لمّا ننظر إلى استراتيجيّة العالم العربيّ في محاولة حيازته على مرتبة تنافسيّة تخوّله اللّحاق بديناميّة الاقتصاد العالمي وتحدّياته المتحوّلة، نكتشف أنّ هذه الاستراتيجيّة لا تبحث عن سبل تخطّي الفجوة التّكنولوجيّة، وإنّما تكتفي باستهلاك ثمرات التّكنولوجيا وجديد إنتاجها أو استنساخ شكلها بإقامة مصانع تقوم بوظيفة المحاكاة.
يبدأ واقع الفجوة بما يبتكره الغرب يوميًّا على نحوٍ متجدّدٍ ودائمٍ للتكنولوجيا في مقابل تردّي واقع البحث العلمي والاكتفاء بشراء الخبرة. فإنتاج البطّاريات لم يعد مُمَركزًا في تجميع الخلايا في حزمة واحدة، بل يتدرّج عبر مراحل علميّة وصناعيّة يعتمدها في تطوير المواد الكيميائيّة وتصنيع الخلايا موازاةً مع تصميم الوحدات وعمليات الحزم وتدبيرها. هنا يطرح السّؤال التّالي: هل بمقدور العالم العربي اليوم ممارسة تنافسيّة تكنولوجيّة واقتصاديّة تسمح له بإنتاج البطّاريّات، أم أنّه سيظلّ مجرّد مستهلكٍ لتكنولوجيا مفتوحة ينتجها الغرب؟.
العالم العربي عاجز عن تحويل إمكاناته إلى قدرة صناعية تكنولوجية على الرغم من أنه يمتلك الموارد
تكشف صناعة البطّاريّات عن محدوديّة الاقتصاد العربيّ على الرّغم من امتلاكه للموارد والإمكانات، لأنّه لم يستطع أن يحوّلها إلى معرفة وقيمة مضافة ذات بعد تكنولوجي تنافسيّ.
أي على الرّغم من أنّ العالم العربيّ يمتلك رأس مال قويًا وموارد معدنيّة ومواقع جيوستراتيجية في غاية الأهمّيّة، فإنّه عاجزٌ عن تحويل هذه الإمكانات إلى قدرة صناعيّة تكنولوجيّة. من ثمّ، تتجلّى فجوته التّنافسيّة في غياب أيّ تراكمٍ استراتيجيٍ متدرّجٍ في الزّمن يخصّ البحث والابتكار وبلورة خبرة صناعيّة تكنولوجيّة قائمة على قواعد علميّة متأصّلة في تربته. هذا ما تثبته وكالة الطّاقة الدّوليّة بتأكيدها في بياناتها على عدم إنتاج الدّول العربيّة خلايا بطّاريّات الليثيوم ــ أيون مقارنةً بما تُنتجه الصين (حوالي 80 في المئة) وما تبقّى منه متمركزًا في الدّول الغربيّة وكوريا الجنوبيّة واليابان.
وعليه يتوجّب التّمييز بوضوحٍ بين تصنيع الخلايا وتجميع حزم البطّاريات وبين إنتاج البطّاريّات التقليديّة. هذا يعني أنّ ما يُميّز الاثنين هو الحيازة العمليّة للمعرفة في مقابل الاقتصار على تجميع مكوّنات وقطع مستوردة لتركيبها. كما تنكشف الفجوة التّنافسيّة في حجم الطّاقة التصنيعيّة العالميّة. وهذا ما ذكرته وكالة الطّاقة الدّوليّة وهي تؤكّد على أنّ القدرة العالميّة على إنتاج خلايا البطّاريات تجاوزت 2,5 تيراوط/ساعة في عام 2023، وأنّ القدرة العالميّة فاقت الطلب في السّنة المذكورة.
غياب سوق عربية موحّدة يُمثّل عائقًا في القدرة على التفاوض مع الشركات العالمية وبناء منظومة إقليمية
أمّا القول بوجود مصانع لتجميع خلايا مستوردة في البلاد العربيّة، فهذا لا يوطّن الصّناعة عمليًّا وإن كان مفيدًا للحاجة إلى الشغل عمومًا. لأنّ الاستعداد الأكبر لسدّ الفجوة المتمثّل في المعرفة والابتكار وتحصيل حقوق الملكيّة الفكريّة دوليًّا، يظل غائبًا وغير مفكّر فيه استراتيجيًّا. كما أنّ المشاريع العربيّة الكبرى ما زالت متعثّرةً في بنائها الأوليّ ومرهونةً بتجارب التكنولوجيا الغربيّة، الشيء الذي تسبّب في عشوائية الأسواق وغياب التكامل الصّناعيّ.
إنّ غياب سوق عربيّة موحّدة للبطّاريّات والتّكنولوجيا بمعايير وسياسات صناعية منسجمة، يُمثّل عائقًا في القدرة على التّفاوض الموضوعي مع الشركات العالميّة وبناء منظومة إقليميّة تتوزّع فيها مراحل إنتاج المواد والخلايا والبرمجيّات بما يسمح بتجميع الموارد والخبرات والأسواق.
هذا الواقع عمِل على إفشال وجود سوق عربيّة موحّدة ذات ضوابط مشتركة، حيث أصبح لكل دولة سياستها في فهم الابتكار وفي معنى الانفتاح على التجارب الأجنبيّة، إذ أصبحت مرتبطةً بها بتقليدها واستهلاك نتائجها العلميّة. الأمر الذي جعل البحث العلمي، فضلًا عن استصغاره، شأنًا عربيّا ــ أجنبيّا وليس شأنًا عربيًّا ــ عربيًّا من منظور تكامليّ.
(خاص عروبة 22)

