صحافة

أمريكا تقف من أزمة الاقتصاد إلى الحرب

مصطفى السعيد

المشاركة
أمريكا تقف من أزمة الاقتصاد إلى الحرب

أوروبا في حالة صدمة وهلع بعد إعلان إدارة ترامب أنها عازمة على "الاستحواذ" على جزيرة غرينلاند الدنماركية، بدعوى أنها ضرورية لأمنها القومي. ماذا ستفعل أوروبا أمام القوة العسكرية الأمريكية التي كانت تعيش تحت حمايتها، وإذا بها تنتزع أراضي أحد حلفاء الناتو؟ كلمات قادة أوروبا محبوسة في الحناجر، حالة من الذهول بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأنهم يفضلون شراء الجزيرة عن الخيار العسكري. والشراء هنا بالإكراه، لهذا جاء الرفض بكلمات ليملؤها المرارة والعجز والذهول. هل يمكن لأوروبا أن ترفع السلاح في وجه أمريكا؟.

كلمات قليلة عبرت عن التحدي، لكن بصوت خافت ومرتعش، فأوروبا المنخرطة في الحرب الأوكرانية لم تكن قد استوعبت أن أمريكا تركتها وحدها في مواجهة روسيا، لتجد نفسها بين الجيش الروسي في الشرق والجيش الأمريكي في الغرب، مع اقتصاد متهاو، وديون ثقيلة، وتراجع صناعي، بما فيها ألمانيا التي كسرت قيد سقف الاستدانة، لتحاول إعادة بناء جيش، وهذا يستغرق سنوات طويلة، وأعباء إضافية يصعب تحملها في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وحرب مشتعلة تحرق الأموال والأرواح، وكانت تعتقد أن روسيا لن تصمد طويلا أمام العقوبات الشاملة وقوات الناتو، فكان الرهان خاسرا، ولم يعد يفيد فيه الندم على رفضها اتفاقيتي مينسك واسطنبول لإنهاء الحرب مع روسيا بشروط أفضل بكثير مما ستقبل بها.

المشهد الأمريكي أكثر تعقيدا وإثارة.. إدارة ترامب اختارت الحرب، وأصدرت الخارجية الأمريكية إعلانا "رسميا" بأن نصف الكرة الغربي تحت النفوذ الأمريكي. الإعلان غريب في عباراته وغامض في مضمونه، ماذا يعني أن نصف الأرض تحت النفوذ الأمريكي، وأين حدود هذا النصف، وعلى أي قانون أو حتى عرف يستند إليه؟ ترامب قال إنه يستند إلى مبدأ مونرو، الصادر عام 1823، لكن قرار مونرو كان يتعلق بمنع احتلال دول أوروبا لأمريكا الجنوبية، وهو قرار لا يلزم أي دولة، وليس له سند قانوني أو اعتراف دولي.

لكن الرئيس ترامب لا يلقى أي أهمية لا بالقوانين الدولية، ولا المؤسسات الأمريكية، واتخذ قرار اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو دون موافقة الكونجرس، بل قال إنه لو أخطر الكونجرس لتسرب خبر الهجوم، أي أنه لا يثق في نوابه.. في الداخل الأمريكي يواجه ترامب أكثر من معضلة، أخطرها مؤشرات انهيار القطاع المالي، الذي يشكل عصب الاقتصاد الأمريكي، والمهدد بانفجار ثلاث فقاعات هي الديون الهائلة، وقطاع التكنولوجيا الذي تحلق أسهمه دون أعمدة ارتكاز، وقطاع العقارات المهدد بانهيارات متجددة، بالإضافة إلى تدهور قيمة الدولار، بما يهدد بموجة انعدام ثقة تهوي بالدولار إلى الحضيض. يضاف إليها استحقاق سداد فوائد وأقساط ديون بقيمة 11 تريليون دولار هذا العام، فمن أين تأتي بها؟.

السندات الأمريكية فقدت الثقة، والصين تبيع ما بحوزتها تدريجيا، وكذلك شركاتها وبنوكها. أما اليابان الحليفة فتمر بأزمة مديونية أعنف، ولن يكون بمقدورها تقديم العون. هذه الحالة الأخطر للاقتصاد الأمريكي منذ الكساد الكبير، وربما رأى الرئيس ترامب أن طرق العلاج مسدودة، فاختار الحرب، ومحاولة "الاستحواذ" على فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، ووسع ترامب جعبته لتشمل كولومبيا وكوبا ونيكاراجوا، بل ذهب إلى إحياء مبدأ مونرو، وقال إنه يصلح حاليا أكثر من أي وقت مضى، بل ذهب بعيدا ليعلن أن نصف الكرة الغربي تحت نفوذه، دون توضيح لمعنى النفوذ وعلاقته بسيادة الدول المشمولة بهذا التصور.

هذا النهج الخيالي للإدارة الأمريكية يرتطم بصخور الواقع، فلا يمكن للجيش الأمريكي أن يدخل فنزويلا، ويضع نقاط ارتكاز وقواعد داخلها، وبها 8 آلاف جبل وغابات ومستنقعات وملايين المسلحين، فماذا ستكون الحال في نصف الكرة بأكمله؟ يقول ترامب إنه سيرفع ميزانيته العسكرية إلى تريليون ونصف التريليون، بزيادة تقترب من 60%، فهل تتحمل الميزانية الأمريكية عجزا إضافيا بهذا الحجم؟ يقول: ترامب: "لدينا عائدات هائلة من الرسوم الجمركية.. تكفي وتزيد".. هنا تقع أمريكا في حالة من الوهم، لا يمكن أن تتوافق مع الواقع، الذي سيكون قاسيا للغاية على إدارة ترامب، فلا فنزويلا يسهل ابتلاع نفطها، وبافتراض حدوثه فإنه يحتاج إلى سنوات طويلة ونفقات ضخمة، وإذا ما اتسعت الدائرة لتشمل حروبا في أنحاء القارة، وحربا أخرى مع إيران، ولها امتداداتها، وارتطاما محتملا مع التنين الصيني الخصم الأشد قوة.

إن إدارة ترامب تتصرف بشكل مغامر وغير مأمون العواقب، يمكن أن يؤدي إلى دوامة متشابكة من الأزمات والحروب ستنتهي بخسارة كل شيء، لأنها تتحدى المنطق وتتجاوز الواقع، وتحلق في خيالات الأماني، ولا يمكن للقوة العسكرية أن تحقق ولو جزءا منها، لهذا سيتهاوى "الحلم الأمريكي".

(الأهرام المصرية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن