عن السلام العالمي

يحتفل العالم في الأول من يناير من كل عام بيوم السلام العالمي، وفي هذه الأوقات يتساءل المرء "هل بات على البشرية أن تؤمن أكثر وأكثر بأن الاعتزاز بثقافة السلام ورفض فكر الهيمنة والسيطرة المرتكزة على القوة العسكرية المسلحة وكذا الحرب والعدوان، هو الدرب المؤدي إلى حياة أكثر أنسنة كما يقول الفلاسفة؟".

الجواب عن علامة الاستفهام المتقدمة يقتضي الكثير من التفكيك والتحليل المرتبطين بحال العالم في الآونة الأخيرة، والخبرات المطروحة أمام البشرية، عطفًا على الرجوع إلى الوراء عبر القرنين المنصرمين، للتأكد من أن السلام هو من قام بقطع الطريق على الحروب، وغيّر شكل الحياة في الأماكن الملتهبة، وأطفأ نيران الخصومات المشتعلة عبر قرون بين بني البشر.

تبدو البشرية اليوم بملياراتها الذين تجاوزوا السبعة أمام خيار حتمي بين إدراك السلام الكامل والشامل، لاسيما بعد أن اختبرت أهوال الحرب ورعبها، وعاشت ألم العوز وضيقه، والهلع ومراراته، جراء تشبثها بأنماط الرغبة في الانتقام، والثأر للماضي، وكل الأشكال التي تقادمت بفعل الزمن، وبين الوصول إلى عالم أكثر أريحية، طريق السلام فيه معبّد بالنوايا الحسنة، وذلك بفعل الإرادة المنبثقة عن التلاقي والتشاور، والحوار والجوار، والتخلص من إرث الهاوية السحيق أي الحرب.

تبدو الإنسانية اليوم عند منعطف كبير وخطير يتعلق مصيرها به، فالمعضلات والتحديات لم تعد تواجه دولة بذاتها، أو إقليمًا بعينه، بل تجابه الأمم المختلفة، وتخيّم على سماوات الكرة الأرضية كلها. لهذا يبقى التحدي الشغل الشاغل للبشرية، وعند هذا المنعطف يصبح الإخفاق في القضاء على موجات الصراعات وتسونامي الحروب والاضطراب مخالفًا لكل ما يمليه الضمير الإنساني الصالح، وتقصيرًا في تحمل المسؤوليات.

ولعلّه من نافلة القول أن هناك في واقع الحال مفهومين لعملية بناء السلام في حاضرات أيامنا، الأول هو السلام الذي يتوقف حده ومده عند مسألة تعزيز عدم انطلاق حروب بين أطراف دأبت على القتال لسبب أو لآخر، وغالبًا ما كانت مسألة الحدود في القرون السابقة وحتى القرن العشرين هي الذريعة الأساسية لانطلاقها، على العكس من أوقاتنا الآنية، إذ ربما تقود الثروات الطبيعية والخيرات الأرضية في البر والبحر، ولاحقًا في الفضاء، ومسألة اقتسامها، إلى اشتعال تلك الحروب، وهذا يطلق عليه "السلام السلبي"، أي الذي يكتفي بإطفاء حرائق الاشتباكات ومن غير مقدرة حقيقية أو إيجابية على مراكمة طبقات من السلام الآخر.

أما الآخر فهو السلام الإيجابي، والذي يعرف في أحيان أخرى من خلال مفهوم السلام التقدمي، ذاك الكفيل بتغيير شكل العالم المعاصر، وبتجاوز أنماط الصراعات المتأصلة، والقفز على العداوات التاريخية التي رسخت في العقول والقلوب لعقود وآجال طوال، وجعله عالمًا يسوده التعاون ويعمه الانسجام، عالم بناء الجسور وهدم الجدران.

يقتضي السلام العادل والشامل الوعي الراسخ بوحدة النوع البشري، تلك الوحدة التي تؤكدها العلوم الإنسانية كافة، بدءًا من علم الإنسان، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم النفس، كلها تعترف بانتماء الإنسان إلى أصل واحد، رغم المظاهر الثانوية المتعددة.

هنا ليس شرطًا أن تكون مبادرات السلام بين دول عرفت حروبًا أو تصارعت على حدود بينها وبين آخرين، ذلك أن مفهوم السلام الإيجابي يدعو للتخلي عن التعصبات بكل أنواعها، عرقية كانت أم طبقية، دينية أم وطنية، متصلة باللون أو الجنس، أو مستوى الرقي المادي، بمعنى آخر كل ما قد يوحي إلى فئة من البشر بأنها أفضل شأنًا أو أسمى مرتبة من سواها.

باختصار غير مخل يبقى السلام ممثلًا لمعارج الأمل والفضيلة، فيما الحروب والكراهيات، الطريق الهابط إلى جب الانتحار، وعلى العالم الاختيار في الحال والاستقبال.

(البلاد البحرينية)

يتم التصفح الآن