بصمات

المواطَنة والجنسية والانتماء!

تحملنا أحداث كثيرة، ما تفتأ مناطق مختلفة في العالم تشهد تكرارها بين الفينة والأخرى، على الرجوع إلى قضية المواطنة وما يتصل بها من مشاكل قانونيّة وأخرى ثقافيّة وغيرها ذات طبيعة سيكولوجيّة محض. ربّما كان آخرها هو ما أثاره القول في كأس العالم والصفة التي يرتدي اللّاعبون بها قميص المنتخب الوطني لهذا البلد أو ذاك. هذا الأمر يحمل في الوجدان الجماعي للفرق التي تتبارى من أجل جعل الكأس ــ أو رتبة عليا مُشَرّفةً في البطولة ــ من نصيب دولة لها علمٌ وطنيٌ يُمَيّزها ونشيدٌ وطنيٌ يصدح باسمها تحيّةً لذلك العلم.

المواطَنة والجنسية والانتماء!

في الوعي الجماعي لأبناء وبنات الفريق الوطني تمييزٌ، يكاد يكون شعوريًّا، بين جنسية اللاعب حامل القميص الوطني وبين ما يُقدّرون أنّه الانتماء الفعلي له، فهم يتهامسون بأنّ الانتماء الفعلي (جغرافيًّا وثقافيًّا) للاعب هو غير ذلك، بل إنّ الهمس قد يغدو صوتًا واضحًا مسموعًا متى قَدَّر الجمهور المُناصر للفريق أنّ اللاعب ارتكب خطأً أو أنّه كان دون المستوى المشرّف. فلعلّنا، بهذا المثال، نكون قد وُفّقنا في الدفع بالصورة التي نود توضيحها إلى الدرجة الكافية من الوضوح والتمثيل لما نريد التعبير عنه.

من الجليّ بذاته أنّ المواطنة تتصل بالجنسيّة، من حيث إنّها صفة حقوقيّة، اتصال عِلّة بمعلولٍ. فالقول عن إنسانٍ ما إنّه مواطنٌ كنديٌ أو كويتيٌ أو سنغاليٌ يُفيد ــ بصفة تلقائيّة ــ بأنّه يحمل جنسيّة البلد الذي تربطه بأبنائه، صفة المواطَنة التي تشملهم جميعًا وتجعل لكلٍّ منهم حقوقًا يتمتع بها وواجبات لا يملك أن يتنصّل منها.

الالتزامات والواجبات تسري على جميع أبناء الوطن الواحد

ومن الناحية الحقوقية المحض، لا تمييز يجوز قبوله بين مواطني البلد الواحد ولا تشريعٌ قانونيٌ يصحّ اعتماده يُقرّ وجود مواطنٍ من الدرجة الأولى وآخر من درجة أخرى غيرها. ذلك أنّ الالتزامات والواجبات، من حيث النّظر المحض، تسري على جميع المواطنين، أبناء الوطن الواحد، فهي لا تُفرّق بينهم، غير أنّ واقع الحال يشي بغير ذلك، بل إنّ الأمر، في واقع المعيش الاجتماعي والتقدير العاطفي والوجدان الجماعي مُغايرٌ لذلك.

هل نحن في حاجة إلى الحديث عن واقع المعيش اليومي للكثرة الكثيرة من "المواطنين" الفرنسيين والبلجيكيين والإيطاليين والألمان والإسبان الذين ينحدرون من "أبناء الهجرة" والذين غدوا مالكين لجوازات سفر تقرّ حملهم جنسية البلد الذي يحيون تحت اسمه: فرنسا، بلجيكا، إيطاليا وإسبانيا؟ كلّ الذين أشرت إليهم متساوون في الحقوق والواجبات، وبموجب ذلك فإنّهم في المواطنة سواءٌ. هُم، في أعين القوانين، "مواطنون" من بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا ــ على غرار السّاكنة "الأصلية" لتلك البلدان ــ بيد أنّ واقع المعيش اليومي يقضي، ضدًّا على قانون الالتزامات والعقود في كل الدول المشار إليها، بِغَيْر ذلك.

يشهد الواقع المعيش أنّ البون شاسع بين أبناء المنحدرين من بلدان الهجرة من أفريقيا ودول الشرق الأوسط وبين القادمين إلى دول الغرب الأوروبي من دول أوروبا الشمالية والوسطى، وحتّى من دول أميركا اللاتينية. لا نحسب أنّنا في حاجة إلى الإتيان بشواهد على ذلك من المعيش اليومي الذي يشهد بتصنيف المواطنين في فئاتٍ على نحو لا يقرّه القانون، بل إنّه يعاقب على الإخلال به في التعامل مع "المواطنين". ودونما حاجة إلى مزيد بيانٍ وتفسير، نكتفي بالتذكير بفكرة دافعنا عنها في هذا المنبر، بخصوص قضية "المواطنة" في صلتها بالهجرة وبأجيال المهاجرين إلى أوروبا الغربية خاصّةً من البلدان الإسلامية ومن دول المغرب العربي خاصّةً، لأسباب تاريخيّة واجتماعيّة.

الفكرة أنّ تحقّق "المواطنة" بالنسبة لهذه الفئات الأخيرة، يستوجب اجتماع شرطين متضافرين: أولهما القدرة على الاندماج في مجتمع وبلاد "المهجر"، وهذا من جهة أولى؛ وثانيهما تحقّق شرط القبول من قبل "مواطني" البلد المستقبل من جهة ثانية.

بقايا سيكولوجية لاشعورية ثقافية عميقة تطفو على صفحة الوعي الجماعي

والإشكال أنّ عوائق جمّة تقف في وجه الشرطيْن معًا. فأمّا بالنسبة لبلد "الاستقبال"، فإنّ الأمر يقتضي استعدادًا نفسيًّا وثقافيًّا وتحقّقًا فعليًّا لمعنى كلّ من الدولة الحديثة (دولة المواطن والتعاقد الاجتماعي) والمجتمع الحديث (مجتمع الائتلاف المصلحي والتمايز التام بين الفضاء العمومي والفضاء الخصوصي)، وليس من الأكيد أنّ الشأن قد ارتقى في ذلك إلى درجةٍ كافية من التطوّر ومن الانصهار التاريخي، فلا تزال هناك بقايا سيكولوجيّة، لاشعوريّة، ثقافيّة عميقة، تطفو على صفحة الوعي الجماعي بين الفينة والأخرى بفعل عوامل شتّى تستثيرها؛ وأمّا بالنسبة لأهل البلاد المهاجر منها فإنّ الأمر، في جوهره أشدّ عمقًا مِمّا هو عليه بالنسبة "للسّاكنة الأصلية" من البلاد المهاجر إليها.. ما يستدعي قولًا مفردًا!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن