الفكرة الأساسية في نظرية "الرجل المجنون" مستمدّة من تطبيقات مفهوم الرّدع في إدارة الصراعات، فالرّدع هو التهديد بإلحاق ضرر بالغ بالخصم إن أقدم على سلوكٍ يُلحق ضررًا بمُطْلِق التهديد، أو استمرّ في هذا السلوك إن كان قد أقدم عليه فعلًا، ولكي ينجح التهديد لا بد أن يتوفّر له شرط "الصدقية"، بمعنى أن يقتنع الخصم بأنّ التهديد الموجّه له سيُنفّذ فعلًا ما لم يُستجب له، ولذلك تُرْفِق الدول تهديداتها عادةً بأعمال يبدو معها أنها في طريقها لتنفيذها، كاختراق المجال الجوي أو المياه الإقليمية أو افتعال مناوشات على الحدود. وفي هذا السياق، تبدو أهمية استخدام نظرية "الرجل المجنون" لتعزيز فرص نجاح الردع، فصانع القرار المجنون يكون مستعدًّا فعلًا للإتيان بأي فعل مهما بدا خارجًا عن المألوف.
السياسة الأميركية تظهر درجة عالية من "البلادة" في الاستفادة من دروس الخبرة الماضية
وعلى الرغم من تعدّد الأمثلة من الخبرة الماضية لتطبيق نظرية "الرجل المجنون" فإنّ أشهرها وأكثرها ملاءمة لسياق هذا المقال هو المثال الخاص بتطبيق هنري كيسنجر للنظرية كممثل للرئيس ريتشارد نيكسون في المفاوضات مع الجانب الڤيتنامي الشمالي إبّان الحرب الڤيتنامية. ويُقال إنّ كيسنجر كان كلّما تأزمت الأمور ينفرد بنظيره الڤيتنامي، ويتصنّع القلق ممّا يمكن أن تؤول إليه الأمور إذا تمسّك الڤيتناميون بمواقفهم على أساس أن نيكسون مهووس بمقاومة التمدّد الشيوعي إلى الدرجة التي تجعله لا يتردّد في استخدام الخيار النووي لإلحاق الهزيمة بالڤيتكونغ وڤيتنام الشمالية. ويتزامن مع هذا التهديد المبطّن الذي يحاول التستّر خلف الخشية من أن يلحق بالخصم ضرر غير مسبوق، إجراء مناورات يُدَّعى أنّها سرية لإيهام الخصم بأن الفعل "المجنون" على وشك الحدوث، وعادةً ما يصاحب ذلك تصعيد في حشد القوات القريبة من ميادين القتال، فضلًا عن التهديد باستخدام مفرط للقوة تترتّب عليه عواقب وخيمة. ويُلاحظ أنّ كل هذه الأفعال لم تُجْدِ نفعًا في إقناع الڤيتناميين بالتنازل أو إجبارهم على الاستسلام، بل لقد حقق الجانب الڤيتنامي نصرًا عسكريًا تقليديًا على الولايات المتحدة، وما زال مشهد طائرة الهليكوبتر الأميركية المُحَلِّقة فوق السفارة الأميركية في سايغون لالتقاط طاقمها قبل وقوعه في أسر الڤيتكونغ شاهدًا على الهزيمة الأميركية المذلّة في ڤيتنام على الرغم من نظرية "الرجل المجنون".
ترامب طبّق في الحرب على إيران نظرية "الرجل المجنون" بحذافيرها
وتُظهر خبرة السياسة الأميركية درجةً عاليةً من "البلادة" في الاستفادة من دروس الخبرة الماضية، وبغضّ النظر عن التكرار الحرفي لبعض العمليّات الجزئية الفاشلة في كوبا ولبنان والصومال على سبيل المثال، فإنّ الخطأ الاستراتيجي في ڤِيتنام في ستينيّات القرن الماضي وسبعينيّاته تكرّر حرفيًا في أفغانستان في العقدين الأول والثاني من هذا القرن مع اختلاف في التفاصيل، فقد هاجمتها الولايات المتحدة في عام 2001 وأطاحت بحكم طالبان فيها، وبعد 20 سنة كاملة من الوجود العسكري الأميركي انخرط ترامب في ولايته الأولى في مفاوضات مع طالبان انتهت في عام 2020 بتوقيع اتفاقية أعادتها من النّاحية الفعليّة لحكم أفغانستان بعد أن انسحبت القوات الأميركية بموجب الاتفاقيّة في السنة التالية لتوقيعها.
أمّا الحرب الأخيرة على إيران فقد طبّق فيها ترامب نظرية "الرجل المجنون" بحذافيرها، وإن على نحو أكثر فجاجة، ويحتاج الأمر إلى جداول إحصائية لتسجيل المرّات التي هدّد فيها ترامب إيران بضربات مميتة تُعيدها إلى العصور الحجرية، بل لقد هدّد مرة بتدمير الحضارة الإيرانية! وكانت آخر تهديداته بتوجيه ضربة لإيران هي الأشدّ منذ الحرب العالمية الثانية، علمًا أنّ أسلحة الدمار الشامل استُخدمت في تلك الحرب بما يعني إمّا أنّ التهديد شمل الخيار النووي أو أنّ ترامب لا يعي حقيقة ما يقول.
صنّاع القرار الأميركيين غير قادرين على إدراك أنّ هناك قيمًا عليا كالاستقلال الوطني لا يجوز التنازل عنها مهما كانت التهديدات
المهمّ أنه كما فشل "الرجل المجنون" في ڤيتنام فإنّه فاشل حتى الآن في إيران، وفي كل الأحوال تذرّع ترامب بأنّ آخرين قد رجَوه التراجع وإفساح المجال للديبلوماسية، وإذا حاولنا إمعان النظر في أسباب الفشل في الحالتين يبدو أن صنّاع القرار الأميركيين على اختلاف شخوصهم عبر الزمن ما زالوا غير قادرين على إدراك أنّ هناك قيمًا عليا كالاستقلال الوطني لا يجوز التنازل عنها مهما كانت التهديدات، خاصة أنّ النظاميْن اللذيْن قارنّا صمودهما في وجه التهديدات الأميركية يدخلان في شريحة النّظم ذات الطبيعة الإيديولوجية.
كذلك، لعل أحدًا يهمس في أذن ترامب أنّ التكرار المفرط لتهديداته أفقدها مصداقيّتها. ويمكن طرح سببٍ ثالثٍ للفشل وهو سوء الحسابات التي صوّرت لترامب أنّ ضربة قوية لإيران يمكن أن تُسقط نظامها في الحال، وعليه يبدو أنّ انتظار الرشادة في مثل هذه النوعية من القرارات سوف يستغرق وقتًا طويلًا!.
(خاص عروبة 22)

