لأن الاحتياطيّات التجارية الفنزويلية المؤكّدة رسميًّا تبلغ 42 مليار برميل من النفط، فإنّ الاتفاق الأميركي - الفنزويلي يشمل إدخال 23 مليار برميل من النفط المصنّف كنفط رديء تمّ استبعاده من الاحتياطي سابقًا بسبب عدم جدوى استخراجه اقتصاديًّا، لكن الشركات الأميركية أدخلته لأنّها تملك التقنيّات الكفيلة بالاستفادة منه، وهو ما يشير إلى إمكانيّة زيادة الاحتياطيّات النفطية الفنزويلية مجددًا. كما يشير إلى أنّ كل الشركات غير الأميركية سوف تُطرد من قطاع النفط الفنزويلي، وأنّ وجود فنزويلا في منظمة "أوبك" أصبح في مهبّ الريح.
ترامب أعلن بفجاجة عن نيّته الاستيلاء على نفط فنزويلا وسوقها
وكان ترامب ووزير خارجيته وأركان إدارته قد أفصحوا بوضوح عن الرغبة في الاستيلاء على نفط فنزويلا لسنوات طويلة، أو أن الشركات الأميركية هي التي ستُدير قطاع النفط الفنزويلي على حدّ تعبير ترامب. كما أفصح عن نيّته استخدام ذلك النفط في الضغط على الأسعار لتستقرّ عند المستوى الذي يريده. وفي السياق اللّصوصي عينه، أعلن عن نيّته إجبار فنزويلا على استخدام أي إيرادات نفطية في شراء السلع الأميركية فقط. وهذا يعني أنّه أيًّا كانت أسعار السلع الأميركية واستغلالها للمستهلكين وعدم تنافسيتها، فإنّه ينوي إجبار فنزويلا على شرائها، حتى لو كان الأميركيّون أنفسهم يشترون السلع الصينية أو الآسيوية البديلة لها والأكثر تنافسية من زاويتيْ الجودة والسعر.
استنهاض أسوأ تقاليد الفاشية الاقتصادية
ويُجسّد ترامب النمط السلوكي العدواني النموذجي لإمبراطورية تفقد قدراتها التنافسية في قطاعات الإنتاج السلعي، وبالتالي تفقد أسواقها الخارجية، بل وسوقها المحلية لصالح منتجين أجانب أعلى في قدراتهم التنافسية وقادمين من دول "الجنوب" وتحديدًا من شرق وجنوب آسيا وبعض دول الأميركيتين مثل المكسيك والبرازيل وكندا، بما يستفزّ عنصرية الغرب بصورة مضاعفة ضدّ غالبية تلك البلدان، ويستنهض أسوأ تقاليد الفاشية الاقتصادية، أي النزوع لاغتصاب موارد البلدان الأخرى، وفرض استيرادها للمنتجات الأميركية بالقوة وبالأسعار التي تطرحها بها الشركات الأميركية غير التنافسية!
فوضى البيانات عن الاحتياطيّات النفطية الفنزويلية... أين الحقيقة؟
هناك فوضى في المعلومات والبيانات حول احتياطيّات فنزويلا من النفط والغاز الطبيعي. والغريب أنّ بعض السياسيين من الولايات المتحدة ومن فنزويلا ذاتها صاروا يردّدون تلك البيانات بما يؤشر بشكل خطير إلى أنّ الإشاعات قد تصبح أقوى من الحقائق، إذا كانت تخدم هدفًا معيّنًا لمَن يردّدونها حتى ولو كانوا يعلمون الحقائق بالتأكيد. وأهمّ تلك الإشاعات هي أنّ فنزويلا تملك أكبر احتياطي نفطي في العالم، وأنّه يبلغ 303 مليارات برميل. أمّا البيانات الرسمية والدولية المتاحة فتُشير إلى أنّ ذلك الاحتياطي المؤكّد قُدِّرَ بنحو 99,4 مليار برميل عام 2013، ما وضعه في المرتبة الخامسة عالميًّا آنذاك، وارتفع إلى 100 مليار برميل عام 2014، وثبت عند ذلك المستوى عام 2015. وفجأةً، تمّ تغيير حجم الاحتياطيّات الفنزويلية من النفط إلى 41,4 مليار برميل بداية من عام 2016، أي أنّه تمّ استبعاد 58,6 مليار برميل من الاحتياطيّات، باعتبارها تحوي نفطًا مختلطًا رديئًا لا يمكن استخراجه تجاريًّا. وتزامن ذلك مع تكثيف العقوبات الأميركية والأوروبية ضدّ فنزويلا، وانسحاب بعض الشركات الغربيّة من العمل في إنتاج النفط في فنزويلا.
وفي عام 2023، أشارت البيانات الرسمية والمنشورة لدى منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، إلى أنّ فنزويلا تملك احتياطيّات نفطية مؤكّدة تبلغ 42 مليار برميل فقط. وهذا الاحتياطي النفطي يضع فنزويلا في المركز التّاسع عالميًّا بعد السعودية (267,2 مليار برميل)، وإيران (208,6)، والعراق (144)، والإمارات (113)، والكويت (101,5)، وروسيا (80)، والولايات المتحدة (74)، وليبيا (48,4 مليار برميل)، لكنّه يظلّ الأكبر في نصف الكرة الأرضية الغربي، إذا استثنينا النفط الصخري الأميركي الباهظ التكلفة في استخراجه والذي يمكن أن تنهار عمليّات إنتاجه لو انخفض سعر البرميل إلى 45 دولارًا.
أمّا الاحتياطي الفنزويلي من الغاز الطبيعي فقد بلغ في عام 2023، نحو 5,5 تريليونات متر مكعب، ما يضعه في المرتبة التاسعة عالميًّا بعد روسيا (47,8 تريليون متر مكعب)، وإيران (34)، وقطر (23,8)، والولايات المتحدة (17,3)، والسعودية (9,5)، والإمارات (8,2)، والصين (7,5)، ونيجيريا (5,9).
القوة الذاتية والتحالفات الموثوقة هي الطريق لحماية الموارد
وتنذر تلك السيطرة الأميركية على قطاع النفط الفنزويلي بتكرار هذا النمط الاستحواذي اللّصوصي في بلدان أخرى قد تكون بلدانًا عربيةً، تحت أي ذريعة. كما يؤكّد أن ردع تلك الروح اللّصوصية للرأسمالية الأميركية والإدارة التي تعبّر عن مصالحها بفجاجة، لا يكون بالتبعية التي لم تفد في ذلك في فنزويلا، بل بالاستقلال والنأي بالنفس تدريجيًّا بعيدًا عن الإمبريالية الأميركية الشرهة، ومعالجة المشاكل الإقليمية التي تتيح لها التدخل في المنطقة، ودعم القدرة الدفاعية الذّاتية، والاستقواء بالحلفاء الموثوقين للدفاع عن الموارد الوطنية في مواجهة النزوع اللّصوصي الأميركي الفجّ.
إذا صمت العالم على الهيمنة الأميركية على فنزويلا ونفطها فإنّ الدور سيأتي على دول كثيرة
وللتذكرة، فإن السقوط الأخلاقي للغرب في مواجهة صعود النّازية الألمانية والذي بدأ بعقد بريطانيا وفرنسا وإيطاليا اتفاقية ميونيخ مع ألمانيا في سبتمبر/أيلول 1938، والتي سمحت لهتلر باحتلال إقليم السوديت التشيكي، أدّى في النهاية إلى حربٍ عالميةٍ هائلةٍ راح ضحيتها قرابة 60 مليون إنسان. وإذا صمت العالم على الهيمنة الأميركية على فنزويلا ونفطها، والمستندة إلى القوة والعنف منذ اختطاف رئيسها الشرعي المنتخب، فإنّ الدور سيأتي على دول كثيرة، وستصبح الدول صاحبة الثروات الطبيعية والمواقع والممرّات الاستراتيجية، محلّ أطماع واستهداف الإمبراطورية الأميركية التي تحوّلت إلى لص أو قاطع طريق بمخالب نووية، لن يردعه سوى القوة والتحالفات الموثوقة لمواجهته.
(خاص عروبة 22)

