صحافة

النظام الإيراني بين انتفاضة الداخل وتهديدات الخارج

زياد ماجد

المشاركة
النظام الإيراني بين انتفاضة الداخل وتهديدات الخارج

تشهد إيران منذ أسبوعين انتفاضة شعبية هي الأوسع في البلاد منذ انتفاضة العام 2022، التي كانت بدورها الأضخم والأكثر جذرية منذ مظاهرات الحركة الخضراء العام 2009. على أن الانتفاضة الحالية تختلف عن سابقاتها، إن في شعاراتها أو في القاعدة الاجتماعية التي تواليها، أو في جغرافيتها وما تعنيه قومياً، أو في شكل تعامل النظام المحاصر خارجياً معها.

ذلك أنه على العكس من انتفاضة العام 2009 التي انطلقت من رفض جيل إيراني جديد، أغلبه مدينيّ وجامعي، لتزوير انتخابات رئاسية ظنّ أن التغيير السياسي كان ممكناً من خلالها، وعلى العكس أيضاً من انتفاضة العام 2022 التي حملت شعارات نسوية وجمعت ما بين مطالب تتّصل بالحرّيات الفردية التي يحرص النظام على قمعها، ومطالب حقوقية عامة، لا سيّما في المناطق ذات الأغلبيات الكردية والأذريةوالبالوشية، فإن الانتفاضة الحالية انطلقت من دعوات البازار (أي طبقة التجار في الأسواق الإيرانية التاريخية) للإضراب احتجاجاً على التردّي الاقتصادي وانهيار القيمة الشرائية والعملة الوطنية، قبل أن تُطلق جموع طلابية ثم فئات شعبية ريفية تحرّكات سياسية كبرى في معظم أنحاء البلاد، ما عدا تلك التي عرفت الاحتجاجات الأوسع قبل ثلاث سنوات، حيث التظاهرات ما زالت محدودة حتى الآن، لأسباب سنذكرها لاحقاً.

ويُمكن القول استناداً إلى جغرافية الانتفاضة الحالية وخصائص المشاركين فيها، وبناء على ما يذكره باحثون إيرانيون، أن ثمة ثلاثة مستجدّات في ما يجري منذ أواخر العام 2025. الأول، أن البازار الذي لم يشارك بفعالية أو على الأقلّ لم يجاهر في دعم الحركة الخضراء العام 2009، والذي ظلّ متلكّئاً العام 2022 رغم سعة التظاهرات والإضرابات والقمع الذي تعرّضت له، هو من بادر في كانون الأول/ديسمبر الفائت إلى الدعوة للإضراب والاحتجاج. ودعوته هذه تفرض تلقائياً تجاوباً من روابط التجار، لا سيّما متوسّطي القوة الاقتصادية، في جميع المدن الإيرانية نظراً لحضور البازارت العريق والحيوي فيها.

والمعروف عن البازار ميله المحافظ وتركيزه على المسائل المعيشية. ودعواته الأخيرة للتحرّك تُقرأ بوصفها تصدّعاً في قاعدة اجتماعية ظلّ النظام الإيراني منذ نشأته ابتداءً من العام 1979 يراهن عليها أو على تحييدها عن أي مواجهة مع خصومه الداخليين. المستجدّ الثاني هو تحرّك أرياف إيرانية كانت بدورها محدودة التعبير عن معارضتها للنظام خلال الانتفاضات السابقة. وأسباب تحرّكها ترتبط بعامِلَين رئيسيّين: تدهور أحوال زراعتها وتراجع مداخيلها، واضطرار بعض المزارعين إلى الهجرة إلى مدن صغرى لم يجدوا فيها فرص عاملٍ، فازداد فقرهم. وشكّل الجفاف غير المسبوق الذي ضرب إيران عنصر مفاقمة للمشاكل في العديد من المناطق، مضافاً إلى سوء توزيع الموارد المائية الذي تسبّب دورياً بغضب ومظاهراتموضعية، في السنوات الأخيرة.

أما المستجدّ الثالث، فيرتبط بالشعارات المرفوعة، الجذرية كما سابقاتها في العداء للنظام ولسياساته الداخلية والخارجية (خاصة في ما خصّ إنفاقه على تسليح حلفائه في لبنان وفلسطين)، المُضيفة هذه المرة، ولَو على نحو محدود، شعارات ملكيّة، تطالب بعودة الشاهنشاهية وتُحيّي إبن الشاه المخلوع، رضا بهلوي، المُقيم في كاليفورنيا، والمُدّعي قيادة للمعارضة الإيرانية. والأرجح أن أمر قيادته المزعوم مبالغ كثيراً فيه. فبهلوي ليس محطّ تأييد واسع بين معارضي النظام بتياراتهم المعروفة، دينية إصلاحية كانت، أو دستورية ليبرالية، أو يسارية، أو غير مؤدلجة أو منتمية إلى تيار بحاله ومتحرّكة بموجب توق إلى الحريات المقموعة من النظام وأجهزته البوليسية والدعائية. كما أنه ليس محطّ تأييد بين الأقليّات القومية في إيران، ومجموعها يجعلها تتخطّى الـ40 في المئة من السكان (أذريّين وأكراداً وبالوشيّين وعرباً بخاصة)، التي ترى في بهلوي مشروع قمع وتسلّط، تماماً كما كان والده وجدّه إذ ابتنيا نموذجاً قومياً مستبدّاً يقطع مع التنوّع الامبراطوري الفارسي التعدّدي، الذي ظلّ قائماً حتى سقوط الدولة القجرية.

والرفض لما يمثّله بهلوي، معطوفاً على ذاكرة حيّة للقمع الشديد الذي تعرّضوا له خلال انتفاضة العام 2022 المنطلقة من المناطق الكردية إثر مقتل مهسا أميني عقب اعتقالها من قبل أجهزة النظام الأمنية (لاتّهامها بعدم ارتداء الحجاب على نحو "مناسب") ، يفسّر عدم الانخراط الواسع في مناطق "الأقلّيات" بالانتفاضة الراهنة، رغم الكراهية العميقة لنظام "الجمهورية الإسلامية" فيها. ويمكن القول حتى الآن إن النظام الإيراني يُحاذر السير في عمليات قمع دموي للانتفاضة لأسباب داخلية وخارجية. فداخلياً يخشى النظام من دفع القمع إلى تحرّكات أوسع وأكثر جذرية، وإلى انشقاقات داخل إجهزته الأمنية نفسها التي تراجعت مداخيلها كثيراً بسبب انهيار العملة، والتي يتحدّر كثر من المشتغلين فيها من المناطق الريفية التي تشهد لأول مرة احتجاجات بهذه السعة.

وخارجياً، يعلم النظام مدى عزلته ويتعرّض لتهديدات عسكرية مباشرة من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وتصريحات دونالد ترامب الأخيرة تضعه تحت ضغط إضافي. وطهران تفضّل في هذه المرحلة تفاوضاً مباشراً مع الأمريكيين من جهة، وتهدئة للأوضاع الداخلية من جهة ثانية، كي تؤجّل أي حرب إسرائيلية جديدة عليها، وكي تكسب وقتاً لتُطلق مبادرات إقتصادية خارجية وداخلية تكبح الانهيار المستمرّ في أحوالها. لكن ما ترغب به طهران قد لا يتحقّق. فترامب يريد إضعاف النظام أكثر فأكثر لفرض اتفاقات عليه يقول من بعدها إنها حقّقت أهداف واشنطن، فيُضيفها إلى لائحة ما يعدّه إنجازاته في السياسة الخارجية. وإسرائيل تدفع بإصرار لحرب تعتبرها في اللحظة الراهنة قاضية على النظام الإيراني، ومُفضية إلى تغييرٍ يأتي بحليفها رضا بهلوي إلى السلطة.

ومعظم المتظاهرين في إيران، المحتجّين على تدهور معيشتهم وقمع حرّياتهم وسوء إدارة شؤونهم وفساد حكّامهم المتظلّلين بولاية الفقيه، يسعون إلى الاستمرار بانتفاضتهم، المكمّلة لجملة انتفاضات سابقة، بمعزل عن عدم وجود قيادة لهم أو عن عدم اتفاقهم على بديل عن النظام القائم. كلّ هذا يُظهر تعقيد المشهد الإيراني، وتشابك عناصر الداخل والخارج في لحظة تحوّلات كبرى في المنطقة وفي منظومة العلاقات الدولية. ولن يكون مفاجئاً أن يقوم بعض خصوم إيران السابقين، وفي مقدّمهم السعودية وباكستان، بوساطات بين طهران وواشنطن، لتجنّب التصعيد الخارجي، خاصة أنهما، تماماً مثل قطر والكويت والعراق وتركيا، لا يُريدان دوراً إسرائيلياً أو حضوراً مستقبلياً لتل أبيب على حدودهم المباشرة…

(القدس العربي)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن