صحافة

دمشق وطهران.. حسابات الماضي وعقبات المستقبل

ضياء قدور

المشاركة
دمشق وطهران.. حسابات الماضي وعقبات المستقبل

صورة أرشيفية تعود إلى يوم سقوط نظام الأسد في كانون الاول/ ديسمبر 2024

تأتي التصريحات الأخيرة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال مقابلته مع قناة "الجزيرة"، لتسلط الضوء على طبيعة التعقيدات التي تواجهها طهران في التكيف مع الواقع السياسي الجديد في سوريا. فقد أقر بزشكيان بصعوبة الموقف الإيراني وعجز طهران عن بناء علاقات رسمية ودبلوماسية مع السلطات السورية الجديدة في الوقت الراهن، عازياً أسباب هذا الجفاء إلى ما وصفه بـ"الانطباعات والرؤى السابقة والنظرة المسبقة"، ومستشهداً بأسس الأخوة الإسلامية ومبادئ العدالة للدعوة إلى فتح صفحة جديدة.

وفي هذا الصدد، يعكس هذا الخطاب محاولة رسمية لإعادة تأطير الأزمة ضمن منطق الحوار الدبلوماسي وتجاوز الخلافات، إلا أنه يحمل في طياته قراءة تبسيطية لطبيعة التحفظ السوري؛ إذ إن إرجاع التوتر الحاصل إلى مجرد “انطباعات ذهنية” يتجاهل التبعات المباشرة لسنوات طويلة من التدخل العسكري والأمني، والتي تركت آثاراً عميقة في الذاكرة المجتمعية والسياسية، مما يجعل تصفير المشكلات أمراً يعترضه الكثير من العقبات البنيوية. وفي المقابل، لم يتأخر الرد الرسمي السوري تجاه هذه الطروحات، حيث جاءت استجابة مستشار وزارة الخارجية لترفض المقاربات الشكلية، مؤكدةً أن تجاوز الأزمة يمر عبر مراجعة حقيقية لملفات الماضي.

وفي هذا السياق بالذات، تكتسب التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال زيارته الأخيرة إلى باكستان أهمية خاصة، إذ أوضح أن قبول طهران بالاعتراف الصريح بالأخطاء والسياسات التي ارتكبتها في سوريا يُعد شرطاً أولياً وبنيوياً قبل البحث في مستقبل العلاقات الدبلوماسية. على هذا المنوال، يتضح أن دمشق ترسم خطاً واضحاً يقوم على ربط التقارب السياسي بالاستجابة لمتطلبات محددة، تشمل تفكيك شبكات النفوذ غير الرسمية والأمنية، والإقرار التام بالمسؤوليات المترتبة على الأضرار التي لحقت بالسكان والمؤسسات، والتخلي عن الأسلوب الذي يكتفي بالوعود العامة دون معالجة القضايا العالقة على الأرض.

على الجانب الآخر، تكشف القراءة التحليلية للمشهد الإيراني الداخلي عن وجود تباين بين الخطاب الهادئ الذي تبثه مؤسستا الرئاسة والخارجية، وبين الممارسات التي تقودها مراكز القوى العسكرية والأمنية المتمثلة في الحرس الثوري. فبينما تحاول الحكومة الإيرانية تقديم لغة قائمة على التهدئة والمرونة الدبلوماسية، يظل التوجه الأمني متمسكاً برؤية الساحة السورية كمجال نفوذ حاسم يجب العمل على استعادته أو الحفاظ على أدواته بكافة الوسائل.

وفي هذا الصدد، تبرز مسألة استمرار استضافة ورعاية عناصر الميليشيات العابرة للحدود، مثل “فاطميون” و”زينبيون”، كإشارة إلى عدم حصول تحول جذري في العقيدة الإستراتيجية لبعض مؤسسات صنع القرار في طهران. ومن جهة أخرى، تأتي التلميحات الصادرة عن وسائل إعلام محسوبة على الحرس الثوري، كوكالة “تسنيم”، والتي تطرقت في مناسبات سابقة إلى إمكانية اللجوء للخيارات العسكرية ضد مواقع سيادية ومؤسسات حيوية في دمشق، لتزيد من شكوك الشارع والقيادة السورية في جدية الخطاب الدبلوماسي المهدئ.

وعلى صعيد متصل، يسلط هذا السجال السياسي الضوء على مفارقة جوهرية تتمثل في النهج المتباين الذي تتخذه دمشق في التعاطي مع كل من روسيا وإيران، على الرغم من مشاركة الطرفين في دعم النظام السابق خلال السنوات الماضية. وتفسر المعطيات الميدانية هذا التمايز بالنظر إلى طبيعة الوجود والبصمة التي تركها كل طرف؛ إذ اعتمد الوجود الروسي على مؤسسات الدولة الرسمية والتمركز في قواعد عسكرية محددة، مع الانشغال بالحسابات الجيوسياسية بصفتها دولة عظمى تمتلك مقعداً دائماً وحق النقض في مجلس الأمن، ودون السعي لإحداث تغيرات أيديولوجية أو مجتمعية عميقة.

في المقابل، تجاوز التدخل الإيراني الأبعاد العسكرية المباشرة ليعتمد على استراتيجية التغلغل المباشر عبر ميليشيات متعددة الجنسيات، واقتطاع أحياء ومناطق حيوية كما حدث في القصير وجنوب حلب، وما رافق ذلك من تهجير للسكان المحليين، مما أنتج حساسيات مجتمعية وسياسية تجعل التعامل مع الملف الإيراني أكثر تعقيداً وكلفة. وفي الصدد ذاته، يتواصل هذا التباين ليشمل التقييم الأمني للحاضر، حيث تنظر دمشق إلى الأنشطة الإيرانية بوصفها تنطوي على محاولات مستمرة للتأثير في الاستقرار الداخلي عبر قنوات غير رسمية، بخلاف الموقف الروسي الذي آثر تأطير تحركاته عبر التفاهمات الحكومية المباشرة. وتأتي التطورات الأمنية الأخيرة، ومنها ما أعلنت عنه وزارة الداخلية السورية بشأن ضبط خلية مرتبطة بحزب الله في منطقة الرستن، لتؤكد لدمشق أن المخاطر الأمنية لا تزال قائمة ومتجددة.

وبناءً على ذلك، يتضح أن مسألة استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لا تتوقف عند حدود التصريحات أو النوايا المعلنة، بل تظل مرهونة بتحول بنيوي شامل في السلوك السياسي والأمني الإيراني، يبدأ باحترام سيادة الدولة السورية، وتفكيك كافة الأدوات الأمنية غير الرسمية، والوصول إلى مقاربة متوازنة تعترف بواقع التحولات التاريخية وتستجيب لمطالب الشارع والدولة على حد سواء.

(الثورة السورية)

يتم التصفح الآن