صحيح أنّ الاحتجاج في فرنسا جزء من الثقافة السياسية، وثورات الطلاب واحتجاجات العمال والموظفين جانب مهم من المشهد السياسي الذي يتعامل معه أي رئيس أو حكومة جديدة، إنما أن تقلّ أعمار المحتجّين وتبدأ مع طلاب المدارس الثانوية وليس الجامعات ويقوموا هم بإشعال شرارة الاحتجاج، فهذا تحوّل كبير بالمعنى الجيلي، ويدلّ أيضًا على انتقال الشعور بالقلق من طلاب جامعيين على مشارف التخرّج والعمل إلى تلاميذ ثانوي لا يزال أمامهم رحلة طويلة قبل أن يبدأوا ممارسة حياتهم العملية.
النقاش تركّز على إدانة العنف وتناست غالبية الطبقة السياسية والإعلام مناقشة مشكلات الطلاب وسبل حلّها
الحقيقة أنّ تداخل المطلبي والسياسي في كثير من الاحتجاجات الفرنسية ومنها الأخيرة، جعل كثيرين ينسون المطالب الأساسية، ويشتبك أساسًا مع الجوانب السياسية للاحتجاجات، فقد تحدّث الإعلام وتيّارات اليمين عن مسؤولية أقصى اليسار عن توجيه وقيادة المظاهرات وتمّ تحميله مسؤولية العنف الذي جرى في المدن الفرنسية. أمّا حزب أقصى اليسار (فرنسا الأبيّة) فحمّل الحكومة التي تجاهلت مطالب الطلاب مسؤولية ما جرى، ودعم تحرّكات الطلاب ودافع عنها وفي الوقت عينه طالبهم بعدم التورّط في أي أحداث عنف. كما حمّل أداء الشرطة مسؤولية اشتعال الموقف بعدم السماح بمسارات كافية للتظاهر واستسهال البدء بتفريق المتظاهرين بالقوة ما أدّى إلى اشتعال الموقف.
وقد رُفعت في هذه الاحتجاجات شعارات سياسية مناهضة للرئيس والحكومة والشرطة، وردّد المحتجّون شعار "كلّ العالم يكرهون البوليس" وردّده معهم آلاف المحتجّين في ألمانيا وإيطاليا، كما سبّوا اليمين المتطرّف ورفعوا شعار الشباب يرفض التجمّع الوطني (حزب اليمين المتطرّف) واستخدموا تعبيرًا أكثر سوءًا من كلمة رفض.
ويمكن القول إجمالًا إنّ توجّهات كثير من الطلاب يسارية وإنّ ما يقرب من نصفهم وفق استطلاع للرأي يؤيّد حزب أقصى اليسار بزعامة جان لوك ميلانشون، والنصف الآخر موزّع على باقي الأحزاب والقوى السياسية.
إذا شهدنا ثلاثية "المطالب والسياسة والعنف" في أي تحرّك احتجاجي فهذا يعني أنّ القضية لم تعد فقط مطلبية أو فئوية
أمّا حزب اليمين المتطرّف (التجمع الوطني) فقد اعتبر ما جرى فرصةً لتحميل ماكرون وحزبه وخطّه السياسي مسؤولية ما جرى ووصفه بالعاجز، بالتساوي مع أقصى اليسار الذي حمّله مسؤولية العنف. واعتبرت مارين لوبن زعيمة الحزب ما جرى فرصةً لكي تركّز هجومها على التيارَيْن اللذَيْن سيواجهانها في انتخابات الرئاسة أي يمين الوسط الحاكم وأقصى اليسار المعارض.
والحقيقة أنّ معظم النقاش السياسي الذي جرى في فرنسا عقب حوادث العنف غير المسبوقة التي شهدتها البلاد تركّز على إدانة العنف (وهو بديهي) ثم الجدل حول مَن المسؤول عنه، ونسيت أو تناست غالبيّة الطبقة السياسية ومعها الإعلام مناقشة المشكلات التي يواجهها طلاب المدارس العامة وسبل حلّها. وحتّى كلمة الرئيس ماكرون ركّزت على التهديد بمحاسبة مرتكبي عمليات النهب والتخريب من دون أن يقدّم خطة عمل لحلّ مشاكل الطلاب، إنّما كلام عام ومنمّق وتشكيل خلية أزمة للتعامل مع مطالبهم على طريقة لجان التحقيق في العالم العربي.
يقينًا إذا شهدنا ثلاثية "المطالب والسياسة والعنف" في أي تحرّك احتجاجي، فإنّ هذا يعني أنّ القضية لم تعد فقط مطلبيةً أو فئويةً هدفها رفع الأجور أو تحسين ظروف العمل، والتي عادةً ما تكون نتائجها فورية، بأن يقبل المسؤولون مطالب المحتجّين أو يرفضونها، إلّا أنّ هذا النوع من "الاحتجاجات المركّبة" يحمل مطالب سياسيةً أحيانًا كبرى سواء تغيير النظام القائم أو وضع قواعد اقتصادية وسياسية مختلفة جذريًا عن التصوّر الحاكم أو المهيمن. كما أنّ هناك احتجاجات تدافع عن القيم الإنسانية والمبادئ القانونية العليا كما هو الحال بالنسبة لاحتجاجات الملايين ضد الجرائم التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية بحقّ الفلسطينيين.
احتجاجات فرنسا ستؤثر في معادلات الحكم والسياسة
ومن هنا فإنّ الاحتجاجات الكبرى أو المركّبة نادرًا ما تُحقّق أهدافها "بضربة واحدة" أو بشكل فوري، خاصّةً لو جرت في دولة قانون وديموقراطية مثل فرنسا، إلّا أنّها تمثّل جرس إنذار للجميع: للطبقة السياسية التي لم تعِ الدرس، وللمنظومة الحاكمة التي استجابت جزئيًا لمطالب الطلاب "الفئوية" بزيادة أعداد المدرّسين، حيث اكتشفت فجأة أنّها يمكن أن تعيّن فورًا 3 آلاف معلّم للتدريس في المدارس الثانوية، وهي التي ماطلت لسنوات في تنفيذ هذا القرار حتّى جاءت احتجاجات الطلاب وعجّلت به.
ستؤثر احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول التي شهدتها فرنسا في معادلات الحكم والسياسة بما فيها انتخابات الرئاسة المقبلة، حتى لو كانت الاستجابة للمحتجّين اقتصرت فقط حاليًا على بعض الجوانب المطلبية.
(خاص عروبة 22)

