في مراحل أسبق من الصراع بين إسرائيل والشعب الفلسطيني كان تدهور الأوضاع إن بعنف متبادل بين الطرفين أو بانهيار في الخدمات الأساسية المقدمة لأهل الضفة الغربية والقدس وغزة على وقع الاحتلال والاستيطان والحصار يدفع القوى الإقليمية والقوى الكبرى إلى الاشتباك الإيجابي إن للتوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار وهدن مختلفة الآجال أو لتقديم المساعدات للحيلولة دون الغياب الكامل للأمن الإنساني ولإطلاق جهود إعادة الإعمار والبناء.
أما قبل نشوب حرب غزة في أكتوبر 2023، وباستثناء جهود مصرية وأردنية متكررة شددت على مركزية القضية الفلسطينية وضرورة إحياء مسارات التفاوض والتسوية السلمية بين إسرائيل والجانب الفلسطيني وصولا إلى تطبيق حل الدولتين وذكّرت الإقليم والعالم بمبدأ الأرض مقابل السلام، فتوالى الانصراف إلى رؤى واهتمامات أخرى راوحت بين تطبيع "الاتفاقات الإبراهيمية" التى شملت إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، وبين الاكتفاء بالإدانة الرمزية لاستمرار الاحتلال والاستيطان والحصار وللعنف المتبادل وتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني عبر وكالات الأمم المتحدة المتخصصة والمنظمات غير الحكومية.
أما فيما وراء القضية الفلسطينية وصراع وقائع الاحتلال والاستيطان والحصار وغياب الأمن بين إسرائيل والجانب الفلسطيني، كان الشرق الأوسط قبل نشوب حرب غزة يعاني من صراعات مسلحة ونزاعات أهلية في عديد الساحات الأخرى وكانت تلك الصراعات والنزاعات تورط أيضا عديد القوى الإقليمية والدولية في تفاصيلها.
في سوريا التي لم يتوقف بها العنف منذ 2011، في لبنان الذي تفكك نظامه السياسي بينما "حزب الله" يوظف سلاحه لاختطاف القرار الخارجي لبلد متنوع المذاهب وللدفاع عن مصالح الحليف الإيراني وحلفاء إيران في سوريا والعراق وفي اليمن، في العراق الذي تنازع به الميليشيات الشيعية الحكومة الشرعية في استخدام القوة لأهداف داخلية وخارجية أيضا بالتنسيق مع الحليف الإيراني، في اليمن الذي لم تتراجع حدة حربه الأهلية وتهديداته للسلم الإقليمي والعالمي سوى بعد الوساطة الصينية بين السعودية وإيران دون أن يعني ذلك عودة الاستقرار السياسي أو شيء من التحسن في الأوضاع الإنسانية والمجتمعية.
في السودان الذي انفجرت حربه الأهلية بسبب ثنائية الجيش النظامي والميليشيات المسلحة والعجز عن بناء نظام سياسي جديد قادر على مواجهة مطالب الأمن الإنساني والمطالب التنموية المتراكمة، في ليبيا حيث تواصلت الصراعات المسلحة والنزاعات الأهلية التي تهدر استقرار بلد غني بموارده وتفرض عليه كوارث لم يعهدها من قبل.
في كافة هذه الساحات، وعلى الرغم من عدم ابتعاد القوى الإقليمية والقوى الدولية عن التدخل بأدوات عسكرية وغير عسكرية متنوعة، لم تتوقف الصراعات والنزاعات المشتعلة وتصاعدت تدريجيا تداعياتها على الأمن الإقليمي والعالمي قبل أكتوبر 2023 كما تزايدت ضغوطها على الموارد المتاحة للسياسات الخارجية لعواصم كالقاهرة والرياض وطهران ودفعت عواصم كبرى كواشنطن وبكين إلى التسليم بالاحتمالية المرتفعة لاستمرار غياب الاستقرار عن الشرق الأوسط.
في هذه الأجواء، نشبت "حرب غزة" وامتدت تدريجياً إلى ساحات أخرى كانت مشتعلة بالفعل وصنعت منها مشهدا لحرب استنزاف إقليمية شاملة. وفي هذه الأجواء أيضا، اتضح عجز القوى النافذة في الشرق الأوسط عن وضع حد للحروب والصراعات والنزاعات المشتعلة واتضح أيضا خليط العجز والرغبة المحدودة من قبل القوى الدولية للاشتباك الإيجابي لإطفاء الحرائق.
فعلى خلاف الحروب السابقة، تتسم حرب الاستنزاف الدائرة اليوم في الشرق الأوسط من جهة بطول أمدها ومن جهة أخرى بالعجز الدولي عن إنهائها بتوظيف الأدوات الدبلوماسية المتمثلة في الوساطة والتفاوض واستصدار القرارات الأممية القاضية إن بوقف لإطلاق النار أو بفض اشتباك القوات أو بترتيبات لهدن مختلفة الآجال أو بمعاهدات سلام.
حرب إسرائيل في غزة والحرب بينها وبين "حزب الله"، وبجانب كلفتها الإنسانية الباهظة والدمار الشامل الذي أسفرت عنه في القطاع وفي المناطق ذات الأغلبية الشيعية في لبنان، قضت على الشق الأكبر من القدرات العسكرية لـ"حماس" والفصائل الفلسطينية المتحالفة معها وعلى جزء مؤثر من قدرات "حزب الله" الصاروخية وسلاحه المتراكم بفعل عقود من الدعم الإيراني.
أدت الحرب في غزة ولبنان أيضا إلى تصفية الصفوف القيادية الأولى لـ"حماس" و"حزب الله" وأضعفت إمكانياتهما التنظيمية والسياسية على نحو حتما سيغير من وضعيتهما ودورهما فيما خص قضايا الحكم والإدارة في الأراضى الفلسطينية ولبنان. كذلك قربت الحرب بين حكومة إسرائيل المكونة من اليمين المتطرف والديني وبين تنفيذ سيناريوهات فرض مناطق عازلة في شمال غزة وفي جنوب لبنان وتهجير السكان منها، والتهديد الممنهج بتهجير واسع النطاق في القطاع وبعمليات عسكرية وأمنية متكررة فيه وفي لبنان، والضغط المستمر في الضفة الغربية والقدس الشرقية بخليط الاحتلال والاستيطان والأبارتيد المعهود بغية خنق الحق الفلسطيني وإسكات الأصوات الإقليمية والعالمية المتضامنة معه.
فى سياقات الحرب في غزة ولبنان والإضعاف الشديد الذي طال "حماس" و"حزب الله" من جرائها ومع تحولها إلى حرب استنزاف إقليمية، وجهت إسرائيل ضربات قاسية لإيران مباشرة ولحلفائها في سوريا والعراق واليمن إن كفعل هجومي أو كرد فعل على هجمات المعسكر الإيراني لترتب، من بين عوامل أخرى، سقوط نظام بشار الأسد وتراجعا ليس بالمحدود في القدرات العسكرية والإمكانيات الاستراتيجية والسياسية لذلك المعسكر الذي تمدد نفوذه بوضوح قبل 2023.
بل إن إسرائيل تحقق لها بسقوط نظام الأسد فى خواتيم 2024 مغنما كبيرا تمثل في انكماش دراماتيكي في خرائط النفوذ الإيراني التي اختفت منها سوريا، وغلقت عليها الطرق التي كانت تمر عبر الأراضى السورية لتقديم الدعم العسكري والمالي للحليف الأهم "حزب الله" اللبناني الذي حتما لن يعود كما كان قبل أكتوبر 2023، وانحسرت ساحاتها على الأقل مؤقتا في أدوار الميليشيات الشيعية في العراق وفي أفعال الحوثيين في اليمن.
هذه هي العناوين العريضة للمكاسب الاستراتيجية التى حصلت عليها إسرائيل من حرب الاستنزاف الجديدة في الشرق الأوسط، مكاسب يتجاهل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في معرض الاحتفاء بها كون ثمنها هو آلاف الضحايا من المدنيين والمدنيات الذين سقطوا في غزة ولبنان ومواقع أخرى ودمار إقليمي واسع، وتدهور حاد في العلاقة بين بلاده وبين الدولتين العربيتين اللتين وقعتا على معاهدات سلام معها، مصر والأردن.
على الرغم من ذلك كله، ومما يبدو في المجمل صعود إسرائيل لوضعية الهيمنة الإقليمية مع تراجع المعسكر الإيراني والاكتفاء التركي بالتركيز على الملف السوري والحيرة الاستراتيجية التي يعاني منها العرب، فإن بنيامين نتنياهو لم ينتصر بعد في حرب الاستنزاف الجديدة لأنه أصبح أسيرا لها ولاستمرارها وصار مفتقدا للقدرة على إيقافها مع الحفاظ على المكاسب المرحلية التى حققها، وفي مقدمتها شل قدرة "حماس" و"حزب الله" على شن هجمات على بلاده وفرض التراجع على إيران والانكماش على خرائط نفوذها وإظهار محدودية قدرات الفعل والردع التي تتمتع بها الجمهورية الإسلامية.
وإيران كهذه، ومهما كانت قسوة تداعيات انهيارات "حماس" و"حزب الله" وسقوط نظام بشار الأسد ليست معنا، بل ما معنا هو محاولات مستميتة لمد خطوط دعم الحلفاء مجددا في الجوار المباشر لإسرائيل ولتقوية الميليشيات في العراق واليمن. أما المعسكر الإيراني، "محور المقاومة" كما اصطلح على تسميته من قبل أطرافه ومؤيديه، خسر تسليحا وتنظيما من جراء الضربات الإسرائيلية ضد "حماس" و"حزب الله" والميليشيات الأخرى وخسر عتادا ثقيلا وأبنية تحتية وطرقا لمرور الدعم لحلفائه من جراء سقوط نظام بشار الأسد وما أعقبه من ضربات إسرائيلية متكررة ضد الجيش السوري.
خسرت إيران أيضا، في مواجهتها العسكرية المباشرة مع إسرائيل، استعراض القوة في الشرق الأوسط الذي حسمته تل أبيب لصالحها تاركة لطهران ضياع الهيبة الإقليمية والتحسر على قدرات الردع التي استبانت محدوديتها. وفيما خص خرائط النفوذ في منطقتنا، وأخذا فى الاعتبار التراجع السياسي لـ"حماس" و"حزب الله" وفرار الأسد، انكمشت ساحات إيران بعد سابق اتساعها ولتصبح في معية البحث عن موطئ قدم في فلسطين، وعن إعادة بناء قوة "حزب الله" في لبنان، وعن مداخل للتأثير على الأوضاع السورية بعد تقلباتها الدراماتيكية، وعن تعويل وحيد على القدرات العسكرية للميليشيات العراقية وللحوثيين في اليمن لمناوئة إسرائيل وكخط دفاع متقدم ضدها وضد الولايات المتحدة، وذلك تعويل خطير في تداعياته على البلدين العربيين وحتما سيستدعى المزيد من الضربات الإسرائيلية والأمريكية.
بل إن الحصاد الإيجابي لسياسات التهدئة الإيرانية بين 2020 و2023، والذي تمثل في فتح باب عودة العلاقات الدبلوماسية مع السعودية وتنشيط التبادل التجاري مع الإمارات ومساحات للحوار مع مصر والأردن، تراجعت فوائده في ظل عنف حرب الاستنزاف الجديدة التي حصرت إيران في معسكرها، محور المقاومة، ثم فرضت عليها وعليه تراجعات متتالية. بل إن قمة هرم القيادة في الجمهورية الإسلامية، المرشد الأعلى علي خامنئي، اعترف بالتداعيات الصعبة للتراجعات هذه وإن جادل بكونها نتائج مؤامرات إسرائيلية-أمريكية مشتركة ستقاومها بلاده وسيقاومها المقاومون الآخرون في عموم الشرق الأوسط.
على الرغم من ذلك، يظل مبالغا به افتراض أن الجمهورية الإسلامية في سبيلها إلى الخروج الكامل من المشرق العربى بعد فقدان الحليف السوري وضعف الحليف اللبناني والفلسطيني ومع توقع تواصل الضربات الإسرائيلية ضد الميليشيات العراقية واليمنية. الأرجح هو أن إيران لن تستسلم بسهولة، وستوظف أدواتها العسكرية والمالية والتنظيمية لاستعادة تماسك حلفائها في فلسطين ولبنان وتقوية ساعدهم في العراق واليمن والانتظار قليلا إلى حين اتضاح حقائق وعلاقات القوة في سوريا.
(الشروق المصرية)