مرحلة جديدة في فكر أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على مختلف درجاتها وتنوع تخصصاتها، خاصة وأنها ظلت لسنوات طوال تتكتم عن إعلان نشاطها الاستخباراتي، وتحركاتها غير المشروعة في الشرق الأوسط. ويبدو أن بوادر هذه السياسة تكشفت في تصريحات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تجاه ما يجري في إيران، والتي تشير فيها إلى أن هذه الأجهزة تعمل إلى جوار خيارات الشعب الإيراني.
هذه الأجهزة ظلت لسنوات طوال تعمل في صمت وسكون دون إعلان، تاركةً سياسة الإعلان والتباهي لبعض الوقت بما كانت تقوم به من نشاط، الأمر الذي يتغير في الوقت الراهن، والتحرك في دوائر قائمة على العلانية بل والصراحة المباشرة في إطار كسر استراتيجية الصمت التي كانت تعمل بها، وتبني استراتيجية إعلامية جديدة.
الواضح أن هذا الأمر يتم في دوائر عدة، ويرتبط بما يجري داخل إسرائيل في الوقت الراهن، وخروجاً عن كل مستوى، سواء سياسياً أو استخباراتياً أو أمنياً، والتحرك لكسب أرضية جديدة في الساحة السياسية، أو في إطار ما يعرف بحرب تكسير العظام بين مؤسسات وقطاعات الدولة وخروج كل مستوى للحديث عن نفسه في إطار استراتيجية باتت تعلن عن نفسها، والسعي لتمجيد كل مستوى لذاته، حيث بات هذا التوجه واضحاً في الآونة الأخيرة، وبصورة مبالغ فيها، وتُرجِم في قيام "الموساد" بإنتاج سلسلة أفلام ومسلسلات لتمجيد دوره الاستخباراتي، ومطلب قادة جهاز الأمن الداخلي "شاباك" بدور ومهام مختلفة عما هو قائم نظراً للدور الذي قام به في حرب غزة والضفة، بل وبعد أن دخلت إسرائيل في دوائر المواجهة مع دول جوارها.
وعلى هذا النحو، بات الأمر يتطلب في إسرائيل بالفعل إعادة ترتيب الأولويات والمهام، بل وتحديد فلسفة العمل داخل أجهزة الاستخبارات، وفي مجمع الاستخبارات الذي يضم الأجهزة بالكامل، ويعرف باسم "موساد لي"، ومع وجود قادة كبار داخل هذه الأجهزة، لم يَرُق لهم النهج الجديد، ومحاولة تغيير فلسفة العمل.
"الموساد" تحديداً سوف يتولى مهامه في يونيو المقبل رئيس جديد هو الجنرال رومان جوفمان، والذي ما زال يعمل سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وأحد كبار رجاله في المؤسسة العسكرية. وما زال موضوع ترشيحه لم يحسم بعد أن اعترضت لجنة التعيينات على توليه لاتهامه بقضية تجنيد سابقة، ورغم أن شهادات بعض القادة الأمنيين جاءت لصالحه، إلا أنها لم تقر التعيين نهائياً حتى الآن، وهذا نموذج لما يجري داخل أروقة أجهزة الاستخبارات.
وكذلك فإن "شاباك" يطالب رسمياً بإعادة ترتيب بعض المهام المقبلة في غزة وجنوب لبنان، وهي أمور كانت خارج اختصاصه، وتصب في إطار مهام شعبة الاستخبارات الخارجية «أمان»، الأمر الذي يؤكد أن فلسفة التغيير الكامل واردة، خاصة أن نتنياهو لا يريد الاصطدام بأي طرف، بل يعمل على إحداث مواءمة بين كل القادة الاستخباراتيين، والذين باتوا نجوماً في وسائل الإعلام و"الميديا"، وسيؤدي إلى مزيد من الإشكاليات في ظل ما يجري، ويتم طرحه بضرورة عودة هؤلاء القادة إلى العمل الأمني والاستخباراتي السري، وإعادة الأمور لنصابها مجدداً، وهو أمر لم يعد يروق لهم أو يتماشى مع ما يجري في الوقت الراهن من فلسفة التغيير التي تتم بصورة تدريجية، وتسعي لإيجاد دور معلن وواضح أمام الجمهور الإسرائيلي، الأمر الذي سيفرض واقعاً سياسياً جديداً ومختلفاً في ظل ما يجري من تحولات حقيقية تمس الأمن القومي الإسرائيلي في محدداته الرئيسة.
في هذا السياق من التطورات الجارية داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فإن التوقع بتأثيرات جديدة ومتغيرة محتمل وقائم، خاصة أن الإعلان الرسمي بحدوث تدخلات داخل دول الشرق الأوسط سيمثل تحدياً لكل القواعد الناظمة لعلاقات الدول، ويخرج النشاط الاستخباراتي الهدام إلى العلن، وبصورة فجة ومباشرة، ما قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار بل والذهاب إلى خيارات أخرى في المواجهات الإسرائيلية العربية، ويسمح بمزيد من المواجهات التي تسعى إليها أجهزة الاستخبارات والتي تريد أن تؤكد جدارتها وخبراتها ومهاراتها في التعامل إثباتاً لقدرة إسرائيل على تجاوز ما جرى، وأن إسرائيل الاستخباراتية قادرة على الردع والمواجهة واتباع أساليب غير نمطية في التعامل والتحرك.
إسرائيل تسعى إلى الظهور كدولة قوية بالفعل من خلال قدرتها على الردع الاستباقي، بل وتحريض أقليات الدول العربية على التمرد، وإعلان الخروج عن الواقع الراهن، وهو ما جرى بالاعتراف بأرض الصومال، وكذلك في إطار تحركها في الحالة السورية والعراقية (الدروز- كردستان العراق – جنوب السودان، وحالات أخرى) سيتم تحريكها كما هو متوقع في الفترة المقبلة.
إسرائيل تتغير وتعلن عن وجه الصهيونية الجديد في إطار مشروعها الجديد في الشرق الأوسط بالخروج من الثوابت إلى المغيرات التي ستعمل عليها في بناء مشروع صهيوني جديد، تحدد معالمه المؤسسة العسكرية، وكبار الحاخامات، إضافة لإقرار نظرية أمن قومي جديدة يسعى لصياغتها جنرالات الدولة الذين يدعون بصورة معلنة إلى إعادة منهج القوة في التعامل كأساس لبقاء الدولة وتماسك أركانها، مع إفساح المجال لمراكز القوة، وعلى رأسها أجهزة الاستخبارات، والإعلان عن إنجازاتها لرفع روح ومعنويات الجمهور الإسرائيلي، وتأكيد تجاوز إسرائيل إخفاقاتها السابقة.
(الاتحاد الإماراتية)

