ماذا يعني سقوط مدينة وميناء المخا اليمني في يد جماعة الحوثيين الأسبوع الماضي؟ الإجابة ببساطة أنه لو استمرت السيطرة الحوثية فهي لا تعني مجرد السيطرة على مدينة وميناء، بل انقلاب كبير في موازين الصراع باليمن أولا وفي الإقليم ثانيا، وورقة مهمة في يد إيران وتهديد للملاحة والتجارة العالمية. ثالثا، والأخطر بالنسبة لنا في مصر، التحكم الكبير في باب المندب وبالتالي التأثير في قناة السويس وإيراداتها.
من يتأمل خريطة البحر الأحمر بعناية سيعرف أن المخا مدينة وميناء تاريخي تتبع محافظة تعز وتقع غربها على الساحل الغربي لليمن على بعد 75 كيلومترا شمال مضيق باب المندب. شمالها محافظة الحديدة والصليف وميدي وجنوبها مدينة ذو باب، ثم باب المندب مباشرة. وأمامها في الجهة المقابلة من البحر دولة إريتريا، وهناك تقارير أن جماعة الحوثي قد سيطرت على جزر وأرخبيل حنيش، وهي جزء من الأراضي اليمنية، وفقا لحكم التحكيم الدولي الصادر عام 1998 ضد إريتريا بعد حرب بين البلدين عام 1996، ومن يسيطر على هذا الأرخبيل يمتلك نقطة متقدمة للمراقبة والاستطلاع وإقامة منشآت رادار واتصالات والأهم التحكم في الملاحة البحرية.
لكن هل السؤال هو: من الذي يسيطر على المخا أم أنه أكبر وأوسع من ذلك بكثير؟ قبل التطور الأخير كانت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا هي التي تسيطر على المخا المشهورة بزراعة وتجارة البن تاريخيا، وعلى معظم مدن الساحل الغربي للبحر الأحمر، الحوثيون كانوا قبل ذلك يستخدمون الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة للتحكم في الملاحة والتجارة في البحر الأحمر عبر باب المندب ومع السيطرة على المخا، وضعوا أقدامهم على الأرض على بعد 75 كيلومترا فقط من باب المندب نفسه، وبالتالي فالقضية هنا ليست السيطرة على باب المندب نفسه بل التحكم في المرور عبره بصورة أكبر.
التطور الخطير يمثل تحولا مهما إقليميا وربما حتى عالميا. نعلم جميعا أن جماعة الحوثيين تحظى بدعم كامل من إيران وغالبية تسليحها ودعمها يأتي من طهران، في حين أن الحكومة المعترف بها دوليا تحظى بدعم أساسى من السعودية. كانت هناك هدنة بين طرفى الصراع في اليمن منذ عام 2022 لكنها انهارت قبل أسابيع قليلة مع تصاعد الصراع في المنطقة والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ثم الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج، وانضمام القوى المؤيدة لإيران في اليمن ولبنان والعراق لتخفيف الضغط على الراعي الإيراني. أبرزها أن الحوثيين شنوا العديد من الهجمات ضد أهداف متنوعة في السعودية.
وبالتالي فالسيطرة على المخا لا يمكن فهمها إلا في إطار الصراع الإقليمي الأوسع، وليس فقط فى إطار الصراع داخل اليمن. الصورة الآن تقول بوضوح إن إيران تتحكم بنسبة كبيرة في مضيق هرمز الذي يمر منه 20% من طاقة العالم. والآن يمكنها التحكم بنسبة كبيرة في الملاحة عبر باب المندب الذي يمر منه نحو 7% من نفط العالم و12% من مجمل تجارة العالم عبر قناة السويس شمالا.
قبل السيطرة على المخا، كانت قوات الحوثيين تهاجم أهدافا سعودية لمنعها من تصدير النفط عبر سواحلها الغربية إلى باب المندب ومنها المحيط الهندي، بعد أن تم منعها من التصدير عبر هرمز. وبعد السيطرة على المخا، فإن الرسالة الإيرانية لدول الخليج والولايات المتحدة هي أنه لن يكون هناك تصدير للطاقة سواء عبر هرمز أو باب المندب ما دام أن أمريكا تحاصر الموانئ الإيرانية وتمنعها من تصدير نفطها وتضييق الخناق عليها عبر عملية "المنبوذ الاقتصادي" التي جرى تطبيقها قبل نحو أسبوعين. المثير للتساؤل هو كيف تمكن الحوثيون من السيطرة على المخا بهذه السهولة؟!
حتى الان فإن الحوثيين يسيطرون على أقل من نصف مساحة اليمن، لكن المهم بالنسبة لهم السيطرة على العاصمة صنعاء، والأماكن والنقاط الاستراتيجية، خصوصا في الحديدة ولحج وأخيرا المخا. التطور الأخير يعني إنجازا للحوثيين محليا، لكنه مكسب كبير لإيران استراتيجيا، فقد صار لديها ورقتان مهمتان في المفاوضات مع أمريكا والخليج أي هرمز وباب المندب.
وإذا استمر هذا الوضع فإن حرية الملاحة عبر قناة السويس ستصبح مهددة. والأهم أن نهاية الصراع في المنطقة ليست قريبة وبعد أن كان ترامب يتحدث عن أربعة أو ستة أسابيع لنهاية الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي فهي سوف تطول، ليس فقط إلى ما بعد الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر المقبل ولكن ربما أطول من ذلك سواء عبر حرب إقليمية مفتوحة أو متقطعة أو بالوكالة.
(الشروق المصرية)

