تشي التجارب التاريخية بأن انهيار أنظمة الحكم القمعية لا يتأتى إلا بائتلاف معطيات من قبيل: تعرضها لهزيمة عسكرية تفضي إلى تفكيك أوصالها. استنزاف مواردها الاقتصادية، إلى مستوى يسلبها القدرة على الاضطلاع بالوظائف والمهام الأساسية المنوطة بها، والكفيلة بالحفاظ على ولاء شعوبها وتماسك بنيتها. تفشي الصراعات والانقسامات داخل مؤسساتها ومنظوماتها الأمنية ــ العسكرية. تفجر احتجاجات جماهيرية واسعة ومتواصلة؛ إثر تدهور لا يُحتمل في الأوضاع المعيشية. بما يتناغم والمنطق الديالكتيكي، الذي يرى أن التراكم الكمي البطيء يؤدي إلى تحول كيفي سريع.
بالنظر إلى الحالة الإيرانية الراهنة، لا تبدو المعطيات المذكورة آنفًا بسبيلها إلى الائتلاف؛ حتى كتابة هذه السطور، على الأقل. فعلى وقع الضغوط الاقتصادية والعسكرية الموجعة، يفتأ النظام الإيراني يتفنن في ابتداع السبل الكفيلة بتجفيف منابع أية انتفاضة جماهيرية. كما يواصل وأد أية رغبة في الاحتجاج أو إرهاصات للثورة، من خلال قمع التظاهرات في مهدها، سواء من خلال الإعدامات أو التوقيفات؛ بغية الحيلولة دون تحول الاحتجاجات الاقتصادية والهَبّات الاجتماعية إلى انتفاضة سياسية واسعة ومستدامة. وفي هذا السياق، تبدو السلطات الحالية أقل تسامحًا بكثير حيال المعارضة والحركات الاحتجاجية، مقارنة بما كان عليه الحال فيما مضى. إذ لم تتورع عن استخدام القوة المميتة لقمع الاحتجاجات، التي اجتاحت البلاد في يناير الماضي، وواصلت ملاحقة منتقديها. حيث اعتقلت المئات ممن تسميهم "قادة الشغب"، واصفة إياهم بأنهم "عملاء" لقوى خارجية، وعناصر تخريب ونهب للممتلكات العامة والخاصة.
وبحسب منظمة العفو الدولية، نفّذت السلطات ما لا يقل عن 2159 عملية إعدام خلال العام 2025، وأكثر من 500 عملية أخرى، منذ بداية العام الجاري. وتتوقع منظمة حقوق الإنسان الإيرانية توسع السلطات في تنفيذ المزيد من الإعدامات بحقّ المحتجين وسجناء الرأى؛ بغية ترهيب الجماهير، وبثّ الذعر في نفوسهم، حتى يحجموا عن القيام بأية احتجاجات جديدة. الأمر الذي دفع أكثر من ثلاثين دولة إلى إدانة إمعان السلطات الإيرانية في تنفيذ عقوبة الإعدام؛ معتبرة استخدامها ضدّ المتظاهرين السلميين وسيلة لإسكات المعارضة، وقمع حرية التعبير. وفي مؤشر لافت على تنامي وتيرة القمع، منذ انطلاق الهجمات الأمريكية ــ الإسرائيلية في يونيو 2025؛ أقدم المرشد على إعادة تعيين حسين طائب قائدًا لقوات "الباسيج". ما ينبئ عن رغبة جادة في توسيع دورها لمراقبة الشارع، والتصدي لأية اضطرابات داخلية؛ حيث ستعمل كقاعدة اجتماعية تحت إشراف مباشر من المرشد؛ ليس بقصد قمع الجماهير فحسب، بل بغرض السيطرة، كذلك، على النخبة السياسية، خصوصًا بعدما أسفر تغليظ العقوبات المزمنة على البلاد عن مفاقمة العوامل التي سبق وأدت إلى تأجيج احتجاجات عارمة.
بموازاة ذلك، أسهمت موجات القمع السابقة في إضعاف قدرة المعارضة على بناء حراك مستمر، وقادر على تحويل الغضب الشعبي إلى بديل سياسي متماسك. ورغم جهوزية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لثورة جديدة؛ لا تكمن مشكلة المعارضة في الحشد الجماهيري، وإنما في غياب قيادة موحدة، تستطيع توجيه حراك الشارع وترجمته إلى نقطة تحول حرجة، تشكل بدورها تهديدًا حيويًا للنظام. فكما هو معلوم، تنبع خطورة الاحتجاجات من اتساع نطاقها الزماني والمكاني، حتى تطال المدن والأقاليم، التي تحوي حواضن اجتماعية للمنظومة الأمنية. على أن تترافق مع إضرابات عمالية ومهنية، وتصدعات في مؤسسات الدولة ومنظومتها الأمنية. وتفصح التطورات الحالية عن أن الخوف من قسوة القمع لا يزال يشكل عقبة كأداء أمام تحول الاستياء الشعبي جراء التدهور الاقتصادي إلى انتفاضة شاملة ومتواصلة. فبرغم اشتداد وطأة الأزمات المعيشية، لا تزال الرقابة الأمنية الصارمة، والقمع الأمني الوحشي، يكبلان مساعي الجماهير الإيرانية الغاضبة لتنظيم احتجاجات واسعة وطويلة الأمد.
فبرغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة، لا يزال النظام الإيراني محتفظًا بالحد الأدنى من التماسك الاضطراري. فلم تتنازع أجهزته الأمنية والعسكرية، كما لم تنفصم عراه المؤسساتية. وربما يعود ذلك إلى طبيعة النظام نفسه. حيث لا يرتكن على قسط من الشرعية الدينية والشعبية، بقدر ما يمتلك شبكة متداخلة من المؤسسات الأمنية، والعسكرية، والسياسية والاقتصادية، على شاكلة الحرس الثوري، والباسيج، والأجهزة الأمنية والاستخباراتية. وبينما تعتقد النخبة الحاكمة أن كلفة الصمود تظل أقل من أعباء الاستسلام؛ لا ترى تلك المؤسسات استمرار النظام مجرد ضرورة سياسية، بل تعتبره صنوًا لبقائها، وحماية لمصالحها ونفوذها. ولعل هذا ما يفسر احتفاظه بقدر من التماسك المؤسسي، رغم مقتل المرشد السابق وعدد من كبار المسئولين والقادة؛ فيما لم تظهر حتى الآن مؤشرات حاسمة على انشقاق واسع داخل منظومته الأمنية والعسكرية. ورغم الانتكاسات العسكرية والاقتصادية، لا يزال قادرًا على القمع، وتوفير الحد الأدنى من وظائف الدولة، والالتفاف على العقوبات، وتوظيف مقدرات البلاد الجيوسياسية، مضيق هرمز، والأذرع الإقليمية، لرفع كلفة الضغوط عليها.
تكمن جدوى أي نظام محكم للعقوبات في قدرته على تقليص قدرة إيران على التعايش معها أو الالتفاف عليها؛ مع حملها على الرضوخ والانصياع، بأقل قدر من الارتدادات المؤلمة على دول الجوار أو المجتمع الدولي. فعلى مدى عقود، طوَّرت طهران وشبكاتها التجارية اقتصادًا "موازيًا"، أو "مقاومًا"، غير مندمج في الاقتصاد العالمي. كما ابتكرت أساليب متعددة للتحايل على العقوبات، كمثل، المقايضة، وشركات الواجهة، والوسطاء الإقليميين والدوليين، وأساطيل الظل. علاوة على ترتيبات وتدابير مالية وتجارية خارج القنوات الرسمية التقليدية؛ كاستخدام عملات بديلة عن الدولار. وعبر قنوات التفافية غير مباشرة، تمكنت طهران من الحفاظ على جزء من صادراتها النفطية. وحتى تؤتي موجة الإنزال والإقصاء الاقتصادى الأمريكية أكلها، لابد من أن تحظى بتعاون أطراف إقليمية ودولية مهمة. ففيما مضى، عملت إدارة أوباما بشكل مكثف مع الحلفاء، بطريقة جادة ومستدامة، لتفعيل عقوبات مغلظة ومتعددة الأطراف ضد إيران، ما أجبر الأخيرة على القبول بالتفاوض، ومن ثم التوصل إلى الاتفاق النووي المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015. أما إدارة ترامب، التي تجافى الدبلوماسية متعددة الأطراف، فقد اختارت بدلًا من ذلك، تهديد بقية دول العالم، لحملها على المشاركة في إنجاح حصارها وموجتها الحالية من العقوبات ضد إيران.
ربما يضعف النظام الإيراني اقتصاديًا وعسكريًا، لكنه لا يزال متماسكًا سياسيًا وأمنيًا، بما يكفي لتجنب السقوط. فبينما يعتمد على شبكة من الحرس الثوري، والمؤسسات الأمنية والبيروقراطية ومراكز النفوذ؛ لم تستتبع تصفية رأس الهرم، بالضرورة، سقوط الهيكل برمته. ناهيك عن أن القيادات الجديدة تنتمي إلى جيل، تشكل سياسيًا وعسكريًا، خلال الحرب الإيرانية ــ العراقية، ما يجعلها أكثر استعدادًا لتحمل الخسائر ومواصلة الصراع، بدلًا من المساومة وتقديم تنازلات تجنبًا للتصعيد. فلعل هذا التطور قد أسهم في الحيلولة دون تحول الضغط العسكري والاقتصادي المتعاظم إلى انهيار سياسي وشيك.
خلافًا للقيادات، التي تم الإجهاز عليها، نهاية فبراير الماضي، تبدو نخبة الحكم الحالية في إيران أكثر جنوحًا للتشدد والتعنت، أشد ميلًا إلى التصعيد والعسكرة، وأقل رغبة في تجنب المخاطرة. كما تروج لسردية تزعم خوض معركة وجودية مع أعداء إيران، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل. وبينما يتطلب نجاح استراتيجية الإكراه، ضرورة تيقن الطرف الذي يتعرض للإكراه من أن بمقدوره تجنب الأذى المؤكد، إذا ما امتثل لإرادة الطرف الذي يمارس الإكراه؛ من غير المرجح أن يفضي تفاقم الضغوط الاقتصادية والعسكرية الأمريكية إلى تليين مواقف حكام إيران الحاليين. حيث يظن الحرس الثوري، الممسك الآن بمقاليد السلطة في البلاد، أن أي تنازل من لدنه لن يزيد ترامب إلا تصعيدًا وغطرسة؛ بحيث لا يتوانى عن تكثيف مساعيه لإسقاط النظام الإيراني.
تجدر الإشارة إلى أن تفنن النظام الإيراني في التماس أسباب الصمود، مرحليًا، قد لا يعنى، بالضرورة، نجاحه في النأي بنفسه عن السقوط أو النجاة من الانهيار. فثمة فارق ما بين قابليته للاستمرار؛ وقدرته على تحمل كلفة البقاء تحت الضغط، حتى حين. فبينما تتواصل أجواء التوتر والتصعيد، بصور وأدوات شتى؛ تصطدم تلك القابلية بتعاظم احتمالات لجوء ترامب إلى عمل عسكري، يحسبه حاسمًا. بعدما تضع معركة الانتخابات النصفية أوزارها، في نوفمبر المقبل؛ بغض النظر عما تتمخض عنه من نتائج أو تداعيات.
(الشروق المصرية)

