مساء الخميس الماضي، نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حجز المركز الأول في سباق أكثر السياسيين كذبا ربما على مر التاريخ. نجاح نتنياهو كان بالصوت والصورة وأمام كل العالم خلال كلمته التي ألقاها في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة واستغرقت 44 دقيقة. في هذا الوقت كنت ضيفا في استديو قناة "بي بي سي" البريطانية بالقاهرة للتعليق على الكلمة، استمعت إليها من خلال مترجم القناة بإنصات شديد لمدة 44 دقيقة تقريبا، ولولا الصبر والتحمل وطبيعة المهنة لانفجرت غضبا من حجم الأكاذيب غير الطبيعية التي حفلت بها الكلمة من بدايتها إلى نهايتها. حاولت بقدر المستطاع أن أكون موضوعيا، وأبحث عن كلمة أو عبارة أو بيان أو رقم أو جملة صحيحة وصادقة في الكلمة ففشلت.
وحينما خرجت من القناة وبدأت أبحث عن ردود الفعل بين المعلقين والسياسيين الإسرائيليين فوجئت بأن عددا منهم ساورهم نفس الشعور. واتفقوا جميعا، ومعهم 5 ضيوف كانوا معي في الاستديو، على أن نتنياهو ارتكب أكبر قدر من الأكاذيب، بل إن أحدهم وصف الكلمة بأنها أكبر كذبة في التاريخ أو كذبة القرن.
المؤكد أن المستهدف الأول والرئيسي من أكاذيب نتنياهو كان موجها بالأساس إلى الإسرائيليين، خصوصا إلى الناخبين وبالأخص إلى المتطرفين منهم، وذلك قبل الانتخابات المقررة بعد شهر تقريبا من الآن، وتشير معظم استطلاعات الرأي إلى أن حزب الليكود الذى يقود الائتلاف الحالي سوف يخسر الانتخابات، وقد لا يتمكن حتى من تشكيل حكومة ائتلافية. ونتيجة لذلك فإن نتنياهو استخدم كل مهاراته ومراوغاته وأكاذيبه لكى يخاطب عواطف الإسرائيليين في الداخل والخارج، مع التركيز أساسا على استمرار دعم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له.
حينما دخل نتنياهو إلى قاعة الأمم المتحدة في نيويورك خرج العديد من قادة ومسؤولي عدد كبير من الدول، خصوصا العربية والإسلامية للعام الثاني على التوالى احتجاجا على مجزرة القرن التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 حتى الآن بهدف ليس فقط منع قيام الدولة الفلسطينية ولكن تهجير الفلسطينيين من القطاع والضفة الغربية. خطاب نتنياهو كان انتخابيا صرفا وعاطفيا بطريقة مملة بدأه بالحديث عن مقتل أخيه يوني خلال محاولة إنقاذ ركاب طائرة إسرائيلية اختطفها فلسطينيون وذهبوا بها إلى أوغندا عام 1977، وكيف أن أخاه قال له قبل حرب يونيو 1967 "سوف ننتصر لأنه لا يوجد لنا مكان آخر نذهب إليه" وهي العبارة التى كررها نتنياهو عشرات المرات خلال كلمته ضد أعداء إسرائيل.
ويعلم الجميع أن غالبية سكان إسرائيل منذ عام 1948 جاءوا إليها من بلدانهم الأصلية، خصوصا شرق أوروبا والبلاد العربية، وحاولوا ويحاولون قتل وتهجير سكانها العرب الأصليين. هاجم نتنياهو الأوروبيين الذين اعترفوا بالدولة الفلسطينية، وقال إنهم هم المستعمرون وأنهم ينافقون العرب. أكبر أكاذيب نتنياهو خلال كلمته، قوله إن الذين نفذوا عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 ذبحوا واغتصبوا النساء والأطفال الإسرائيليين، وهو الأمر الذي لم تثبت صحته إطلاقا. نعم العملية أدت إلى مقتل نحو 1200 إسرائيلي، لكن نتنياهو لم يذكر إطلاقا أنه وجيشه قتلوا 74 ألف فلسطيني وأصابوا 175 ألف آخرين، هو قال إن عدد الضحايا الإسرائيليين مقارنة بسكانها يساوي 1٪ من سكان أمريكا، لكنه نسي أن عدد الضحايا الفلسطينيين الذين قتلهم قد يساوون ملايين الأمريكيين.
يكذب نتنياهو ويقول إن حزب الله وإيران وجها 150 ألف صاروخ باليستي ضد إسرائيل، لكنه ينسى أنه من بادر إلى مهاجمة إيران في يونيو من العام الماضي، ثم عاد مرة أخرى هو وإدارة ترامب إلى شن حرب واسعة النطاق على إيران في 28 فبراير الماضي، ما تزال مستمرة حتى الآن، هل يعتقد أنه سيهاجم إيران ثم لا ترد عليه؟!!
أما أكبر أكاذيب نتنياهو فهي قوله إن الإرهابيين الفلسطينيين يقتلون الإسرائيليين في الضفة الغربية، وإنهم يطلقون النار على الأسر الإسرائيلية المسالمة. هذا الكذاب الأشر ينسى أن الضفة هي أرض فلسطينية محتلة طبقا للقانون الدولي، وطبقا لاتفاق أوسلو الذي وقّعت عليه إسرائيل في عام 1993. وحكومته تستولي كل يوم على أرض جديدة وتقيم عليها المستوطنات. ويدعم وحشية المستوطنين لطرد الفلسطينيين من الضفة. يخاطب نتنياهو عمدة نيويورك زهران ممداني ويقول له، إن اليهود في أمريكا لا يشعرون بالأمان رغم أن الأخير تعامل معهم بتحضر شديد، في حين أن شعوب فلسطين ولبنان وسوريا ليست فقط لا تشعر بالأمان، بل تتعرض للقتل والدمار والاحتلال في كل لحظة.
لم يكذب نتنياهو فقط فيما يتعلق بالحاضر، بل امتدت أكاذيبه إلى آلاف السنين الماضية ووجه اتهامات للفراعنة والبابليين، متوعدا بغزو وإسقاط وتدمير كل من يقف في وجه أكاذيبه وأكاذيب نظامه العنصري الفاشي.
(الشروق المصرية)

