ما إن وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها؛ حتى انبرت واشنطن في استعراض تفوقها العسكري الكاسح. وفي شتى أرجاء المعمورة، انتشرت تمركزاتها الاستراتيجية، عبر إقامة نحو 800 قاعدة عسكرية، وتسيير 7 أساطيل بحرية، تعززها 11 حاملة طائرات. وطيلة سني تموضعها العسكري المتواصل، لم تجرؤ أية دولة أو جهة، على التعرض لتلك الأصول العسكرية، أو خدش هيبتها.
في مارس 2025، اجترأ الحوثيون على مهاجمة حاملة الطائرات "هاري ترومان" في البحر الأحمر، بصواريخ باليستية ومسيرات؛ ما أجبرها على الانسحاب، رفقة البوارج والمدمرات المصاحبة لها. ومن بين عديد ارتدادات استراتيجية للحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية الراهنة على إيران؛ تبرز الاستباحة الإيرانية للأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة. فقبل قليل، تفاخر نائب رئيس هيئة الأركان العامة الإيرانية، بنجاح صواريخها، في إسقاط طائرات حربية، ومسيرات، وإصابة سفن حربية، وبوارج، وحاملات طائرات، وقواعد عسكرية أمريكية؛ وإلحاق أضرار بالغة بها. في سابقة هي الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.
أواسط يوليو الماضي، شنت إيران هجمات صاروخية على قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن، حيث تتمركز قوات أمريكية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة منهم. وبينما أكدت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، حصول إيران على صور أقمار اصطناعية عالية الدقة للقاعدة، من دوائر صينية، لم يكترث البيت الأبيض بهذا الأمر. وفي أغسطس الماضي، أكد الحرس الثوري مهاجمة حاملة طائرات وأربع مدمرات، إضافة إلى استهداف سفينتين حربيتين وناقلتي نفط بمضيق هرمز. وبمجرد إعلان طهران اعتزامها إقامة منطقة بحرية محظورة بالمضيق، ومهاجمة أية سفينة تتخطاها بغير إذن مسبق، عبر صواريخ باليستية أكثر تطورًا وقدرة على مهاجمة أهداف متحركة بدقة عالية، تراجعت البحرية الأمريكية مئات الكيلومترات. وبنهاية الشهر ذاته، أعلنت بحرية الحرس الثوري، إصابة زورق مسيّر أمريكي، من طراز "سيل درون"، وإفشال ما أسمته "مهمته العدوانية"، المتمثلة في ولوج "المنطقة المقيدة وغير الآمنة" بالمضيق. وفي مطلع الشهر الجاري، أعلن الحرس الاستيلاء على غواصة مسيّرة من طراز "دايف ــ إل. دي"، عند مدخل مضيق هرمز.
وهي من أحدث الغواصات الذكية، التى التحقت بالأسطول الأمريكي العام الماضى. إذ تعمل بتقنيات متطورة، تستخدم في الاستطلاع، والمراقبة تحت الماء، ومسح قاع البحر، واكتشاف الألغام، وفحص الكابلات وخطوط الأنابيب. وتستخدم طهران سرديتي إصابة الزورق، واستهداف المسيرة البحرية، لتأكيد روايتها عن "السيطرة الذكية" على المضيق. ما إن أعلن الحرس اعتزامه البدء بعملية هندسة عكسية للغواصة، توطئة لتصنيع وتطوير مركبات مشابهة محليًا؛ حتى قلل الجيش الأمريكي وشركة "أندوريل"، من أهمية هكذا خطوة. غير أن واشنطن تعاملت في السابق مع وقوع مسيرات متطورة في أيدى الإيرانيين، باعتباره خطبًا جللًا. فحينما سيطرت إيران عام 2011 على طائرة استطلاع شبحية من طراز "آر. كيو ــ 170 سنتينل"؛ ألح الرئيس الأسبق، أوباما، في طلب استعادتها. وأعلنت طهران، لاحقًا، إجراء هندسة عكسية لها، قبل أن تقوم بتصنيع نماذج مستوحاة من تصميمها.
وفي العام 2022، تحركت بارجة أمريكية، ومروحية من طراز "إم إتش ــ 60 إس سي هوك"، لمنع سفينة حربية إيرانية من سحب مركبة سطحية كانت معطلة في الخليج. كذلك، أكدت مصادر أمريكية، نجاح إيران، بمساعدة صينية وروسية، في إلحاق أضرار بطائرات حربية أمريكية، بقاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن، من طراز "إيه ــ 10 ثاندربولت 2"، مما أدى إلى فقدانها أحد جناحيها، في حين لحقت أضرار طفيفة بنحو ثماني مقاتلات شبحية من طراز "إف ــ 15". وأكدت الرواية الإيرانية، استهداف حظائر صيانة، وتجهيز، ونشر وتمركز مقاتلات من طرازات "إف ــ 15"، "إف ــ 16" و"إف ــ 35"، بهجوم مكثف بصواريخ باليستية، تعمل بالوقودين الصلب والسائل. إضافة إلى إصابة ملاجئ الطائرات المقاتلة بقاعدة الأزرق، قرب العاصمة عمّان. وطوال شهر سبتمبر، توالت إعلانات الحرس الثوري عن إسقاط مسيرات أمريكية متطورة من طراز "إم كيو ــ 1"، و"إم كيو ــ 9" فوق مضيق هرمز. ومؤخرًا، حذرت هيئة الأركان العامة الإيرانية، من أن مواصلة أمريكا عدوانها، سيفضي إلى غرق قواتها وقطعها البحرية في مياه المنطقة، كما سيبلغ بنطاق المواجهات حدود المحيط الهندي.
تأبى إدارة ترامب، إلا نفي تلك السرديات الإيرانية. وبذريعة حماية القوات الأمريكية بالمنطقة، ضغطت على مزودي صور الأقمار الاصطناعية، لتقييد الوصول إلى المشاهد، التي تكشف حجم الدمار، الذي اعترى أصولها العسكرية. غير أن دوائر أمريكية موثوقة، آلت على نفسها الاعتراف بتكبد خسائر وأضرار جراء الحرب. حيث أكدت تضرر ما لا يقل عن 18 قاعدة عسكرية أمريكية، موزعة على ثماني دول بالمنطقة، جراء غارات إيرانية. ولحقت الأضرار الأضخم بمعسكر "بيرلينج"، شمال غربي مدينة الكويت، الذي يمثل نقطة تجمّع رئيسة للمشاة، والمركبات المدرعة، وبعض الطائرات الحربية الأمريكية. كما خسرت قواعد أخرى رادارات للدفاع الجوي، وأنظمة الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية. فيما تعطلت طائرة الاستطلاع "إي ــ 3 سينتري"، بقاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية؛ كما تم تدمير أنظمة رادار واتصالات بمعسكر عريفجان الكويتي. فيما تعرضت القاعدة البحرية الأمريكية بالبحرين، المعروفة باسم "مركز الدعم البحري"، لدمار هائل. وأقرت وزارة البحرية الأمريكية، بنجاح إيران في إلحاق دمار واسع بمقر الأسطول الخامس المتمركز في القاعدة. وفي أبريل الماضى، قدر معهد "أمريكان إنتربرايز"، تكلفة إصلاح القواعد الأمريكية المتضررة، بخمسة مليارات دولار. فيما قدر تقرير، صدر مؤخرًا، عن مكتب المفتش العام بالبنتاغون، كلفة الحرب، حتى الآن، بـ44 مليار دولار، وقيمة خسائر الأسلحة والمعدات، بأربعة مليارات دولار.
بينما أكد تقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس في مايو الماضى، لرصد الخسائر خلال الفترة من فبراير وحتى نهاية يونيو الماضيين، فقدان وتضرر 60 طائرة حربية. إذ تم تدمير أو إصابة 4 مقاتلات من طراز "إف ــ 15 إي"، ومقاتلة "إف ــ 35 إيه"، وطائرة هجومية من طراز "إيه ــ 10"، فضلًا عن 12 طائرة لإعادة التزود بالوقود، و9 طائرات أخرى. كما دُمرت أكثر من 30 مسيّرة من طراز "إم كيو ــ 9" بحلول يونيو. وقبل نهاية الشهر المنقضى، نشرت شبكة "سي. بي. إس. نيوز" صورًا جديدة، حصلت عليها من عسكريين عاملين، اشترطوا عدم الكشف عن هوياتهم، نظرًا للقيود الإعلامية الصارمة داخل المؤسسة العسكرية، تظهر حجم الدمار، الذي لحق بالمبانى والمركبات في مواقع أمريكية متعددة بالمنطقة، نتيجة لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيرات. وتُظهر صورة لقاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية، إصابة مباشرة في النصف الخلفي لطائرة "بوينج إي ــ 3 سينتري" ذات المحركات الأربعة؛ ويظهر ذيلها وقد انفصل عن هيكلها المتفحم، الذي كان يحمل رادارًا دوارًا يُعد عنصرًا حيويًا لجمع المعلومات الاستخباراتية أثناء التحليق. فيما تُبرز صور أخرى مباني وثكنات مفرغة من الداخل، كانت بمثابة تحصينات للحماية من هجمات القنابل اليدوية وقذائف الهاون، لكنها أثبتت عدم فاعليتها أمام الهجمات الإيرانية. وبخصوص الخسائر البشرية، تؤكد مصادر رسمية أمريكية مقتل 22 عسكريًا، وإصابة أكثر من 820 آخرين، منذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير الماضي. وقبل أيام معدودات، اعترفت البحرية الأمريكية بحدوث ثماني محاولات انتحار بين أفرادها، جراء الإحباط من تردي الأوضاع على متن حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، والمجموعة الضاربة المرافقة لها، منذ بداية الانتشار بالمنطقة.
على وقع تلك الخسائر الضخمة، هرعت واشنطن إلى إعادة تقويم تمركزاتها بالمنطقة، تمهيدًا لإعادة التموضع العسكري بعيدًا عن الخليج. إضافة إلى نقل بعض القواعد العسكرية أو المهام بمنأى عن مديات الصواريخ والمسيرات الإيرانية. باتجاه إسرائيل، والأردن وسوريا؛ بما يمنح الدفاع الجوي وقتًا أطول للتعاطي الناجع مع الهجمات الإيرانية. كما بدأت القيادة المركزية الأمريكية، المنوط بها تنفيذ العمليات العسكرية بالشرق الأوسط، تجربة أساليب جديدة، لتوزيع الجنود على مواقع قتالية أصغر حجمًا؛ وتحريك الطائرات المقاتلة بسرعة بين مدارج مؤقتة تستخدم للهبوط والإقلاع السريعين. ويدرس الجيش الأمريكي سبل تطوير قاعدة البحرين، وإمكانية تقليص وجوده في الكويت والسعودية.
تعي واشنطن أن تفكيك أصولها العسكرية بالمنطقة، خصوصًا مقر القيادة المركزية المتقدم بقطر، أو الأسطول الخامس بالبحرين، بوصفهما عنصرين أساسيين في إدارة العمليات العسكرية والاستجابة للأزمات؛ سيكون كفيلًا بتعزيز نفوذ إيران. كما سيغذي شكوك حلفاء واشنطن في موثوقية التزاماتها الأمنية تجاههم، عندما تواجه قواتها ضغوطًا عسكرية. وبينما حذر، جي دي فانس، من مخاطر تفجير الانسحاب الأمريكي حاليًا، أزمة طاقة عالمية؛ طمأن قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، المشاركين في اجتماع سري بألمانيا، الأسبوع الفائت، ضم رؤساء أركان جيوش الولايات المتحدة، وإسرائيل وعدة دول عربية، بشأن بقاء الأصول العسكرية الأمريكية بالمنطقة. ويبدو أن واشنطن تؤثر إعادة هيكلة وجودها العسكري في الإقليم، ليغدو أكثر قابلية للاستدامة، بكلفة أقل ومخاطر أدنى. بما يتيح تنشيط جهوزية الردع وسرعة الاستجابة؛ عبر تقليص حجم القوات، وتحصين القواعد، ونقل بعض الخدمات غير القتالية إلى بقاع أكثر أمنًا، مع تطوير قدرات الدفاع الجوي، وتكنولوجيا التصدى للمسيّرات.
(الشروق المصرية)

