لم تثبت استراتيجية دونالد ترامب في الحرب على إيران نجاحها، فالرئيس الأميركي فشل حتى الآن في إخضاع إيران في حروبه المتكررة عليها، كما كان يخطط ويعلن، سواء منفرداً أم بالاشتراك مع صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ما زال ترامب يهدد ويتوعد لكنه لم يحرز كثير نجاح فيي جني نتائج سياسية رغم الدمار الكبير الذي ألحقه في البنى التحتية النووية والعسكرية والمدنية الإيرانية.
فوجئ الرئيس الاميركي بقدرة إيران العسكرية المدعومة بخبرات روسية وبتكنولوجيا صينية متطورة جداً، كذلك بتماسك جبهتها الداخلية التي راهن كثيراً على تضعضها رغم بعض التباينات بين مراكز قوى طبقتها الحاكمة. حتى الآن تبدو إيران في موقع قوة في المفاوضات ممسكة بورقة مضيق هرمز وإلى حد ما بورقة باب المندب وبورقة التهديد بإشعال المنطقة كلها. تفاوض إيران على تحقيق مكاسب من الحرب فيما يفاوض ترامب على الخروج باتفاق يحفظ ماء الوجه. ليحقق إنجازاً لم يعد أمامه إلا خيار وحيد توجيه ضربة قاصمة لإيران أياً كان الثمن وهو بالتأكيد ثمن مرتفع جداً ستدفعه دول الخليج والاقتصاد العالمي. ومثل هذه الضربة تتطلب حسابات معقدة جداً على المستويات العسكرية والاقتصادية فضلاً عن تبعاتها السياسية الداخلية. الحل الآخر إذا فضّل عدم الاندفاع أكثر عسكرياً هو تقديم مزيد من التنازل لمصلحة إيران كالسماح لها بفرض ضريبة عبور في مضيق هرمز ولو بنسبة 5 في المئة كما يشاع حالياً وتقصير مهلة حظر نشاطها النووي أو فرض رقابة مشددة عليه.
إما إيران "المهزومة" بحسب قول ترامب، فتفاوض بتصلب واضح وسقف عال، أياً كانت مرجعية القرار فيها، في إجادة كبيرة للعبة تبادل الأدوار، بين مرشد لا يعرف عن حالته شيء حتى الآن يرسل رسائل مكتوبة وحرس ثوري مصمم على القتال والتهديد بحرب تدمر المنطقة كلها وسياسيين يبدون مفاوضين يمكن التعامل معهم لكنه ليسوا أصحاب القرار ولا يحيدون عن توصيات المرشد المكتوبة التي ليس مستبعداً أن تكون مكتوبة بحبر الحرس الثوري القابض على كل شيء حالياً. يبدو خطاب ترامب تجاه إيران ظاهرياً متناقضاً ومتخبطاً ويعكس مأزق الحرب التي قال إنها مسألة أيام وتستسلم إيران فيما طالت كثيراً من دون حسم لا عسكرياً ولا بالمفاوضات.
طبعاً، ليس من المنطق قراءة خطاب ترامب تجاه إيران من خلال تصريح أو موقف. فخطابه تحرك بين أقصى درجات التهديد العسكري والحديث عن تدمير إيران وإخضاعها، وبين الدعوة إلى التفاوض والقول إن الحل السياسي هو الطريق الأفضل لإنهاء الحرب. وفي كل ذلك يصرّ على تقديم نفسه رئيساً يريد السلام، واضعاً في صدارة صورته السياسية فكرة إنهاء الحروب لا إشعالها.
وهذه مفارقة ليست تفصيلاً عابراً في شخصية ترامب السياسية، بل تكاد تكون جوهر طريقته في إدارة الأزمات الدولية: رفع سقف التهديد إلى الحد الأقصى ، ثم فتح باب التفاوض عندما يرى أن الكلفة باتت عالية أو عندما يرى أن ضرباته العسكرية قد تمنحه موقعاً تفاوضياً أقوى وهو لذلك شن الموجة الثالثة من القصف على إيران الشهر الفائت، لكن هل صحيح أن الولايات المتحدة تفاوض حالياً من موقع أقوى؟
منذ بداية المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، استخدم ترامب لغة عسكرية شديدة اللهجة. فقد ربط بين منع إيران من امتلاك السلاح النووي وبين استخدام القوة، وذهب خطابه في بعض المراحل إلى التهديد بتدمير قدرات إيران العسكرية وحتى استهداف النظام نفسه. وأخيراً هدد بأن الولايات المتحدة قد تدمر مناطق إيرانية على نطاق واسع مستهدفة منشآت الطاقة العصب الاقتصادي لإيران قبل أن يتراجع عشية موعد الضربة مبرراً تراجعه بطلب إيران ودول المنطقة وقف الضربات والعودة إلى التفاوض وهو ما نفت إيران أن تكون طلبته.
ظاهرياً يبدو ترامب متردداً لكن لفهم تذبذبه يجب فهم شخصيته، وربما يكون العكس هو الصحيح، فهو في حربه على إيران يستخدم مفهوم السلام من خلال القوة، وفعل ذلك في الحرب الروسية الأوكرانية رغم كل احتقاره للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إذ ما زال يمد كييف بمصادر القوة العسكرية والاستخبارية لفرض معادلة قوة على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجره إلى سلام بالتفاوض.
ووفق هذا المفهوم لا تكون الدبلوماسية نقيضاً للقوة العسكرية، بل نتيجة لها. أي أن الولايات المتحدة، في رأي ترامب، لا تدخل المفاوضات من موقع الضعف أو المساومة التقليدية، وإنما بعد أن تجعل الخصم يدرك حجم الثمن الذي يمكن أن يدفعه إذا رفض الاتفاق. لكن ليس التنظير كافياً وحده فوقائع الميدان والأخطار الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والخليج ربما لم تكن في حسبان الرئيس الأميركي الذي تعوزه المعرفة الواسعة بالمنطقة وتركيبتها الاجتماعية والدينية وتعقيداتها التاريخية. يريد ترامب رسم صورة لنفسه بأنه رجل سلام وهنا المفارقة الكبرى: السلام عبر الحرب.
(النهار اللبنانية)

