يُطلق على الهيدروجين اسم "الأخضر" عندما يتمّ إنتاجه باستخدام مصادر الطاقة المتجدّدة وأهمّها الطّاقة الشمسية وطاقة الرياح بحيث تكون الكهرباء المستخدمة في عملية الإنتاج منخفضة الانبعاثات. والطريقة الأكثر انتشارًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر هي التحليل الكهربائي للماء عبر فصل جزيئات الماء إلى هيدروجين وأكسجين.
أمّا الهيدروجين الرمادي فينتج عادةً من استخدام الوقود الأحفوري كمصدر للكهرباء المستخدمة في عملية التحليل الكهربائي للماء، وتنتج هذه العملية كمياتٍ كبيرةً من غاز ثاني أكسيد الكربون ولذلك لا يعدّ الهيدروجين الرمادي حلًّا مناسبًا لتحقيق إزالة الكربون بصورةٍ كاملة.
المنطقة العربية ملائمة لتكون مركزًا عالميًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر
في حين يتم إنتاج الهيدروجين الأزرق أيضًا باستخدام الوقود الأحفوري الأقلّ تلويثًا مثل الغاز، لكنّه يعتمد على تقنيات احتجاز ثاني أكسيد الكربون النّاتج عن العملية الإنتاجية ومع ذلك لا يُعتبر الهيدروجين الأزرق خاليًا تمامًا من الانبعاثات الكربونية، ولكنّه أقلّ تلويثًا للبيئة من الهيدروجين الرمادي.
ويتميّز الهيدروجين بإمكانيّة تخزينه واستخدامه لاحقًا في المجالات كافة التي تحتاج إلى الطاقة النظيفة وهو ما يمنحه ميزةً نسبيةً عن أنظمة الطاقة التي تعتمد على مصادر متغيّرة مثل الشمس والرياح حيث يمكن تخزينه في صورة غاز مضغوط، كما يمكن استخدامه في إنتاج مشتقّات أسهل في النقل والتداول ومن أهمّها "الأمونيا الخضراء".
وتتوفّر في المنطقة العربية العديد من الظروف التي تجعلها ملائمةً لتكون مركزًا عالميًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومنها وفرة مصادر الطاقة المتجدّدة مثل الشمس والرياح وكذلك الغاز الطبيعي، إضافةً إلى الأراضي الصحراوية الشاسعة والموقع الاستراتيجي قرب مناطق الاستهلاك في أوروبا وآسيا في ظلّ اتجاه عالمي يولي اهتمامًا كبيرًا بالهيدروجين الأخضر.
وفي الوقت عينه، يواجه القطاع الزراعي العربي مجموعةً من التحدّيات في مقدمتها ندرة المياه والتصحّر وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة وتأثيرات التغيّرات المناخية.
إنتاج الأسمدة محليًا باستخدام الهيدروجين الأخضر يقلّل تعرّض القطاع الزراعي العربي لتقلّبات الأسعار وتكلفة الاستيراد
ويعدّ الهيدروجين الأخضر من التّقنيات الواعدة التي يمكن أن تساهم في التغلّب على تلك التحدّيات. فهو لا يُستخدم فقط كوقود، وإنّما يمكن تحويله إلى الأمونيا الخضراء التي تمثّل مادة أساسية في إنتاج الأسمدة النيتروجينية التي يتمّ استيرادها من الخارج بكميات هائلة وبعملات صعبة، وهي مادة مهمّة لنموّ النباتات.
فإذا تمكنت الدول العربية من توسيع إنتاج الأسمدة محليًا باستخدام الهيدروجين الأخضر فإنها ستقلّل تعرّض القطاع الزراعي لتقلّبات أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق العالمية وتكلفة الاستيراد. كما أنّ إنتاج الأسمدة محليًا بالقرب من مناطق الإنتاج الزراعي يقلّل من تكاليف النقل ويبسّط سلاسل الإمداد.
وتتميّز العديد من دول المنطقة بظروف مناخية تمكّنها من دمج إنتاج الهيدروجين الأخضر مع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح عبر إنشاء منظومات متكاملة في مجالات الطاقة والمياه والصناعة والزراعة خاصة في الدول العربية التي تمتلك موارد كبيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مثل مصر والمغرب والأردن وسلطنة عُمان ودول الخليج.
الهيدروجين الأخضر وقود مستقبلي لتشغيل المعدات الزراعية ومضخات الرّي
إذ يمكن أن يساعد هذا الدمج في إنشاء مشروعات زراعية متكاملة في المناطق الصحراوية والقاحلة تعتمد على الطاقة الشمسية وخلايا الوقود الهيدروجيني في تشغيل أنظمة الرّي الحديثة ومحطات تحلية مياه البحر وأنظمة التبريد الحديثة والبيوت المحمية وتشغيل المعدّات الزراعية ومضخّات المياه، ما يساعد في التغلب على مشاكل ندرة المياه وتوفير مصادر مياه إضافية عبر استخدام جزء من المياه المحلّاة المخصّصة لمشروعات الهيدروجين الأخضر في العديد من الأغراض الزراعية.
كما يمثّل الهيدروجين الأخضر وقودًا مستقبليًّا مرشحًا لتشغيل المعدات الزراعية ومضخات الرّي ونظم الرّي الحديثة لتكون أكثر توافقًا مع ظروف المناطق الجافّة وتجعل القطاع الزراعي أكثر استدامةً وأقلّ اعتمادًا على الوقود الأحفوري الأمر الذي يعزّز فرص التصدير في ضوء التوجّهات العالمية الداعمة للمُنتجات الصديقة للبيئة.
وهناك العديد من التجارب العربية الناجحة في مجال إنتاج واستخدام الهيدروجين الأخضر في المنطقة تصدّرتها مصر من خلال مشروع إنتاج الهيدروجين الأخضر في العين السخنة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والذي من المخطط أن يُنتج حوالي 15 ألف طُن من الهيدروجين الأخضر سنويًا.
كما تمتلك السعودية إمكاناتٍ ضخمةً حيث تعتمد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في إنتاج الهيدروجين الأخضر لإنتاج الكهرباء اللّازمة لمحطات التحلية، وهي أكملت بناء أكبر مشروع هيدروجين أخضر في العالم.
وتأتي أيضًا سلطنة عمان في مقدمة الدول العربية من حيث عدد المشروعات المرتبطة بإنتاج الهيدروجين الأخضر، كما تمتلك الإمارات تجربةً مهمةً في إنتاج الهيدروجين الأخضر، وكذلك لدى المغرب مشروعات ناجحة في هذا المجال تصل إلى حوالي 11 مشروعًا لإنتاج الأمونيا الخضراء والأسمدة منخفضة الانبعاثات.
التحديات التي تواجه إنتاج الهيدروجين الأخضر في المنطقة العربية تستلزم تعاونًا مشتركًا بين الدول العربية
وعلى الرّغم من التطور الكبير في هذا المجال لا يزال إنتاج الهيدروجين الأخضر في المنطقة العربية يواجه العديد من التحدّيات التي تتعلّق بتكلفة العملية الإنتاجية وكفاءة التخزين والنقل والبنية التحتية اللّازمة للتوسع السريع ما يستلزم التعاون المشترك بين الدول العربية لمواجهة هذه التحديات.
وفي مقدمة مجالات التعاون البحث العلمي المرتبط بظروف المنطقة وإمكاناتها المحلية والتي تختلف عن باقي الدول ومن أهمها المسافات الطويلة بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، وكذلك ارتفاع درجات الحرارة ما يستلزم تطوير تقنيات جديدة تُناسب البيئات الحارّة والصحراوية خاصّةً في مجالات التحليل الكهربائي للمياه وزيادة كفاءة الأنظمة المنتجة للهيدروجين الأخضر، بالتعاون مع الشركات الصناعية والمراكز البحثية المتخصّصة في هذا المجال، وهو ما يخلق فرصًا اقتصاديةً تعزّز قطاع الزراعة العربي وصادراته في إطار التوجّه العالمي نحو منتجات آمنة بيئيًا.
(خاص عروبة 22)

