الصّمغ العربي مادة نباتية طبيعية تستخرج على هيئة قطرات أو كتل صلبة تتكوّن بعد تعرض إفرازات الشجرة للهواء والجفاف ثم تجمع وتنظف وتصنّف وفقًا لجودتها. ولقد ارتبط الصمغ العربي بالتجارة العربية منذ قرون إذ انتقل إلى أوروبا عن طريق التجار العرب.
وتعدّ مناطق إنتاج الصمغ في السودان على وجه الخصوص مركزًا مهمًّا للتجارة الدولية لهذه المادة حيث ساعدت الظروف المناخية والطبيعية على انتشار أشجار الأكاسيا وتطوّر أساليب جمع الصمغ ومعالجته وتصديره. ويمثّل الصمغ العربي مصدر دخل مهمًّا للعديد من المجتمعات الريفية خاصة في المناطق التي تقل فيها فرص العمل الزراعي التقليدي.
من المهم الاستثمار في مصانع المعالجة ودعم التعاون بين الجامعات العربية ومراكز البحوث والشركات الزراعية والصناعية
وتنبع الأهمية الاقتصادية للصمغ العربي من خصائصه المناسبة للعديد من الصناعات الغذائية والدوائية حيث يدخل في الصناعات الغذائية باعتباره مادة مثبتة ومستحلبة لصناعة المشروبات والحلويات ومنتجات المخابز والصّلصات والألياف الغذائية، بالإضافة إلى قدرته على تثبيت الزيوت العطرية والمنكهات.
وفي مجال الصناعات الدوائية، يستخدم الصمغ العربي بوصفه مادة مساعدة في العديد من المستحضرات الدوائية، كما يستخدم في أنظمة إنتاج الضمّادات والأقراص الدوائية كمادة رابطة تحافظ على تماسكها، وفي بعض أنواع الشراب والمستحلبات الدوائية. وبحثت الدراسات الحديثة في استخدامه في تصنيع الهلاميات المائية والألياف والأغشية والمكمّلات الغذائية والمواد المعملية المستخدمة في هندسة الأنسجة.
ويمكن تحويل الصمغ أيضًا إلى مساحيق ومواد معالجة تدخل في صناعات أخرى مثل مستحضرات التجميل وصناعة الورق والأحبار ومواد الطباعة والدهانات والمواد اللّاصقة، الأمر الذي يسمح للدول المنتجة للصمغ بالمشاركة في مراحل أكثر من سلاسل القيمة بدلًا من الاقتصار على تصدير المادة الخام، وتتطلّب هذه الخطوة الاستثمار في معامل الجودة ومراكز الأبحاث ومصانع المعالجة إضافةً إلى وضع معايير واضحة للفرز والتصنيف والتخزين. كما أنّ تطوير العلامات التجارية للمنتج ورفع مستوى التعبئة والتغليف يمكن أن يساعد في الوصول إلى أسواق ذات قيمة أعلى. ومن المهم دعم التعاون المشترك بين الجامعات العربية ومراكز البحوث والشركات الزراعية والصناعية لتطوير استخدامات جديدة للصمغ العربي وتحسين طرق استخراجه ومعالجته ودراسة أفضل الأصناف الملائمة لكل منطقة.
يجب إنشاء صناعات محلية تحوّله إلى منتجات ذات قيمة مضافة
وتشير منظّمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو" إلى أنّ السودان ظل تاريخيًا المنتج الرئيسي للصمغ العربي في العالم وأنّ الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي يأتي من منطقة الساحل الأفريقي ويرجع ذلك إلى توافر مساحات واسعة مناسبة لنمو أشجار الأكاسيا.
وينتج السودان نحو 70% من الصمغ العربي/صمغ الأكاسيا في العالم، ويُقدَّر بأنّه يوفر نحو 80% من الإمدادات العالمية، حيث تتركّز زراعته في كردفان ودارفور، ولا ترجع أهمية الصمغ السوداني إلى حجم الإنتاج وحده، بل أيضًا لجودته وخاصة ما يعرف بـ"صمغ الهشاب".
وتعدّ موريتانيا أيضًا من الدول العربية التي توجد فيها أشجار الصمغ نتيجة لوقوعها ضمن نطاق الساحل الأفريقي الجاف وشبه الجاف حيث يزرع في المناطق التي تستطيع فيها الأشجار مقاومة الجفاف ونقص المياه.
يمكن أن يتحوّل الصمغ العربي إلى قطاع اقتصادي متكامل
وعلى الرغم من وجود دول عربية أخرى تمتلك أنواعًا مختلفةً من أشجار الأكاسيا، فإنّ هناك فرقًا بين وجود أشجار الأكاسيا وبين وجود نظام زراعي متكامل وصناعات تجارية كبيرة مرتبطة بإنتاج الصمغ، ولهذا السبب ما زالت بعض الدول العربية التي تتوافر فيها أشجار الأكاسيا لم تصل إلى درجة المنافسة، وليس لها قطاع تجاري وخبرة دولية تماثل الخبرة السودانية على الرغم من أن هناك إمكانيّة لتوسّع تلك الدول في زراعة أشجار الصمغ العربي بأنواعها المختلفة طبقًا للظروف المناخية لكل دولة، لكن نجاح هذه المشروعات يحتاج إلى دراسات دقيقة للتربة والأمطار ودرجات الحرارة وما يناسبها من أصناف الأشجار المنتجة للصمغ العربي. ويمكن لتلك الدول أيضًا اتّباع نظام الزراعة الحراجية الذي يجمع بين الأشجار والمحاصيل الزراعية التقليدية والذي لاقى نجاحًا في السودان.
ويمكن أن تساهم الزراعة الحراجية عبر زراعة أشجار الصمغ العربي في التغلّب على التصحرِ من خلال تكوين غطاء نباتي وتقليل سرعة الرياح وفقد الرطوبة الأرضية وتثبيت التربة بواسطة جذور الأشجار.
من هنا يمكن القول إنّ قطاع الصمغ العربي يمتلك فرصًا جيدة للنمو في المنطقة العربية وذلك في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بالمنتجات الطبيعية وزيادة الطلب عليها. ويجب ألّا يقتصر الهدف على تصدير الصّمغ الخام فقط، بل إنشاء صناعات محلية تحوّله إلى منتجات ذات قيمة مضافة بما يتيح للدول المنتجة الحصول على عائد اقتصادي أكبر، وبذلك يمكن أن يتحوّل الصمغ العربي من مجرّد منتج يتم جمعه من الأشجار إلى قطاع اقتصادي متكامل يشمل الزراعة والتصنيع والتعبئة والتصدير.
القيمة السوقية للصمغ العربي عالميًا قد ترتفع إلى 2.2 مليار دولار عام 2035
وهذا الأمر مهم جدًا عند التفكير في نقل زراعة الصمغ العربي إلى بعض الدول العربية التي فيها مناطق صحراوية شاسعة مثل مصر وليبيا والجزائر وتونس والمغرب والسعودية وسلطنة عُمان حيث إن الدراسات الحديثة تشير إلى أن القيمة السوقية لسوق الصمغ العربي عالميًا قد ترتفع إلى حوالي 2.2 مليار دولار عام 2035 مدفوعةً بالطلب من قطاعات الأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل والصناعات الأخرى المرتبطة بالصمغ العربي بما يوفّر فرصة واعدة للدول العربية ليس فقط لإنتاج الصمغ الخام، بل لإنشاء صناعات محلية تزيد من قيمته الاقتصادية وتوفّر فرص عمل جديدة.
(خاص عروبة 22)

