيث تُنْتِجُ مصر وحدها أكثر من 200 تيراواط/ساعة سنويًّا، بتكلفة تصل إلى نحو 600 مليار جنيه، تخصّص لشراء الوقود اللازم لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء، التي تُعادل نحو 13% من إجمالي إنتاج المنطقة العربية برمّتها، وهو ما يجعل من التحوّل نحو إنتاج الطاقة النظيفة، ضرورة اقتصادية ملحّة، في ظلّ وفرة الموارد الطبيعية مثل الشمس والرياح، إلى جانب وفرة رأس المال الذي يمكن تدبيره، فالأزمة تتعلّق حسبما يرى الدكتور أحمد سليمان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة في جامعة الإسكندرية، بوفرة الدعم المقدّم للوقود الأحفوري، الأمر الذي يحول دون تحوّل حقيقي، في ظلّ استمرار دعم الأسعار المُصطنعة للكهرباء والوقود، ما يجعل الطاقة المتجدّدة غير قادرة على المنافسة اقتصاديًّا في السوق المحلية، على الرغم من انخفاض تكاليفها عالميًّا، وعلى الرغم من اتجاه العديد من الدول الغربية في الفترة الأخيرة، إلى التحوّل نحو إنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يعدّ واحدًا من التِّقنيّات الجديدة المهمّة لتحقيق أهداف اتفاقيّة باريس للمناخ.

ويضيف سليمان أنه على الرغم من أنّ إنتاج الهيدروجين الأخضر، لا يزال في خطواته الأولى، إلّا أنّ الاتجاه الدولي يسير باتجاه ضخّ مزيد من الاستثمارات في هذه التكنولوجيا، التي تستهدف إنتاج نحو 500 غيغاواط بواسطة تلك التقنية الحديثة، وسط تنبّؤات للعديد من مؤسّسات الخدمات المالية، ومن بينها مؤسسة "غولدمان ساكس" الأميركية، تشير إلى أن حجم الاستثمار في الهيدروجين الأخضر، قد يصل إلى نحو 12 تريليون دولار بحلول العام 2050.

قفزات كبيرة في الاستثمارات الموجّهة للطاقة المتجدّدة في كثير من دول العالم العربي

على مدار العقدين الأخيرين، نجحت المنطقة العربية في استقطاب العديد من الاستثمارات الأجنبية للبدء في تنفيذ سلسلة من المشروعات المتعلقة بالطاقة المتجدّدة، بتكلفة إجمالية تجاوزت 300 مليار دولار، وهي نسبة لا تزال تراوح مكانها مقارنةً بقيمة سوق الطّاقة المتجدّدة عالميًّا، والتي تقدّر بأكثر من 1.07 تريليون دولار، لكن ذلك لا ينفي حسبما يرى الدكتور أحمد قنديل خبير شؤون الطاقة في "مركز الأهرام للدراسات"، حدوث قفزات كبيرة في الاستثمارات الموجّهة للطاقة المتجدّدة في كثير من دول العالم العربي، خاصّةً في مجال طاقة الرّياح والطّاقة الشمسيّة، على نحو من شأنه أن يلعب دورًا كبيرًا في زيادة فرص انتشار العديد من مشروعات توطين الطاقة المتجدّدة عربيًّا، ومن ثم زيادة الاستثمارات الأجنبية في هذا المجال، بعدما تركّزت لسنوات طويلة بشكل رئيس في الصين والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا والهند واليابان وإسبانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا.

تتصدّر المملكة العربية السعودية قائمة الدول العربية المنتجة للطاقة النظيفة، بإجمالي يصل إلى نحو 12.33 غيغاواط، باستثمارات بلغت قيمتها نحو 9.62 مليارات دولار أميركي بنهاية العام الماضي. وتقول المملكة إنها تستهدف الوصول بحصّة الطاقة المتجدّدة إلى ما يزيد على 50% من إجمالي مصادر توليد الكهرباء في البلاد بحلول العام 2030، فيما تحلّ مصر في المرتبة الثانية عربيًّا، بجملة إنتاج تصل إلى نحو 9.26 غيغاواط، تليها الإمارات العربية بإنتاج يصل إلى 7.91 غيغاواط، ثم المغرب وسوريا والأردن والسودان ولبنان الذي يصل إجمالي ما ينتجه من الطاقة المتجددة إلى 1.80 غيغاواط.

على متخذي القرار توضيح إيجابيّات الطاقة الجديدة وأخذ أولويات المجتمعات المحلية في الاعتبار

تبدو المقاومة المجتمعية نحو التحوّل للطاقة البديلة في المنطقة العربية، أحد أبرز المعوقات التي تحول حسبما ترى الدكتورة زينب عباس أستاذة الإدارة العامة في كلية علوم الإدارة بجامعة اكتوبر للعلوم الحديثة، دون إتمام هذا التحوّل بالصورة المطلوبة، فعلى الرغم من ظهور العديد من الآليّات في معظم الدول العربية، لتحفيز الاستثمار في مشروعات الطّاقة المتجدّدة، من جانب القطاع الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي، وإعلان العديد من شركات إنتاج الكهرباء المحلية، وشراء الطاقة المنتجة من قبل محطات القطاع الخاص، بأسعار جاذبة للاستثمار في هذه المشروعات، إلّا أنّ المقاومة المجتمعية نحو التحوّل للطاقة النظيفة، ترجع إلى عوامل عدة، ربما كان من أبرزها هو انتفاء الوعي والشفافيّة، وإتاحة الفرصة للأطراف المجتمعيّة المختلفة، للمشاركة في اتخاذ القرار، وهو ما لن يتحقّق إلّا عبر اطلاع تلك الأطراف على نتائج تقييم الدراسات الخاصة بالطاقة النظيفة، من حيث المنافع والأضرار المتوقّعة، وكذلك من حيث الفرص المتاحة المصاحبة للتطبيق.

وتضيف زينب أن الخوف المجتمعي يبدو طبيعيًّا، لأنه يتعلق بترك المألوف والمعتاد، والتوجّه نحو الجديد المجهول، وهو ما يتطلّب من متخذي القرار دائمًا، توضيح إيجابيّات الطاقة الجديدة، ومخاطر الطاقة التقليدية على البيئة، وأخذ أولويات المجتمعات المحلية في الاعتبار.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن