صحافة

بين خطابي الشرع ونتنياهو في نيويورك

محمود علوش

المشاركة
بين خطابي الشرع ونتنياهو في نيويورك

الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

كانت هذه المرّة الثانية التي يخطب فيها الرئيس السوري أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. لكنّ الخطاب هذه المرّة نقل سوريا الجديدة من مرحلة تعريف نفسها للعالم إلى مرحلة رسم دقيق لسياستها مع الخارج. لذلك، لم يكن مفاجئًا أن تحضر إسرائيل في الخطاب بقوة، وأن يحظى هذا الحضور باهتمام إسرائيلي ودولي واسع.

منذ التحرير، استطاعت سوريا معالجة الكثير من التحديات الداخلية، إن لم يكن الجزء الأكبر والأكثر أهمية منها، ونسجت شبكة واسعة من العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية. والأهم أنها خرجت بالكامل من عصر العقوبات الأمريكية. مع ذلك، بقيت إسرائيل العقبة الخارجية الكبيرة الوحيدة التي تُواجهها. ولأن هذه العقبة سلكت مسارًا صعوديًا في الآونة الأخيرة، ولم تنجح العملية التفاوضية في معالجتها أو الحد من تأثيرها، فقد كان لزامًا على الشرع أن يُقدّم للعالم النهج السوري بوضوح، والسردية التي تنسجم مع مصالح سوريا الوطنية.

وهنا تحديدًا، بدا أن الشرع نجح إلى حد كبير في هذه المهمة، ومقياس النجاح هنا لا يقوم بالضرورة على نهاية إسرائيل كمُشكلة بالنسبة لسوريا، لأن الواقع الإقليمي يُظهر أن إسرائيل مُشكلة كبيرة للمنطقة كلّها وليس لسوريا وحدها، بل يقوم أولًا على إقناع العالم بنهج سوريا، وثانيًا على التفاعل الإسرائيلي مع الخطاب. وفيما يتعلق بالعنصر الأول، فإن تأكيد معظم خطابات قادة الدول في الأمم المتحدة على سيادة سوريا وعلى سورية الجولان المحتل يُظهر بوضوح أن غالبية دول العالم لا ترى في السردية السورية أنها مشروعة فحسب، بل تنظر إلى الشرع على أنه رجل يبحث عن مصالح سوريا الوطنية وعن سلام، لا عن صراع. أما التفاعل الإسرائيلي مع الخطاب، فهو يتحدّث لوحده عن تفوق الرواية السورية على سردية إسرائيلية تختلق ذرائع الهواجس الأمنية لغرض النوايا الاحتلالية والعدوانية ضد سوريا.

لقد جسّد خطاب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في الأمم المتحدة هذه النوايا بشكل صريح. ولأن احتلال إسرائيل للجولان يتعارض مع الشرعية الدولية، فقد لجأ إلى استدعاء زمن النبي موسى عليه السلام، وما حمله هذا الاستدعاء من مغالطات تاريخية كبيرة، لتأكيد الأحقية المزعومة لإسرائيل بالجولان.

وإلى جانب غرابة هذا الادعاء، زعم نتنياهو أن تركيا تريد الاستيلاء على مساحات واسعة من سوريا، في محاولة يائسة أخرى لشرعنة الوجود الاحتلالي الإسرائيلي في سوريا. والحقيقة أن أكثر ما يزعج نتنياهو في علاقة تركيا بسوريا هو أن تركيا تعمل على تمكين الشرع من الحفاظ على وحدة البلاد وبناء جيشها، وعارضت بقوة المنطق الإسرائيلي القائم على تقاسم النفوذ في سوريا، ورفضت الدخول في أي نقاش مع إسرائيل على هذا الأساس. فضلًا عن أنها تُبدي دعمًا قويًا للشرع في رفض أي اتفاق مع إسرائيل على حساب سيادة سوريا ووحدتها وحقها في أراضيها المحتلة.

قد لا يُغيّر خطاب الشرع شيئًا من السلوك العدواني الإسرائيلي تجاه سوريا، ولا يُنتظر أن يؤدي إلى هذه النتيجة. فالعالم بأسره عاجز عن التعامل مع مُشكلة تُهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، تتمثل بإسرائيل. لكنّه، على الأقل، استطاع تعرية السردية الإسرائيلية بالكامل تجاه سوريا أمام العالم، وكشف عن حقيقة نوايا نتنياهو وحكومته التي تلهث وراء السيطرة على مزيد من الأراضي في دول الجوار تحت غطاء الأمن المزعوم.

لقد استخدمت إسرائيل منذ عامين القوة والتنمر لفرض الواقع الاحتلالي على سوريا بالقوة. ورغم أنها لا تزال تُحافظ على هذا الواقع حتى الآن، فإنها فشلت في ترجمته إلى قبول سوري به. واستدعاء مزيد من خطاب التنمر والتهديد ضد سوريا لا يعكس شعورًا بالقدرة على فرض هذا الواقع بقدر ما يعكس الفشل في ترهيب سوريا ودفعها إلى التخلي عن ثوابتها الوطنية وحقها في أراضيها المحتلة. وها هو الشرع يتحدّث اليوم عن سورية الجولان المحتل بالقدر نفسه الذي يتحدّث فيه عن العودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك، لإدراكه حقيقة الأهداف الإسرائيلية.

لا يزال الأفق أمام سوريا لمعالجة المُشكلة الإسرائيلية ضعيفًا للغاية، وقد تتطور هذه المُشكلة إلى وضع أكثر تهديدًا لسوريا واستقرارها فيما لو تمكّن نتنياهو من الفوز في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وبقي في السلطة. لكنّ ما أنجزته سوريا في غضون عامين من أمور كثيرة يُربك بالتأكيد الحسابات الإسرائيلية. فهناك بلد أعاد الشرع توحيد الجزء الأكبر منه في أقل من عامين، على عكس ما كانت تأمل إسرائيل، ونظام جديد يثبت أقدامه يومًا بعد آخر، وانفتاح دولي متزايد على سوريا، وعلاقة سورية تركية لا يمكن كبحها بسهولة.

في الظاهر، سعى نتنياهو في خطابه في الأمم المتحدة إلى أن يتقمّص وضعًا تبدو فيه إسرائيل وكأنها تمتلك زمام المبادرة في سوريا وقادرة على تحقيق أهدافها. لكنّ خلف رسائل التهديد والغطرسة هذه مأزقًا كبيرًا، ومشهدًا سوريًا متناميًا لا ينسجم أبدًا مع ما يُصوّره نتنياهو.

(الثورة السورية)

يتم التصفح الآن