فاجأ رئيس الحكومة الفرنسية فرانسوا بايرو المجتمع السياسي الفرنسي يوم 25 آب/أغسطس عندما أعلن في مؤتمر صحافي اعتزامه الطلب من الجمعية الوطنية التصويت على الثقة بمشروعه للموازنة. كان قبل ذلك بأربعة أيام قد التقى الرئيس إيمانويل ماكرون في مقر إجازته الصيفية Fort Brégançon ليقنعه بعقد جلسة استثنائية للبرلمان في 8 أيلول/سبتمبر لطلب التصويت على الثقة بحكومته وبمشروع الموازنة الذي وضعه للخروج من أزمة مالية خطيرة في فرنسا.
قبل مفاجأة بايرو كان ماكرون قد فاجأ الجميع في 9 حزيران/يونيو 2024 بقرار حل الجمعية الوطنية وتنظيم انتخابات تشريعية خسرها ولم تنتج منها أغلبية لأي حزب، سوى أن تحالف اليسار الموقت حاز أكبر عدد من المقاعد النيابية. أوساط بايرو تقول إنه أراد المخاطرة لأنه لا يريد الانتحار والبقاء في أوضاع معطلة من دون أن يحصل على قبول موازنة وضعها لمعالجة الدين الفرنسي، خصوصاً أن كل النقابات أعلنت التعطيل والإضراب العام في 10 أيلول في كل قطاعات البلد. وركز بايرو على الأزمة المالية التي تعانيها فرنسا وقدم مشروع موازنة لتوفير 44 مليار يورو، ولفت إلى الوضع السيئ لمالية البلد وتهديد المديونية الباهظة وخطر عبئها، حتى أن وزير المال أريك لومبار لوّح بإمكان تدخل صندوق النقد الدولي إذا سقطت الحكومة. لكن مصادر مالية استبعدت ذلك لأن بإمكان البنك المركزي الأوروبي التدخل لتهدئة الوضع.
وفيما تتوقع الأوساط الاقتصادية الفرنسية تأثيراً سلبياً على استثمارات الشركات وعلى النمو، حذر بايرو واصفاً البلد بأنه في خطر "وعلى وشك فرط الاستدانة، وبأنه منذ 20 سنة زادت الديون 12 مليون يورو إضافية كل ساعة". وبطلبه الثقة من البرلمان يريد تنفيذ خطته الاقتصادية لإعادة ضبط المديونية من الآن حتى 2029 عبر تقليص المصاريف وزيادة الإنتاج. لكن المرجح أن يفشل في تجديد الثقة ويستقيل لأن اليمين المتطرف وزعيمته مارين لوبن لن يعطياه الثقة، وهذا ما أكده جوردان بارديلا رئيس حزبها "التجمع الوطني"، كما أعلن الأمين العام للحزب الاشتراكي أوليفييه فور أن لا أحد من اليسار سيصوّت بالثقة، كذلك اليسار المتطرف الذي يتزعمه جان لوك ميلانشون، وهو ليس نائباً.
السيناريو المتوقع هو أن يبحث ماكرون عن رئيس حكومة جديد، إما من اليمين المعتدل، حزب الجمهوريين، مثل وزير العدل جيرار دارمانان أو وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو أو وزيرة العمل كاترين لوتبين. لكن أي رئيس حكومة جديد سيقع في مشكلة بايرو نفسها وقبله مشكلة ميشال بارنيه، ولن يحصل على الثقة. والخيار البديل لماكرون هو حل المجلس مجدداً، وهو غير محبذ لذلك لأنه قد يتكبد المزيد من الخسارة لحزبه، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى تدهور شعبيته، وإذا لجأ إلى حل المجلس وتكبد خسارة أكبر فسيضطر إلى الاستقالة، وهو احتمال سبق أن رفضه وأكد أنه سيبقى إلى نهاية عهده الثاني في 2027. وتجدر الإشارة إلى أنه ليس من مصلحة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن أن يستقيل الآن وأن يتم تنظيم انتخابات رئاسية حالياً، لأنها تحت حكم قضائي يمنعها من المشاركة في الانتخابات حتى عام 2029.
وهكذا فماكرون في مأزق سياسي حقيقي وأمامه خياران: إما تعيين رئيس حكومة آخر يتمكن من الحصول على موافقة بعض الأحزاب، وهذا مستبعد لأن معظمهم يريد إفشاله، وإما أن يحل الجمعية الوطنية، ما يؤدي إلى تعطيله كلياً نظراً إلى تراجع شعبيته.
لا شك في أن إدارة السياسة في فرنسا منذ عهود هي من المهمات البالغة الصعوبة. الشعب الفرنسي يريد الحفاظ على كل التأمينات الاجتماعية والصحية من دون أي تضحية، فأحزاب اليسار واليمين المتطرف تطالب بتخفيض سن التقاعد التي حددها ماكرون بـ 64 عاماً إلى 60 أو 62 عاماً، وهذا مكلف جداً على مالية البلد، لا سيما أن المديونية في عهد ماكرون ازدادت كثيراً في سنوات الكوفيد. ثم إن من الصعب جداً إدخال الإصلاحات مع نفوذ نقابات يسارية متطلبة تريد الحفاظ على المكتسبات رغم المالية المتدهورة.
تراجع شعبية ماكرون ليس مختلفاً عن تراجع شعبية أسلافه خلال رئاساتهم. فالجنرال شارل ديغول غادر الحكم مخذولاً من شعبه وهو الآن أيقونة فرنسا، والرئيس الراحل فرانسوا ميتران بقي مع حكومة تعايش من اليمين لمدة خمس سنوات، والرئيس الراحل جاك شيراك الذي غصت حديقة invalides بالمعزين به ليلاً ونهاراً بعدما كان الشعب الفرنسي ينتقد سياسته الداخلية، هو أيضاً أجبر على التعايش لمدة خمس سنوات مع اليسار الاشتراكي. وماكرون كمعظم الرؤساء في فرنسا عاجز عن الحفاظ على تأييد الشعب الفرنسي الذي يلومه، إما لأنه لا يسمع أو لأنه يعتقد أنه لامع ودائماً على حق فيما الشعب الفرنسي متطلب.
أوضاع القطاع الاقتصادي في فرنسا خطيرة، فالقطاع الصحي، مثلاً، متدهور كلياً، وليس هناك ما يكفي من أطباء في القرى الصغيرة، وأقسام الطوارئ في المستشفيات خارج المدن وحتى في العاصمة تعاني نقصاً في العاملين فيها لأنها تابعة للدولة. إن صعوبات ماكرون الداخلية قد تؤثر على عمله الديبلوماسي الدولي، خصوصاً إذا تفاقم التعطيل بالإضرابات على نمط ما حدث أيام تظاهرات السترات الصفر.
(النهار اللبنانية)