يواجه النقل البحري مخاطر جسيمة على طرق الملاحة وسلامة السفن لم يسبق لها مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فلا يكاد يمر أسبوع دون تدمير عدد من السفن التجارية، سواء في مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو البحر الأسود، وهناك بحار أخرى تواجه درجة أقل من المخاطرة مثل بحر البلطيق وبحر الصين الجنوبي، والقائمة مفتوحة لتشمل بحارا أخرى في ظل الحروب التي أصبحت السفن التجارية أحد أهم أهدافها.
أطبقت روسيا على ميناء أوديسا الأوكراني، ردا على استهداف ما يسمى "أسطول الظل الروسي"، وتدمر روسيا كل ناقلة تدخل الميناء أو تخرج منه، لتصيب تجارى أوكرانيا بالشلل، ويتكدس محصول القمح منتظرا أي فرصة للتصدير دون جدوى، فالصواريخ والطائرات المسيرة تتربص بأي سفينة تقترب من أوديسا، ولا إطلالة بديلة لأوكرانيا.
الوضع في مضيق هرمز أكثر خطورة وتعقيدا، لأنه منفذ 20% من نفط العالم، وأهم منافذ الغاز الطبيعي والهيليوم والبتروكيماويات والأسمدة الآزوتية، فإيران تغلق المضيق والسفن الحربية الأمريكية تزيده إحكاما بمحاصرة الحصار، الذي لم يحل اختناق الأسواق المتعطشة للنفط، خاصة مع قرب نفاد المخزون الأمريكي الذي كان يخفف من حدة الأزمة، ولجأت القوات الأمريكية إلى محاولة فتح مسار من الجانب العماني، لكنه يتعرض لضربات إيرانية بالصواريخ أو المسيرات أو الألغام، وتنتقم القوات الأمريكية بقصف سفن إيرانية متوقفة في موانيها، لترد إيران بضرب أضعافها من السفن المتوقفة في موانى دول الخليج، وتشتعل السفن، وتزداد أزمة النقل تعقيدا، فإذا كانت البحار تعاني انسداد الشرايين عند المضائق، فإن انخفاض عدد السفن القابلة للملاحة سيجعل النقل البحري أقل كفاءة، فالسفن بمنزلة كريات الدم الحمراء في شرايين النقل، واجتماع الجلطات مع الأنيميا يهدد حياة النقل البحري.
روسيا بدأت تواجه الخطر بعدة طرق، منها تسليح السفن التجارية مثلما فعلت الصين جزئيا، وربما يزداد معدل تسليح السفن التجارية، بوضع منصات صواريخ على متنها، أو قوات كوماندوز تمنع محاولات توقيفها للتفتيش أو المصادرة، فالهجمات على السفن التجارية الروسية شملت خطوطا ملاحية واسعة، من بحر البلطيق وبحر الشمال إلى المحيط الأطلنطي والبحر المتوسط والبحر الأسود، وكأن البحار ضاقت على السفن الروسية، ليتخذ الرئيس الروسي بوتين قرارا بأن يشن الأسطول الروسي حملات مماثلة على دول حلف الناتو الداعمة لأوكرانيا، والمتورطة في هجمات على السفن الروسية، لتصبح المعادلة سفينة مقابل سفينة.
إعلان الحوثيين عن منع السفن السعودية من المرور في باب المندب وسع من دائرة الخطر على السفن والمضائق، وأصبح البحر الأحمر ساحة جديدة لخنق السفن أو استهدافها بالضربات العسكرية، ويكفي أن تتعرض عدة سفن لضربات حتى تضاعف شركات التأمين قيمة الأقساط على السفن في مناطق النزاع المتسعة، لتكون قيمة التأمين العالية عقبة جديدة أمام النقل البحري. الولايات المتحدة أكثر المضارين من استهداف السفن، لأنها لا تنتج سوى 3 إلى 5 سفن تجارية كل عام، بينما تكاد تحتكر الصين إنتاج السفن، وتنتج أكثر من 1700 سفينة سنويا، أي أن إنتاج سفينة واحدة في الولايات المتحدة يقابله إنتاج الصين 400 سفينة، وإذا استمر استهداف السفن من أطراف النزاعات الدولية، سيكون بيد الصين تعويض الفاقد، وبالتالي التحكم في النقل البحري، ولهذا نجد أن الولايات المتحدة مترددة في توسيع الضربات الموجهة إلى السفن التجارية، خشية أن ينخفض عددها على نحو يجعلها مضطرة إلى شراء السفن من الصين.
كان الرئيس الأمريكي ترامب قد حاول إحياء صناعة السفن في الولايات المتحدة، وقرر فرض رسوم على رسو السفن الأجنبية في الموانئ الأمريكية، لكن هذا الإجراء لم يحل الأزمة، لأن عملية إنشاء أحواض للسفن تحتاج سنوات واستثمارات، وجرى إغلاق معظم أحواض بناء السفن في الولايات المتحدة لارتفاع تكلفة بناء السفن في الأحواض الأمريكية، واستعاضت عنها بالاستيراد. إنها الأزمة المتكررة في الصناعات الأمريكية التي تبحث عن حل.
هل هناك مخرج من أزمة تهدد النقل البحري والتجارة الدولية؟ من الصعب وقف استهداف السفن التجارية إلا بحل الصراعات التي أنتجتها، فالحروب في أوكرانيا وإيران واليمن أدخلت السفن التجارية مجال الاستهداف، ومعها ارتفعت تكاليف النقل، وبالتالي على أسعار الحبوب والسلع وباقي المنتجات، ليستفحل التضخم في أعداد كبيرة من دول العالم، وما لم يتم التوصل إلى حلول دبلوماسية للحروب، فإن الآمال ضعيفة في تجنيب السفن التجارية شظايا المعارك، وعند توسعها يمكن أن يصاب الاقتصاد العالمي بمخاطر تفوق التضخم، وقد تجبر على توقف عدد كبير من الصناعات، وعرقلة نقل القمح والمنتجات الغذائية، ويرتفع عدد الجوعى والفقراء، وربما حينها ستضطر الدول المتحاربة إلى اتخاذ قرارات إنقاذ، واختيار التفاوض وسيلة لفض النزاعات.
(الأهرام المصرية)

