تعكس التطورات المتلاحقة في سوريا، وتحديدًا الاشتباكات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب بعد تمكن الجيش من إبعاد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منهما، رغبة وسعي حكومة دمشق إلى ترتيب بيتها الداخلي وحسم المعركة بهدف استعادة "هيبة" الدولة وقدرتها وضبط الأوضاع الداخلية والحدّ من المؤامرات الخارجية التي تُرسم في الغرف المغلقة. والمعركة مع "قسد"، وإن بدأت في حلب، إلا أن المخاوف تبقى من انتقالها إلى مناطق أخرى تحت سيطرة هذه القوات التي ما زالت تحتفظ بنصف محافظتي دير الزور والرقة، بينما تبقى سيطرتها على محافظة الحسكة شبه كاملة، أي على ما يوزاي 25% من مساحة البلاد. كما تطرح هذه المعركة العسكرية السؤال حول مصير اتفاقيتي 10 آذار/ مارس والأول من نيسان/ أبريل 2025 بعد المواجهات الأخيرة والتي أسهمت على ما يبدو في تقويض كل المحاولات السابقة للتوصل إلى اتفاق بين الجانبين.
وقد سعت إدارة الرئيس أحمد الشرع جاهدة إلى مدّ اليد وتعزيز لغة الحوار بهدف دمج قوات "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية المركزية ولكن بقي الخلاف سيد الموقف نتيجة لغياب عامل الثقة أولًا وثانيًا الاختلاف في وجهات النظر كما المصالح التي لم تلتقِ رغمًا عن الدفع الأميركي في هذا الاتجاه. ولطالما عُرفت "قسد" بأنها من حلفاء الولايات المتحدة بحكم سيطرتها على أغلب حقول النفط السورية ودورها في حرب "التحالف الدولي" ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن منذ سقوط نظام بشار الاسد وواشنطن تحاول منح الشرع فرصة من أجل ضبط الأوضاع، وقد كان ذلك بارزًا من خلال استقباله في البيت الأبيض بزيارة وصفت بـ"التاريخية" كما برفع عقوبات "قيصر" للحدّ من الضغوط الملقاة على عاتق دمشق بعد سنوات مريرة من الحرب الدامية. ولهذا تلعب الولايات المتحدة دورًا توافقيًا وتريد للطرفين أن يتوصلا لاتفاق ما وينخرط المبعوث الأميركي توم برّاك في دور الوساطة، حيث التقى خلال الساعات الماضية الرئيس السوري أحمد الشرع، مبديًا استعداد الخارجية الأميركية لتسهيل الحوار بين السلطات و"قسد".
في موازاة هذه المساعي الأميركية لحلحلة الأزمة المستعصية، أعلنت وزارة الدفاع السورية، أمس، وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود بحلب، بعد الاتفاق على ترحيل المقاتلين الأكراد منه في اتجاه الطبقة بمحافظة الرقة. فيما وصف وزير الإعلام حمزة المصطفى هذه العملية بأنها "احترافية". بدوره، قال القائد العام لـ"قسد" مظلوم عبدي إنه تم التوصل بوساطة من أطراف دولية إلى تفاهم يُفضي لوقف إطلاق النار وتأمين إخراج القتلى والجرحى والمدنيين العالقين والمقاتلين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال شرق سوريا. يأتي ذلك على وقع متابعة أنقرة مجريات الأمور، خاصة أنها تدفع نحو تطبيق الاتفاقيات المبرمة بين هذه القوات الكردية والدولة السورية انطلاقًا من مصالحها ومحاولتها الحفاظ على أمنها القومي. ولطالما اتهمت "قسد" أنقرة بأنها تسعى للتدخل المباشر في البلاد وبتأجيج النزاعات والخلافات وهو الأمر الذي تنفيه تركيا جملة وتفصيلًا مؤكدة سعيها على دعم الحكومة الحالية في عودة الاستقرار واستعادة هيمنتها على كافة المناطق. وتنذر الأوضاع أن الوساطات سيكون لها دور الفصل خاصة أن "قسد" ستندفع نحو استكمال الحوار والمفاوضات "تحت الضغط" خاصة بعد أحداث حلب الأخيرة.
وبإنتظار ما ستؤول اليه الأمور، شنّت الولايات المتحدة ضربات "واسعة النطاق" تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا أمس. وأشارت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إلى أن الضربات تأتي في إطار عملية "عين الصقر" التي أُطلقت "ردًا على الهجوم الذي نفذه التنظيم ضد قوات أميركية وسورية في تدمر" في 13 كانون الأول/ديسمبر الماضي. وتواجه دمشق العديد من الاستحقاقات المهمة ولكنها تُمني النفس بعقد اتفاق مع الجانب الاسرائيلي بهدف وقف الخروقات والتعديات المستمرة في الجنوب السوري كما تسعى للحدّ من مشاريع التقسيم التي لن تستفيد منها سوى تل أبيب التي تعول على تفكيك هذه الدول وإضعافها بهدف تنفيذ مشاريعها التوسعية وتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى". وما يخطط لسوريا يمكن أن ينعكس من جهته على لبنان الذي لطالما كان مركزًا للصراعات وملفًا على طاولة المفاوضات، خاصة في السنوات الماضية مع اتساع نفوذ طهران داخل البلاد. وسلطت زيارة وزير الخارجية عباس عراقجي على الدور الذي تحاول ايران الحفاظ عليه في لبنان، على الرغم مما تمرّ به من أزمات داخلية واحتجاجات متفاقمة.
في السيّاق، التقى الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم الوزير عراقجي حيث جرى بحث بآخر التطورات بظل التأكيد على أن "العدو الاسرائيلي لن يحقق أهدافه باستمرار العدوان". في حين سيصل الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى لبنان الأسبوع المقبل بهدف إجراء لقاءات مع المسؤولين ضمن مساعي باريس لدعم الجيش اللبناني وتعزيز سيادة الدولة على كامل أراضيها. وتأتي هذه الزيارة بعد إعلان السلطات اللبنانية إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح في جنوب الليطاني، وكلام قائد الجيش أمام مجلس الوزراء عن الحاجة إلى دعم إضافي ليستكمل الجيش مهامه في مختلف المناطق. هذا تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان على وقع استمرار التهديدات الإسرائيلية من تصعيد عسكري والقيام بحملة ضد "حزب الله". وبحسب آخر المعلومات، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية عن مسؤولين عدم استبعادهم "أن تنفذ إسرائيل عملية جديدة في لبنان قد تكون ضرورية لمساعدة الجيش اللبناني على نزع سلاح الحزب، انطلاقًا من أن إسرائيل تقول إن "حزب الله" يُعيد إعمار بنى تحتية في لبنان". وأمام تعقيدات المشهد تبقى الأمور مرهونة بما ستؤول اليه التحركات الدبلوماسية في هذا الصدد، والتي تقوم بها عدة دول من أجل منع انفلات الامور.
والدور المتقدم الذي تسعى طهران للحفاظ عليه، من خلال أبرز حلفائها "حزب الله"، يتزامن مع اشتعال شارعها واستمرار التظاهرات للأسبوع الثالث على التوالي. وحذّر "الحرس الثوري" من أن الحفاظ على الأمن يمثل "خطاً أحمر" وذلك بعد اتساع رقعة الاحتجاجات، التي تُشكل أكبر تحدٍّ داخلي يواجهه حكام إيران منذ ثلاث سنوات على الأقل، في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، وبعد حرب العام الماضي وإعادة فرض العقوبات الأممية. وفي المستجدات الأخيرة، أعلنت السلطات الإيرانية اعتقال عشرات ممن وصفتهم بقادة أعمال الشغب في البلاد وسط تعتيم حول عدد الضحايا والجرحى كما المعتقلين. وتتوزع الاحتجاجات في عموم الجغرافيا الإيرانية على عدة محافظات، ويتركز أبرزها في طهران وأصفهان وشيراز ومشهد وهمدان وقم والأهواز وكرمان شاه. في وقت جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دعمهما للمتظاهرين. أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فقد اتهم واشنطن، أمس بأنها "تعمل على التحريض داخل إيران وإثارة الفوضى"، مشددًا على أن "الشعب يدعم بلاده ونظامه أقوى من ذي قبل".
في المقابل، ندّد قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، بـ"قتل المتظاهرين" في إيران ففي بيان مشترك أصدره مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أعربت هذه الدول عن قلقها البالغ إزاء ما قالوا إنها تقارير واردة عن أعمال عنف من قبل قوات الأمن الإيرانية. بينما طالب وزراء خارجية أستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي السلطات الإيرانية بالتوقف فورًا عن "استخدام القوة المفرطة والقاتلة من قبل قواتها الأمنية ضد المتظاهرين". وعلى ما يبدو فإن المظاهرات التي انطلقت بسبب ارتفاع الأسعار وسوء الأوضاع المعيشية يمكن أن تنذر نحو المزيد من التطورات بعد دخول واشنطن كما تل أبيب على خط المواجهات. تزامنًا، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين قولهم إن مسؤولي إدارة ترامب أجروا نقاشات، حول كيفية شنّ هجوم على إيران إذا لزم الأمر، بما في ذلك تحديد المواقع التي قد تُستهدف. في وقت أفادت "القناة 12" الاسرائيلية بأن تقديرات تل أبيب تشير إلى أن ترامب سينفذ تهديده ضد طهران. يُشار إلى ان المرشد الإيراني علي خامنئي قد اتهم، أول من أمس الجمعة، المحتجين بالتحرك نيابة عن الرئيس الأميركي، قائلًا إن "المشاغبين" يهاجمون الممتلكات العامة، ومحذرًا من أن طهران لن تتسامح مع من وصفهم بـ"مرتزقة الأجانب".
وتبقى الأنظار شاخصة لما ستحمله الأيام القادمة خاصة أن التنسيق الأميركي – الاسرائيلي في ذروته، وهو ما يمكن الاستدلال عليه في ما يجري بقطاع غزة، الذي يعكس سوء تطبيق خطة ترامب وتماهي واشنطن مع الخروقات الاسرائيلية وغض النظر عنها رغم عدم التزام تل أبيب ببنود المرحلة الاولى والاستمرار في سياسة منع المساعدات والتحكم بمصير حياة عشرات الفلسطينيين الذين ينتظرون إذنًا للخروج من القطاع للحصول على الرعاية الصحية والطبية الضرورية. إلى ذلك، تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني، حيث قتلت، منذ بداية العام، نحو 30 فلسطينيًا فيما ارتفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر إلى أكثر من 442 شهيدًا. ويأتي ذلك وسط المنخفضات الجوية التي تضرب القطاع المدمر وتزيد من معاناة سكان الخيم الذين يفتقرون إلى أدنى مقومات الحياة. فوفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي، فإنه وبسبب المنخفضات الجوية انهار أكثر من 50 منزلًا ومبنى كانت متضررة ومقصوفة سابقًا، في حين تم تسجيل وفيات نتيجة البرد القارس وانخفاض درجات الحرارة، وأخرهم الطفل الرضيع محمود الأقرع (7 أيام).
يمنيًا، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عن تشكيل لجنة عسكرية عليا تحت قيادة تحالف دعم الشرعية، تتولى إعداد وتجهيز القوات العسكرية للمرحلة القادمة في حال استمرار تعنت ما سماها "المليشيا الحوثية" ورفضها الحلول السلمية، محملًا إياها وإيران المسؤولية الكاملة عن معاناة السكان. كما نوه العليمي، في خطاب وجهه للشعب اليمني، إلى نجاح عملية "استلام المعسكرات" في محافظات عدن وحضرموت والمهرة وبقية المناطق المحررة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة جاءت "لحماية المواطنين وتحصين المركز القانوني للدولة وتثبيت الأمن والاستقرار، بمسؤولية عالية من المؤسسات الأمنية والعسكرية وبدعم من الأشقاء في التحالف".
على المقلب الدولي، لا تزال الأوضاع غير واضحة المعالم بعد العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا وسط محاولات تبذلها واشنطن لأن يكون لها الكلمة الفصل في السيطرة على موارد كراكاس وعوئداها النفطية. فبينما قال البيت الأبيض إن الرئيس ترامب وقع أمرًا تنفيذيًا يهدف إلى حماية عوائد بيع النفط الفنزويلي المودعة في حسابات الخزانة الأميركية من "الحجز أو الإجراءات القضائية". لفت وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى أن عقوبات إضافية مفروضة على فنزويلا قد تُرفع خلال أيام لتسهيل مبيعات النفط، مشيرًا إلى أنه سيجتمع في وقت لاحق مع رئيسي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمناقشة إعادة انخراطهما مع فنزويلا. في غضون ذلك دعا الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو دول أميركا اللاتينية إلى تأسيس جيش مشترك من أجل تعزيز مكافحة مهربي المخدرات، مشددًا على أن "الولايات المتحدة تستخدم منظمات تهريب المخدرات كذريعة لاحتلال المنطقة".
وفي جولة اليوم على الصحف العربية الصادرة، إليكم ابرز ما جاء فيها من تحليلات ومقالات:
أشارت صحيفة "الثورة" السورية إلى أن "المرحلة الانتقالية تُقاس بقدرتها على إنتاج مؤسسات قادرة على تنظيم القرار العام، وترسيخ العلاقة الطبيعية بين السلطات، وإعادة السياسة إلى مسارها البنّاء. من التشريع المدروس، مرورًا بالرقابة الرشيدة، وصولاً إلى توازن يضمن الاستقرار"، موضحة أن "إستكمال تشكيل مجلس الشعب يغدو الاستحقاق المركزي لهذا العام. فالدولة الحديثة تُدار بتكامل الرؤية السياسية مع قواعد مؤسسية واضحة، وبالقدرة على تحويل الإرادة العامة إلى قوانين قابلة للتنفيذ، وربط السياسات بجداول زمنية وآليات متابعة".
أما صحيفة "عكاظ" السعودية، فاعتبرت أن القضية الجنوبية في اليمن "ستتخذ مسارًا إيجابيًا بعد إعلان الرياض تشكيل لجنة تحضيرية بالتشاور مع الشخصيات الجنوبية للإعداد لمؤتمر الحوار الجنوبي، الذي ستشارك فيه شخصيات جنوبية من كافة محافظات الجنوب "دون إقصاء أو تمييز". وأضافت " لقد اتخذ أعضاء المجلس الانتقالي قرارًا مفصليًا بحله، عندما تأكد لهم أنه كان يختطف القضية الجنوبية بأحادية القرار، وانحراف المسار، وفساد الأهداف لرئيسه السابق الهارب، وهم بقرارهم هذا يؤكدون ثقتهم المطلقة بالمملكة، التي تؤكد في كل خطاباتها على عدالة القضية الجنوبية ومشروعيتها وضرورة الوصول إلى حل مستدام لها بالحوار بين كل الشخصيات والقيادات التي تمثل الجنوب".
الملف السوداني تطرقت له صحيفة "الخليج" الإماراتية التي لفتت إلى أن "المصاب في السودان جراء هذه الحرب العبثية كبير ويشكل كارثة وطنية غير مسبوقة، تتسع في كل يوم مع تعنت أطراف الصراع وعدم الاستجابة للنداءات المتكررة بضرورة وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وتخفيف الأعباء على المدنيين، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى الفئات المستهدفة دون عوائق في مختلف أنحاء السودان". وخلصت إلى أنه "أمام هذا الوضع الكارثي، يجدر بالوكالات الأممية أن ترصد الحصيلة المرة لهذه الحرب، ولكن الأهم من ذلك أن تتحرك الأمم المتحدة، ممثلة في مجلس الأمن الدولي، وتفرض على أطراف الصراع وقف هذه المذبحة الواسعة النطاق"، بحسب تعبيرها.
في سياق منفصل، رأت صحيفة "الغد" الأردنية أن "الصراع على غرينلاند قد يبدو، للوهلة الأولى، بعيدًا عن الشرق الأوسط، لكن الجغرافيا السياسية لا تعترف بالمسافات، بل بسلاسل التأثير. فما يجري في القطب الشمالي اليوم هو إعادة توزيع هادئة لأوزان القوة، وستنعكس مباشرة على الشرق الأوسط". وقالت "غرينلاند ليست مجرد جزيرة، يذوب جليدها ببطء، بل مرآة للنظام الدولي القادم. من يسيطر على الموارد والممرات ولديه القدرة التكنولوجية والتشغيلية، يملك مفاتيح قوة القرن...التاريخ يثبت أن أي حدث على أطراف الكوكب، لم يعد بعيدًا عن قلب الصراع، لا بل جزء من الصراع الدولي الشامل".
(رصد "عروبة 22")

