بصمات

"مسكويه"... ومنهجيّة في قراءة التاريخ!

أبدع المؤرّخون نظرات منهجية عميقة في الثقافة العربية قبل العصر الحديث، وهي جديرة بتسليط الضوء عليها لا بغرض المنافسة السّاذجة حول أسبقيّة هذه الفكرة أو تلك، بل عبر الاهتمام بالروح الإبداعية التي فجّرت قوة النّظر لدى الكثير من المؤرخين، للنظر بعمق في تحليل الروايات التّاريخية بنفس علمي يركّز على سياق الحدث البشري، ويبرز هنا اسم مسكويه (توفي سنة 421هـ/1030م) كأحد أبرز أصحاب النظرات المنهجية في قراءة التاريخ.

عُرف مسكويه بكونه فيلسوف الأخلاق الشهير بكتابَيْه "الحكمة الخالدة" و"تهذيب الأخلاق"، كما تولّى الإشراف على خزانة البويهيّين الضخمة لسنوات طويلة، الأمر الذي مكّنه من الإبحار بين الكتب وتحصيل الكثير من المعرفة التاريخية، ما قاده إلى تأليف كتابه التاريخي "تجارب الأمم وتعاقب الهمم".

ظهر مسكويه في فترةٍ عُدّت ذروة الحضارة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وشهدت الكتابة التاريخية وقتذاك تقدمًا منهجيًّا كبيرًا بعد انتهاء فترة جمع الروايات التاريخية التي بلغت ذروتها بالبلاذري والطبري. جاء جيل مسكويه باهتماماتٍ أخرى أكثر ارتباطًا بما نطلق عليه اليوم التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للأمم والشعوب.

وضع رؤية ذات بُعد تعليمي للاستفادة من قراءة التاريخ

في ذلك القرن، ظهرت مؤلفات تاريخية ذات نفس مختلف؛ بداية من "البدء والتاريخ" لأبي زيد البلخي (توفي سنة 322هـ/934م)، وكُتُب المسعودي (توفي سنة 346هـ/957م)، مرورًا بما دوّنه القاضي التنوخي (توفي سنة 384هـ/994م)، وما أودعه التوحيدي من أخبار اجتماعية وثقافية في كتبه، وفي الفترة عينها ازدهرت الكتابة التاريخية الإقليمية في مجتمعات المسلمين.

وضع مسكويه رؤيةً ذات بُعد تعليمي للاستفادة من قراءة التاريخ، إذ يقول في مقدّمته: "وإنّي لمّا تصفحت أخبار الأمم، وسير الملوك، وقرأت أخبار البلدان، وكتب التواريخ، وجدت فيها ما تستفاد منه تجربة لا تزال يتكرّر مثلها، وينتظر حدوث شبهها وشكلها؛ كذكر مبادئ الدول، ونشء الممالك، وذكر دخول الخلل فيها بعد ذلك، وتلافي مَن تلافاه وتداركه إلى أن عاد إلى أحسن حال، وإغفال من أغفله واطّرحه إلى أن تأدّى إلى الاضمحلال والزوال".

ويتابع: "ورأيت هذا الضرب من الأحداث إذا عرف له مثال ممّا تقدم، وتجربة لمَن سلف، فاتخذ إمامًا يُقتدى به، وحُذّر ممّا ابتلى به قوم، وتمسّك بما سعد به قوم، فإنّ أمور الدنيا متشابهة، وأحوالها متناسبة، وصار جميع ما يحفظه الإنسان من هذا الضرب كأنّه تجارب له... وكأنّه قد عاش ذلك الزمان كله، وباشر تلك الأحوال بنفسه، واستقبل أموره استقبال الخَبِر وعرفها قبل وقوعها، فجعلها نصب عينه وقبالة لحظه، فأعد لها أقرانها وقابلها بأشكالها".

التاريخ باعتباره سجل البشرية هو المعلّم الأول للإنسان

ولكي يحقّق مسكويه هدفه يعد القارئ بأنّه سيعمل على تنقية الأخبار التي ينتفع بها من الغثّ والرديء، فيقول: "ووجدت هذا النمط من الأخبار مغمورًا بالأخبار التي تجري مجرى الأسمار والخرافات التي لا فائدة فيها غير استجلاب النوم بها، والاستمتاع بأنس المستطرف منها، حتى ضاع بينها، وتبدّد في أثنائها، فبطل الانتفاع به، ولم يتصل لسامعه وقارئه اتصالًا يربط بعضه بعضًا".

واللافت أنّ مسكويه يتوجّه بكتابه إلى كل طبقات المجتمع، فعلى الرغم من إقراره بأنّ "أكثر الناس انتفاعًا به وأكبرهم حظًا منه، أوفرهم قسطًا من الدنيا، كالوزراء، وأصحاب الجيوش، وسواس المدن، ومدبري أمر العامة والخاصة"، فإنّه يؤكد أنّ الكتاب ينتفع به "سائر طبقات الناس، وأقل الناس حظًا، لا يخلو أن ينتفع به في سياسة المنزل، وعشرة الصديق، ومداخلة الغريب".

أي أنّ التاريخ هنا باعتباره سجل البشرية هو المعلّم الأول للإنسان لأنه يمدّه - عبر تأمّل أحوال الأمم - بتجارب تكسبه القدرة على التعامل مع الحياة بأوجهها المختلفة، وهذه النظرة في التوجّه إلى القارئ بالمعنى الواسع لا لأمير أو صاحب سلطة جديرة بالالتفات لأن فيها نفسًا حداثيًّا.

روح نحن في حاجة إليها عند البحث عن منهجية تعبّر عنّا وعن منجزنا وثقافتنا

إن منهج مسكويه في كتابه "تجارب الأمم" يذكّرنا بمقدمة ابن خلدون الذي جاء بعده بثلاثة قرون تقريبًا، نرى هنا مسكويه كسلفٍ لابن خلدون وإن كان الأخير أكثر تطوّرًا بحكم التراكم المعرفيّ للحضارة العربية الذي مكّنه من تطوير الأفكار التي ظهرت عند جيل مسكويه.

ومن هنا أهمية قراءة كتاب "تجارب الأمم" لأنّه مرحلة مهمّة في تطوّر منهجية القراءة التاريخية في الثقافة العربية، وهي روح نحن في حاجة إليها عند البحث عن منهجية تعبّر عنّا وعن منجزنا وثقافتنا. ولا يعني هذا الانغلاق عن المنهجيّات الحديثة التي هي نتاج التراكم الإنساني الحاصل عبر القرون، بل هي دعوة للمزج بين جرأة القدماء في اقتراح رؤًى ونزعات منهجية عبر روح إبداعية لا تعرف الجمود، والاستفادة من منجز الآخر المنهجي من دون الانسحاق ومن ثمّة الوقوع في النقل المعرفي من دون إضافة!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن