صحافة

التفاهمات السورية الروسية وإعادة تعريف مفهوم السيادة

محمد الجفال

المشاركة
التفاهمات السورية الروسية وإعادة تعريف مفهوم السيادة

عنصر في العمليات العسكرية السورية أمام مدخل قاعدة حميميم الروسية في محافظة اللاذقية 29 كانون الثاني/ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

منذ أيلول 2015، ارتبط اسم حميميم في الذاكرة السورية بمرحلة ثقيلة من الألم والمرارة. فقد عانى السوريون لسنوات طويلة من تحالفات دولية وإقليمية نسجها النظام السابق انطلاقاً من حسابات بقائه في السلطة. لم يكترث بشار الأسد لمصالح السوريين ومستقبلهم عندما كان يستخدم مطار اللاذقية الدولي "حميميم" كقناة دعم سياسي ولوجستي مع موسكو. والذي تحول لاحقاً إلى نافذة الهروب الوحيدة المتاحة أمامه، هرباً من موجة التحرير العارمة التي اجتاحت أرجاء سوريا.

يدرك السوريون أن الدعم الخارجي للنظام السابق أسهم في إطالة عمره سنوات إضافية، ويدركون أيضاً أن الإنجاز الذي تحقق في إسقاط هذا النظام في 8-12-2024 أعاد لهم شيئاً من حقوقهم وكرامتهم الجريحة بعد أربعة عشر عاماً من التضحيات والتهجير. وجدت سوريا الجديدة نفسها أمام واقع معقد، مؤسسات متآكلة ومجتمع ممزق بفعل الحرب والفقر والتهجير، وهنا برز التحدي الأخطر المتمثل في السيادة الوطنية المنقوصة في محافظتي الحسكة والرقة وشرق ديرالزور، بالإضافة إلى قواعد عسكرية أجنبية على رأسها قاعدتا حميميم الجوية وميناء طرطوس البحرية.

ومنذ البداية، اتجهت سياسة الدولة السورية الجديدة نحو التعامل مع هذه الملفات بمقاربة تقوم على الجرأة واستقلالية القرار الوطني، والدبلوماسية المتوازنة، انطلاقا من المصالح السورية أولاً. لقد استنزف النظام السابق رصيد سوريا العظيم من العلاقات السياسية التراكمية منذ تأسيس الكيان الجمهوري قبل نحو مئة عام. هذه التركة السياسية المتهالكة التي ورثتها وزارة الخارجية في سوريا الجديدة، كان عنوانها العريض الابتزاز السياسي والاستعداد المفرط لارتكاب الحماقات السياسية.

وأما اليوم فتسعى سوريا الجديدة إلى رسم ملامح سياستها التي تنتمي إلى سوريا وتاريخها العظيم وتنتمي إلى ثورة شعب تأصلت فيه الكرامة والأمجاد، على قاعدة واضحة من الدبلوماسية الإيجابية التي تحفظ التوازنات الدولية بما يصب في مصلحة الشعب السوري. في هذا السياق جاءت الزيارة الاستثنائية التي قام بها السيد وزير الخارجية والمغتربين والوفد المرافق له إلى مطار حميميم ومرفأ طرطوس، والتي أفضت إلى توقيع مذكرة تفاهم مشتركة مع الجانب الروسي يوم الأحد 9 آب 2026، في خطوة تستهدف إعادة تنظيم الوجود الروسي في سوريا.

ومن أبرز ما يرتبط بهذا المسار استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية في حميميم وطرطوس، وإعادة تشغيل مطار اللاذقية الدولي بعد انقطاع طويل، بما يعزز حركة النقل والربط بين المحافظات السورية، ويوفر فرص عمل جديدة، ويدعم النشاط الاقتصادي والسياحي. كما أن استعادة الفاعلية التجارية للمرفأ الرابع في ميناء طرطوس ستمنح الاقتصاد السوري هامشا أكبر في مجالات الاستيراد والتصدير والنقل البحري، في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى جهود مكثفة للتعافي وإعادة الإعمار.

من الطبيعي أن تثار تساؤلات حول طبيعة الوجود الروسي في سوريا بعد توقيع مذكرة التفاهم، ولا سيما ما يتعلق بالآليات التنفيذية، وترتيبات الاستلام والتسليم، والتفاصيل التقنية المنظمة لهذا الوجود. هذه الملفات ستتولاها الجهات الحكومية المختصة، وفي مقدمتها وزارة الدفاع وهيئة المنافذ والهيئة العامة للطيران، بالتنسيق مع لجنة فنية من الجانب الروسي ستباشر عملها في غضون أيام قليلة، بما يضمن انتقال المنشآت للمؤسسات السورية وفق آليات واضحة تحفظ مصالح الدولة السورية.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن العلاقة السورية الروسية ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تمتد إلى عقود طويلة سبقت حتى وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963. وعليه، فالحكومة السورية تتحمل مسؤولياتها تجاه هذه العلاقة الممتدة مع موسكو بكل ما تحمله من آمال وآلام. إن المجهود السياسي الذي قادته وزارة الخارجية والمغتربين بعد مفاوضات مكثفة وشاقة مع الجانب الروسي جاء في سياق الحراك الدبلوماسي النشط وتمثّل في إنجازات متعددة، ابتداء بالانفتاح السياسي على المحيط العربي وجهود إلغاء قانون قيصر واستعادة سوريا لمكانتها الدولية، وليس انتهاءً بمذكرة التفاهم السوري- الروسي لإعادة تنظيم الوجود الروسي في سوريا.

ما حدث في التفاهمات السورية -الروسية يتجاوز إعادة تشغيل مطار أو إعادة تنظيم وجود قاعدة عسكرية، إنه جزء من مسار أوسع لإعادة تعريف موقع سوريا وعلاقاتها الخارجية. ستواصل الحكومة السورية جهودها الدبلوماسية لإعادة تعريف سوريا كما يليق بتاريخها وحضارتها وشعبها الكريم، وعندما يعود مطار حميميم للعمل سيكون رمزاً لإرادة السوريين وآمالهم بمستقبل عظيم ومزدهر.

(الثورة السورية)

يتم التصفح الآن