تُعرف حروب الظل في الأدبيات السياسية، بأنها تلك الصراعات غير المعلنة، التي تُدار بعيدًا عن المواجهات العسكرية المباشرة، بهدف تحقيق مكاسب سياسية أو استراتيجية، مع إمكانيّة التنصّل منها رسميًّا، لتجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة ومكلفة، ولعلّ ذلك ما يفسّر وربّما إلى حدٍّ كبير، نجاح الحوثيين في بسط سيطرتهم على مساحة تمتد لأكثر من مئة وخمسين كيلومترًا، بمحاذاة الساحل الغربي لليمن، وتوزيع قوّاتهم على هذا الامتداد، على نحوٍ جعل المجرى الملاحي لمضيق باب المندب الحيوي في مرمى نيرانهم.
وصول إيران إلى باب المندب يمثّل تحوّلًا استراتيجيًّا خطيرًا
وهذا الأمر كان كفيلًا، حسبما يرى الدكتور بشير عبد الفتاح، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بتغيير العديد من حسابات المخاطر، التي تستند إليها الكثير من شركات الشحن والتأمين حول العالم، على ما سوف يؤدّي إليه ذلك من إرباك لحركة الملاحة وبخاصة النفطية منها، التي تعاني من توتر الأوضاع في مضيق هرمز، ما يضع المنطقة برمّتها أمام أزمة حقيقية، بعدما نجحت إيران في فتح جبهتين بحريتين، تتحكمان في نحو 30% من تجارة النفط العالمية، و30% من تجارة الحاويات التي تتضمّن سلعًا وبضائع تتجاوز قيمتها تريليون دولار سنويًا.
تتصدّر دول الخليج العربي، قائمة الأهداف التي وضعتها جماعة الحوثي، التي أعلنت صراحة أنّ الملاحة ستكون آمنة على جميع السفن العابرة من المضيق، باستثناء السفن السعوديّة، وهو التصريح الذي لا يخلو من ظلال إيرانية واضحة، ومكايدة سياسية للمملكة التي قادت في مارس/آذار عام 2015، أوّل تحالف عسكري عربي لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين، قبل أن تنجح الجماعة في إعاقة عبور ناقلات النفط السعودية من المضيق، الذي كان يعبر منه نحو ثلاثة ملايين برميل نفط سعودي يوميًّا، من جملة 20 مليون برميل، تمثّل نحو خمس الإمدادات العالمية من الطاقة، وهو ما دفع المملكة إلى إعادة توجيه نفطها الخام عبر خط أنابيب "سوميد" المصري، بعد تفريغ شحناتها في ميناء ينبع على البحر الأحمر.
مَن يتحكم في باب المندب يمكنه أن يُفقد قناة السويس موقعها المتميّز
يبدو مضيق باب المندب خلال الفترة الأخيرة، أقرب ما يكون إلى ساحة خلفيّة للصراع الدولي الجديد، في ظلّ سعي العديد من الأطراف المتصارعة إلى الاستفادة من موقعه الاستراتيجي المتميّز، لتحقيق ما ترمي إليه من أهداف، تنطلق دائمًا من محاولات الهيمنة على سلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة العالمية، فالمضيق الذي يتراوح عرضه ما بين 26 و30 كيلومترًا عند أضيق نقطة، وتقسمه جزيرة بريم إلى قناتيْن بحريتيْن، لا يزال يمثّل البوّابة الملكية لعبور ما بين 12% و15% من إجمالي حركة التجارة المنقولة بحرًا، بين آسيا وأوروبا وأميركا، إلى جانب ما يتراوح ما بين 10% و12% من النفط المنقول بحرًا، ومن دونه سوف تضطر السفن للدوران حول أفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، على نحوٍ يرفع من تكاليف التأمين البحري، وزيادة رسوم الشحن، التي سوف تفضي في النهاية إلى تعاظم أسعار السلع في الأسواق العالمية، وهو ما يجعل من وصول الحوثيين - إيران في حقيقة الأمر - إلى بوّابته، يمثّل تحوّلًا استراتيجيًّا خطيرًا يهدد الأمن البحري العالمي، ويربط الصراع في اليمن مباشرة بالاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة.
يزيد الوضع المعقّد عند مضيق باب المندب، من احتمالات التصعيد العسكري في البحر الأحمر، الذي يمكن أن يتحوّل إلى ساحة جديدة للمواجهات البحرية غير المعلنة بين إيران وإسرائيل، وهي المواجهات التي بدأت قبل سنوات بشنّ سلسلة من الهجمات التخريبيّة، وعمليات قرصنة غامضة استهدفت ناقلات نفط وسفن شحن تجارية، واستخدمت فيها الألغام البحرية والطائرات المُسيّرة والهجمات السّيبرانيّة، من دون تبنّي أي طرف لتلك الهجمات رسميًا، فمَن يتحكم في باب المندب، يمكنه بسهولة، حسبما يرى الدكتور أنور كامل أستاذ الجغرافيا السياسية في كلية الآداب بجامعة بني سويف، أن يُغلق البحر الأحمر ويُحوّله إلى بحيرة داخلية، ويُفقد قناة السويس موقعها المتميّز، ويحرم دول الخليج العربية برمّتها من تصدير النفط، وإن ظلّت أهمية هذا المضيق الحيوي رهنًا ببقاء قناة السويس ومضيق هرمز مفتوحَيْن للملاحة أمام ناقلات البترول.
ضرورة إنشاء قوة بحرية عربية مشتركة وتعزيز الردع العسكري العربي في الإقليم
الحقيقة المؤكّدة تقول إنّ الممرّات البحرية لم تعد مجرّد ممرّات نقل، لكنّها تحولت إلى أدوات فعالة في الابتزاز الاستراتيجي غير المباشر، حسبما يقول الدكتور أحمد الشوري أستاذ مبادئ القانون الدولي في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، حيث يكفي التهديد أو التعطيل الجزئي، لإحداث تأثيرات اقتصادية عالمية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة، أو اضطراب سلاسل الإمداد، إذ يعتمد هذا النمط على التأثير الاقتصادي والنفسي، أكثر من الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة، من خلال رفع تكاليف التأمين أو الاستهداف الانتقائي للسفن، أو حتى عن طريق استخدام "وكلاء"، ومن ثم يصبح الابتزاز أداة ضغط منخفضة التكلفة مقارنةً بالحرب، لكنّه إلى جانب ذلك يتميّز بأنه عالي التأثير، ما يجعله أحد أهم أدوات الصراع في البيئة البحرية المعاصرة.
تبدو المنطقة العربية في ظلّ التطوّرات الأخيرة، مقبلة على مرحلة أكثر تعقيدًا، يتداخل فيها البُعد المحلي مع الإقليمي والدولي بشكل غير مسبوق، وهو ما بات يفرض حسب كثير من الخبراء، ضرورة العمل على إنشاء قوة بحرية عربية مشتركة، تقوم على تأمين الممرّات البحرية العربية، وتقليل مخاطر القرصنة والتهديدات الأخرى، وتعزيز الردع العسكري العربي في الإقليم!.
(خاص عروبة 22)

