في كتابه "عقد الستينيّات الفريد"، الصادر عن دار رياض الريس، يعيدنا خالد زيادة إلى عقدٍ يستحقّ، في نظره، هذه التسمية، بما شهده من تحوّلات كبرى وبروز طلائع فكرية وحزبية، وما عرفه من تفاعل بين الداخل اللبناني والتحوّلات العربية. لكن فرادة الستينيّات لا تكمن في كثافة أحداثها وحدها، بل في كونها مثّلت لحظةً كان فيها العرب يمتلكون مشروعًا يتجاوز الواقع القائم، ويوسّع أفق التوقّعات نحو مستقبل مختلف. ومن هنا، فإنّ قراءة الكتاب تفتح على سؤال يتجاوز استعادة مرحلة خصبة: ماذا بقي من المشروع العربي بعد هزيمة 1967، ولماذا لم نستطع، منذ ذلك الحين، إنتاج مشروع جامع يحلّ محلّه؟.
لعلّ أكثر ما يعبّر عن هذا الانكسار صورة "سقوط عمود الخيمة" مع وفاة جمال عبد الناصر، التي يستحضرها زيادة. فالخيمة هنا ليست شخص عبد الناصر وحده، بل المشروع العربي الذي كان يمنح الأفكار والتيارات المختلفة أفقًا مشتركًا، على الرغم من تناقضاته وأزماته. وحين سقط العمود، لم تختفِ الأفكار، لكنّها فقدت ما كان يجمعها داخل تصوّر تاريخي للمستقبل. ومنذ هزيمة 1967، أخذت التيّارات تتعاقب، من القومية والبعثية إلى الماركسية، ثم الإسلام السياسي، من دون أن يُفضي هذا التعاقب إلى إعادة بناء مشروع عربي جامع. لقد استمرّ إنتاج الأفكار، لكن القدرة على تحويلها إلى أفق مشترك أخذت تتراجع.
ما يمنح كتاب زيادة خصوصيّته أنّه لا يروي هذا التاريخ من خارجه، بل يكتب من داخل تجربة تشكّل وعيه في خضمّها. تتداخل السيرة بالتاريخ، غير أنّ طرابلس تتوسّط العلاقة بين الذّات والأحداث، حتى تكاد ذات الكاتب تتراجع لمصلحة المدينة. كأنّ زيادة يريد أن يضع وعينا في طرابلس، لا أن يكتفي بوضع طرابلس في وعينا. فالمدينة ليست خلفيّةً للأحداث، بل مجال تتجسّد فيه التحوّلات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهي تتأرجح بين امتدادها التاريخي المرتبط بالمجال العربي، ولا سيما سوريا، وانتمائها إلى المجال الوطني اللبناني.
وهنا تظهر قيمة زيادة مؤرّخًا للمدينة، فهو لا يكتفي بالأحداث الكبرى، بل يرصد انتقال المجتمع من الخمسينيّات إلى الستينيّات عبر تحوّلات العائلة والأدوار الاجتماعية والأزياء وأنماط السكن ومفهوم البيت. وهذه التفاصيل ليست هامشية، إذ تكشف كيف تتسلّل التحوّلات إلى الحياة اليومية، وكيف تُعيد تشكيل العلاقات والذوق وموازين السلطة داخل المجال الخاص نفسه. وفي هذا السياق، يبرز أثر التمايزات الحزبية والفكرية في العائلة، كما تحضر شخصية أخيه معن، أحد مؤسّسي حركة القوميين العرب، واشتغاله الفكري وإسهامه في تحرير "الموسوعة الفلسفية العربية". وتكشف هذه الصورة عن جيلٍ لم تكن السياسة بالنسبة إليه منفصلةً عن الثقافة أو عن تصوّر شامل للمجتمع والمستقبل.

ومن خلال هذا الرّصد، يتوقّف زيادة عند التمايزات الثقافية التي أنتجتها التحوّلات الاجتماعية، ومنها انحسار حضور الطرق الصوفية. فالمدينة تتغيّر من الداخل، لا بفعل السياسة وحدها، بل بتبدّل أنماط العيش والعلاقات والأفكار. وهكذا تصبح طرابلس مدخلًا لفهم مجتمع كان يُعيد تشكيل نفسه في ظلّ مشروعات فكرية وسياسية كبرى.
لكنّ الكتاب يتجاوز طرابلس إلى التحوّل الأوسع في المجال الثقافي العربي، ولا سيما انتقال مركز الثقل الفكري من القاهرة إلى بيروت. فقد أصبحت بيروت فضاءً تتقاطع فيه التيارات السياسية والأدبية، وتتنافس داخله مؤسّسات إنتاج القول والمعنى، من الصحف ودور النشر إلى المنتديات الثقافية. ويرصد زيادة تحوّلات الشعر والأدب الحديث وبروز طلائع جديدة، فضلًا عن تنامي حضور الأدب النسائي. كما يلفت النظر إلى اختلاف المنطلقات بين النادي الثقافي العربي، المرتبط بنخبٍ جامعيةٍ وثقافيةٍ، والندوة اللبنانية المنشغلة بقضايا المجتمع اللبناني.
ولم تكن بيروت وسيطًا ثقافيًّا فحسب، بل أدّت وظيفة تجارية واقتصادية من خلال الوكلاء والوسطاء وحركة السلع. فهي، بهذا المعنى، فضاء للتبادل المادّي والرمزي معًا: تستقبل البضائع وتُعيد توزيعها، كما تستقبل الأفكار وتُتيح تداولها عربيًّا. غير أنّ كثافة الإنتاج الثقافي، على أهميتها، لا تعني بالضرورة وجود مشروع قادر على جمع هذه الأفكار ضمن أفق تاريخي مشترك.
وهنا تكمن المفارقة التي يمنحها الكتاب دلالتها الأعمق. فقد شهدت الستينيّات خصوبة فكرية لافتة، لكن هزيمة 1967 كشفت حدود المشروع الذي حمل كثيرًا من آمالها، فيما جعلت وفاة عبد الناصر صورة انكساره أكثر وضوحًا. ثم أخذت الأفكار تتعاقب، كأنّ كل تيار جديد يَعِدُ بالخلاص من إخفاق سابق، من دون أن ينجح في تأسيس أفق يتجاوز الانقسامات. لذلك لا يعني الحنين الذي يسري في كتاب زيادة التغاضي عن استبداد الأنظمة أو تناقضات التجربة العروبية، بل يكشف عن صعوبة الفصل بين خصوبة ذلك الزمن وبين المصير الذي انتهى إليه.
إن "عقد الستينيّات الفريد" ليس مجرّد استعادة لمرحلة مضت، بل شهادة على زمن كانت فيه الأفكار تنتج الأحلام، قبل أن تتحوّل تلك الأحلام إلى ذاكرة مُثقلة بالخيبات. ومن خلال طرابلس وبيروت، والعائلة والبيت والمؤسسات الثقافية، يُعيد زيادة بناء عالم فقد عمود خيمته، من دون أن ينجح في إقامة خيمة جديدة. ولعلّ السؤال الذي يتركه الكتاب مفتوحًا ليس كيف نستعيد الستينيّات، بل كيف نفسّر عجزنا، منذ انكسار مشروعها العربي، عن إنتاج أفق مشترك يتجاوز إخفاقاته من دون أن يتخلّى عن أسئلته الكبرى.
(خاص عروبة 22)

