فلسطين... القضية والبوصلة

مخاطر دعوات الاستيطان اليهودي في جنوب سوريا!

كتبتُ في شهر أغسطس/آب 2026، في هذا المكان، عن دعوات ومخاطر الاستيطان اليهودي في جنوب لبنان، من دون تهويل أو تهوين. وبالروح نفسها، أكتب اليوم عن المخاطر عينها في جنوب سوريا، مع الإقرار منذ البداية بأنّها ما زالت في مهدها، ولم يتبنَّها أي من الأحزاب الكبرى في إسرائيل. ولكن تاريخ القضية الفلسطينية يعلّمنا أنّ ما يبدأ صغيرًا وهامشيًّا، يمكن أن يتحوّل بعد سنوات إلى سياسات رسمية وحقائق على الأرض. ومن هنا، لزم التنويه والتحذير!.

مخاطر دعوات الاستيطان اليهودي في جنوب سوريا!

في أعقاب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تحرّك الجيش الإسرائيلي بسرعة واحتلّ المنطقة العازلة بين البلدين، بمقتضى اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، وسيطر على مواقع أخرى في الأراضي السورية بدعوى حماية أمن إسرائيل، وصرّحت القيادات الإسرائيلية وقتها بأنّها إجراءات "محدودة ومؤقتة"، ولكن سرعان ما تغيّرت هذه اللغة تدريجيًّا، فسار الحديث عن بقاء هذه السيطرة في "المستقبل القريب"، ثم "البقاء مدة غير محددة".

وأوجد هذا الموقف الفرصة أمام جماعات استيطانية متطرّفة للتحرّك والمطالبة بتحويل السيطرة العسكرية إلى وجود مدني دائم. وأهمّها حركة "روّاد باشان"، التي ظهرت عام 2025 وضمّت مجموعةً من العناصر اليمينية الدينية والقومية المتشدّدة.

المنظمة الصهيونية العالمية شددت عام 1919 على أهمية جبل الشيخ بوصفه مصدرًا مائيًا حيويًا للدولة اليهودية

يرجع استخدام اسم "باشان" إلى أنّه اسم توراتي لمنطقة تاريخية واسعة تقع شرق بحيرة طبريّا، وترتبط في الرواية التوراتيّة بقصة استيلاء بني إسرائيل بقيادة موسى على مملكة عوج ملك "باشان"، الذي ينسبه التّاريخ اليهودي إلى العماليق. ووفقًا لتصوّر الحركة، فإنّها إلى جانب الجولان المحتل، تشمل أجزاء أخرى من جنوب سوريا، وتوظّف الحركة هذه الرواية لإضفاء شرعية دينية وتاريخية على مطالبها.

وهناك شواهد توراتيّة وتاريخيّة تُستخدم لدعم هذه الفكرة، مثل الحجّة التوراتيّة، وتُستخدم في هذا الإطار العبارة الواردة في سفر التكوين والتي تشير إلى الأرض الممتدّة من "نهر مصر" إلى "النهر الكبير، نهر الفرات"، ومثل الوعي اليهودي المبكّر في جنوب سوريا، يدلّ على هذا أنه في عام 1838، زار رجل الأعمال اليهودي البريطاني، موسى حاييم مونتيفيوري، مصر والتقى بالوالي محمد علي، الذي كانت سوريا تحت سيطرته، وطلب منه استئجار من 100 إلى 200 قرية في سوريا لمدة 50 سنة، ولكن المحاولة فشلت. وفي عام 1880، قام "صندوق استكشاف فلسطين" اليهودي، بعمل مسح جيولوجي لمنطقة "باشان"، وادّعت نتيجة المسح وجود 12 موقعًا أثريًا يهوديًا في جنوب سوريا.

كذلك، قام البارون روتشيلد، قبل صدور وعد بلفور، بدعم جمعيات يهودية لشراء مساحات شاسعة في سوريا، وتحديدًا في مناطق حوران، والحولة، وجنوب الجولان. ثم تقدّمت بها المنظمة الصهيونية العالمية إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919، وشدّدت على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة جبل الشيخ الواقعة في جنوب سوريا، بوصفه مصدرًا مائيًا حيويًا للدولة اليهودية المنشودة وقتذاك.

الاستيطان هو وسيلة لتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى واقع سياسي يصعب تغييره

في ضوء ما تقدّم، تُطالب حركة "رواد باشان" بإنشاء تجمّعات يهودية دائمة في جنوب سوريا. ولا تكمن خطورتها اليوم في عدد أنصارها، ولكن في أنّها تحاول نقل تجربة البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، والتي تتلخّص في الوصول إلى الأرض المستهدفة، وإقامة وجود مدني رمزي، ثم ممارسة الضغوط السياسية للحصول على الشرعية والاعتراف الرسمي.

حاول أعضاء هذه الحركة نقل أفكارهم إلى الواقع، فعبر عدد منهم الحدود في أغسطس/آب 2025، بصورة غير قانونية، وحاولوا إقامة مستوطنة "نافيه هباشان"، ولكن سرعان ما أعادتهم القوّات الإسرائيلية إلى الداخل. تكرّرت المحاولات في عام 2026، ففي أبريل/نيسان، دخل حوالي 40 من أنصارها إلى الأراضي السّورية. وفي يوليو/تموز، حدثت 16 محاولةً لدخول الأراضي السّورية، ضمّت 150 من أنصار هذه الحركة، وفي كل المرّات تمّت إعادتهم إلى الداخل.

وإضافة إلى الحجّة التوراتية والتاريخية، تستخدم الحركة الحجّة الأمنية، إذ يقدم أنصارها الاستيطان باعتباره أداة لأمن إسرائيل، توفّر البيئة التي تضمن استمرار السيطرة العسكرية، ما يجعل من الصعب على أي حكومة إسرائيلية في المستقبل الانسحاب من جنوب سوريا. وتدلّل على ذلك بنموذج الجولان والضفة الغربية، فالاستيطان، وفق هذا المنطق، هو وسيلة لتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى واقع سياسي يصعب تغييره.

دعوات الاستيطان اليهودي في جنوب سوريا تجمع بين التاريخ التوراتي والقومية الدينية والمنطق الأمني وحماية الأقليات

استخدمت الحركة حجّةً أخرى وهي حماية دروز سوريا، وخصوصًا بعد الاشتباكات الدامية التي شهدتها مناطق السويداء والقرى المحيطة بها عام 2025، والتي قدّمت إسرائيل نفسها خلالها بمظهر حامية الدروز، فربط بعض أنصار الحركة مطالبهم بإنشاء ممرّ يصل من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل إلى السويداء. وتوسّع آخرون إلى الدعوة للوصول إلى السويداء، وإخلاء مناطق في درعا "من أعداء إسرائيل"، وإحلال استيطان يهودي محلّهم. ويعني هذا انتقال هؤلاء من الدعوة لحماية الدروز إلى إعادة تشكيل الديموغرافيا السّورية بالقوة.

وهكذا، تكتمل الصورة، فإنّ دعوات الاستيطان اليهودي في جنوب سوريا تجمع بين التاريخ التوراتي، والقومية الدينية، والمنطق الأمني، وحماية الأقليات، والاستيطان باعتباره وسيلة لفرض السيطرة والسيادة. وصحيح أن الجيش الإسرائيلي يقف لهم بالمرصاد ويُعيدهم إلى داخل إسرائيل، ولكنه من الصحيح أيضًا أنّ أنصار هذه الدعوات لهم علاقات وارتباطات بالأحزاب الدينية القومية المتشدّدة، ولهم علاقات معلنة مع بعض وزراء الحكومة الحالية وأعضاء الكنيست.

التنويه مطلوب، والتنبّه واجب!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن