لاءات نتنياهو ترسم معالم المشهد

الرئيس دونالد ترامب مع بنيامين نتنياهو في مارالاغو بفلوريدا يوم 29 كانون الأول 2025 (أ.ف.ب)

حين تصبح "اللاءات" من جديد مشروعاً سياسياً، فإن تصريحات بنيامين نتنياهو المتلاحقة ليست مجرد مواقف عابرة في سياق حرب مفتوحة، ولا هي كلمات تُقال للاستهلاك السياسي، ثم تطويها الأيام، بل هي وصفة كارثية لاستعداء العالم، وزيادة اضمحلال المشهد، وخلق بيئة موبوءة بمكونات الدمار. هذا المقال المدّعم بمساهمة الذكاء الاصطناعي يراجع اليوم تلك اللاءات.

فحين تتكرر الـ"لا" الإسرائيلية تجاه الانسحاب من غزة، وتجاه قيام دولة فلسطينية، وتجاه بقاء الفلسطينيين في أرضهم، وتجاه وجود أي سلطة تحكم حياتهم، فإننا لا نكون أمام مواقف منفصلة، بل أمام ملامح مشروع سياسي متكامل يراد له أن يعيد رسم الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة معاً. السلام الذي يُبنى على اقتلاع شعب ليس سلاماً، والدولة التي تقوم على أنقاض شعب آخر ليست دولة، والتاريخ الذي يُكتب بالقوة قد يفرض واقعاً لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يمحو الحقيقة إلى الأبد

فأي مشهد هذا الذي يريد نتنياهو أن يرسمه؟ غزة بلا أفق سياسي، والضفة مقطعة الأوصال، والاستيطان يتمدد، والقدس تُستهدف هويتها، ومنظمة التحرير لا يراد لها أن تبقى، بينما يصبح الفلسطيني نفسه، في قاموس هذا المشروع، مشكلة ينبغي التعامل معها لا شعباً صاحب حق ينبغي الاعتراف به. إن أخطر ما في هذه الرؤية ليس فقط ما تقوله، بل ما تسعى إلى منعه، كمنع قيام الدولة الفلسطينية، وهو يعني إغلاق الباب أمام حل الدولتين. وفصل غزة عن الضفة الغربية يعني ضرب وحدة فلسطين في الصميم. وتعميق دور المستوطنين يعني نقل الاستيطان من كونه أداة احتلال إلى كونه طرفاً فاعلاً في صناعة القرار على الأرض. أما تهجير الفلسطينيين، بصورة مباشرة، أو عبر جعل الحياة مستحيلة، فيعني إعادة إنتاج واحدة من أكثر صفحات التاريخ الآدمي إجراما.

والسؤال هنا ليس: ماذا يريد نتنياهو؟ السؤال الأهم: هل يسمح العالم بأن تتحول إرادة حكومة إلى قدر لشعب بأكمله؟ فغزة ليست قطعة أرض يمكن فصلها عن فلسطين بقرار سياسي، والضفة ليست منطقة جغرافية قابلة لإعادة التقسيم وفق خرائط المستوطنات، والقدس ليست تفصيلاً في معادلة التفاوض. والفلسطينيون ليسوا فائضاً سكانياً يمكن نقله من مكان إلى آخر كلما تبدلت الحسابات السياسية. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الوقائع المفروضة على الأرض إلى "حقائق سياسية" مع مرور الوقت. فالتاريخ لا يرحم أولئك الذين يكتفون بمراقبة الجريمة وهي تتشكل، ثم يبحثون بعد سنوات عن لغة لإدانة نتائجها.

لقد كان حل الدولتين، رغم كل عثراته، عنواناً دولياً طالما تكرر على ألسنة القوى الكبرى. أما اليوم، فإن المطلوب ليس تكرار العبارة ذاتها، بل حماية مشروع الدولة الفلسطينية، فبالفعل لا بالشعارات يوقف الاستيطان، وتصان وحدة غزة والضفة، وتحمى القدس، ويمّكن الفلسطينيون من تقرير مصيرهم، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي باعتباره قاعدة للحل لا ديكوراً دبلوماسياً. أما منظمة التحرير الفلسطينية، بكل ما يمكن أن يقال في أدائها، فليست مجرد مؤسسة إدارية يمكن شطبها من المعادلة. إنها جزء من بنية التمثيل السياسي الفلسطيني، وأي مشروع لإضعافها أو تفريغها من مضمونها لن يؤدي إلا إلى خلق فراغ ستدفع المنطقة كلها ثمنه.

وفي النهاية، فإن معركة غزة لم تعد معركة على قطاع محاصر فحسب، بل معركة على فكرة فلسطين نفسها: هل تبقى وطناً لشعب، أم تتحول إلى جزر منفصلة تُدار بالخرائط والحواجز والاستيطان؟ هنا تحديداً تكمن خطورة الـ"لا". فحين تتكاثر "اللاءات" الإسرائيلية، ينبغي أن يرتفع في المقابل صوت فلسطيني وعربي ودولي واضح: لا لتهجير الفلسطينيين، لا لتجزئة فلسطين، لا لضم الأرض، لا لشرعنة الاستيطان، ولا لدفن الدولة الفلسطينية. فالسلام الذي يُبنى على اقتلاع شعب ليس سلاماً، والدولة التي تقوم على أنقاض شعب آخر ليست دولة، والتاريخ الذي يُكتب بالقوة قد يفرض واقعاً لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يمحو الحقيقة إلى الأبد. فلسطين ليست بنداً في خطاب نتنياهو.. وفلسطين، في نهاية المطاف، أكبر من كل "اللاءات"، فهل تصل الرسالة؟ ننتظر ونرى.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن