اقتصاد ومال

الاقتصادُ غَيْرُ الرَّسميِّ العَرَبي: حينَ يُصْبِحُ الظِّلُّ هُوَ القاعِدَةَ لا الاستِثناء!

لَمْ يَعُدِ الاقْتِصادُ غَيْرُ الرَّسْميِّ في العالَمِ العَرَبيِّ ظاهِرَةً هامِشِيَّةً أَوْ نَشاطًا عابِرًا عِنْدَ أَطْرافِ الاقْتِصاد، بَلْ تَحَوَّلَ في الكَثيرِ مِنَ البُلْدانِ إلى الإِطارِ الرَّئيسِيِّ الذي يَعْمَلُ مِنْ ضِمْنِهِ مَلايينُ المُواطِنين. تَكْشِفُ الأَرْقامُ الصّادِرَةُ عَنِ المُنَظَّماتِ الدَّوْلِيَّةِ الكُبْرى أَنَّ ما يَجْري خارِجَ السِّجِلّاتِ والضَّرائِبِ والعُقودِ لَيْسَ "اقْتِصادًا مُوازِيًا" بِالمَعْنى الضَّيِّق، بَلْ تَعْبيرٌ بُنْيَوِيٌّ عَنْ خَلَلٍ عَميقٍ في سوقِ العَمَل، وَعَنْ أَزْمَةِ ثِقَةٍ مُزْمِنَةٍ بَيْنَ المُواطِنِ والدَّوْلَة.

الاقتصادُ غَيْرُ الرَّسميِّ العَرَبي: حينَ يُصْبِحُ الظِّلُّ هُوَ القاعِدَةَ لا الاستِثناء!

وَفْقَ أَحْدَثِ تَقْريرٍ لِمُنَظَّمَةِ العَمَلِ الدَّوْلِيَّة، بَلَغَ مُتَوَسِّطُ العَمَلِ غَيْرِ الرَّسْميِّ في البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ نَحْوَ 50.7 في المِئَةِ مِنْ إِجْمالِي التَّشْغِيلِ في عامِ 2023، أَيْ أَنَّ واحِدًا مِنْ كُلِّ عامِلَيْنِ اثْنَيْنِ تَقْريبًا يَعْمَلُ خارِجَ أَيِّ عَقْدٍ قانونِيٍّ مُلْزِمٍ أَوْ حِمايَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ أَوْ مِظَلَّةٍ تَنْظِيمِيَّة. يُعَدُّ هَذا المُتَوَسِّطُ مُرْتَفِعًا حَتّى مُقارَنَةً بِالنِّسْبَةِ العالَمِيَّةِ التي تُقَدَّرُ بِنَحْوِ 60 في المِئَةِ مِنْ إِجْمالي التَّشْغيل، فَالنِّسْبَةُ الأَخيرَةُ أَعْلى حِسابِيًّا مِنَ المُتَوَسِّطِ الخاصِّ بِمِنْطَقَتِنا، لَكِنَّها تَعْكِسُ في جُزْءٍ كَبيرٍ مِنْها ثِقَلَ العَمَلِ الزِّراعيِّ في البُلْدانِ الأَقَلِّ دَخْلًا، في حينِ تُساوِي العَمالَةُ الزِّراعِيَّةُ 9.33 في المِئَةِ مِنْ إِجْمالي العَمالَةِ في العالَمِ العَرَبِي.

هَذِهِ الأَرْقامُ تَضَعُ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ في مَوْقِعِ وَسَطٍ حِسَابِيًّا، لَكِنَّ هَذا المَوْقِعَ يُخْفي ضَعْفًا بُنْيَوِيًّا على صَعيدِ جَوْدَةِ الوَظائِفِ والحِمايَةِ الاجْتِماعِيَّة. كَذَلِكَ يُضْمِرُ المُتَوَسِّطُ الإِقْليمِيُّ الخاصُّ بِمِنْطَقَتِنا تَبايُناتٍ حادَّةً بَيْنَ بُلْدانِها، إِذْ تُشيرُ دِراسَاتٌ تَشْخيصِيَّةٌ إلى أَنَّ نَحْوَ 67 في المِئَةِ مِنَ القُوى العامِلَةِ في جُمْهورِيَّةِ مِصْرَ العَرَبِيَّةِ تَعْمَلُ في وَظائِفَ غَيْرِ رَسْمِيَّة، فيما بَلَغَ العَمَلُ غَيْرُ الرَّسْميِّ في جُمْهورِيَّةِ العِراقِ قُرابَةَ ثُلُثَيْ إِجْمالي التَّشْغيلِ في عامِ 2021.

الحجم الكبير للاقتصاد غير الرسمي لا يمكن فصله عن الفقر والبطالة المُقنَّعة

في مُقارَنَةٍ أُخْرى ذاتِ دَلالَة، مِنَ الضَّرورِيِّ التَّمْييزُ المَنْهَجِيُّ بَيْنَ مُؤَشِّرَيْنِ كَثيرًا ما يُخْلَطُ بَيْنَهُما. تَقيسُ مُنَظَّمَةُ العَمَلِ الدَّوْلِيَّةُ "العَمَلَ غَيْرَ الرَّسْميّ" (informal employment) بِوَصْفِهِ نِسْبَةَ العامِلينَ في وَظائِفَ لا تَتَمَتَّعُ بِعُقودٍ قانونِيَّةٍ أَوْ حِمايَةٍ اجْتِماعِيَّة، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ وَضْعِ المُنْشَأَةِ نَفْسِها. أَمّا البَنْكُ الدَّوْلِيّ، فَيَتَعامَلُ مَعَ مَفْهومٍ أَوْسَعَ هُوَ "اللّاتَرْسيمُ" (informality) في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، وَيَقيسُهُ بِوَصْفِهِ سِمَةً هَيْكَلِيَّةً لِسوقِ العَمَلِ وَضَعْفَ الامْتِثالِ والحِمايَةِ والمُؤَسَّسات. وَمِنْ هَذا المَنْظور، يُقَدِّرُ البَنْكُ الدَّوْلِيُّ أَنَّ "اللّاتَرْسيم" في مِنْطَقَتِنا يَصِلُ إلى نَحْوِ 68 في المِئَة، وَهُوَ رَقْمٌ يُفاقِمُ المُشْكِلَةَ التي نَحْنُ في صَدَدِها.

هَذا الحَجْمُ الكَبيرُ لِلاقْتِصادِ غَيْرِ الرَّسْميِّ لا يُمْكِنُ فَصْلُهُ عَنِ الفَقْرِ والبَطالَةِ المُقَنَّعَة. في الاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّة، تُولَدُ وَظائِف، لَكِنَّها في الأَغْلَبِ وَظائِفُ مُنْخَفِضَةُ الإِنْتاجِيَّة، مِنْ دونِ اسْتِقْرارٍ أَوْ أُفُقٍ مِهَنِيٍّ. لَيْسَ مَلايينُ العامِلينَ عاطِلينَ عَنِ العَمَل، لَكِنَّهُمْ يَعْمَلونَ في ظُروفٍ لا تَحْميهِمْ مِنَ الفَقْرِ وَلا تُوَفِّرُ لَهُمْ دَخْلًا مُسْتَدامًا. وَلِهَذا بَرَزَ مَفْهومُ "فَقْرِ العامِلينَ" بِوَصْفِهِ أَحَدَ أَخْطَرِ مَظاهِرِ الاخْتِلالِ الاجْتِماعِيّ، إِذْ يُصْبِحُ العَمَلُ ذاتُهُ غَيْرَ كافٍ لِضَمانِ حَيَاةٍ كَرِيمَة.

دول عربية اتجهت إلى سياسات دمج تدريجية تستند إلى تغيير الحوافز بدل الاعتماد على الردع

مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، لا يَلْجَأُ المُواطِنُ العَرَبِيُّ إلى الاقْتِصادِ غَيْرِ الرَّسْمِيِّ بِدافِعِ المُخالَفَةِ بِقَدْرِ ما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ خِيارًا اضْطِرارِيًّا. فَالدُّخولُ إلى الاقْتِصادِ الرَّسْميِّ يَكونُ في الأَغْلَبِ مُكَلِّفًا وَمُعَقَّدًا: إِجْراءاتُ تَسْجيلٍ طَويلَة، وَرُسومٌ مُتَعَدِّدَة، وَأَنْظِمَةٌ ضَريبِيَّةٌ لا تُراعي صِغَرَ الدَّخْل، وَخَدَماتٌ عامَّةٌ لا يَشْعُرُ المُواطِنُ بِمَزاياها. بِالنِّسْبَةِ إلى بائِعٍ على رَصيفٍ أَوْ عامِلٍ مُياوِمٍ أَوْ صاحِبَةِ مَشْروعٍ مَنْزِلِيٍّ صَغير، يَبْدو الاقْتِصادُ الرَّسْمِيُّ مُخاطَرَةً مُؤَكَّدَةً في مُقابِلِ دَخْلٍ مَحْدود، فيما يُوَفِّرُ الاقْتِصادُ غَيْرُ الرَّسْميِّ سُيولَةً فَوْرِيَّةً وَمُرونَةً عالِيَة، وَإِنْ كانَتا على حِسابِ الأَمانِ والاسْتِقْرار.

لَكِنَّ ما يُعَدُّ حَلًّا فَرْدِيًّا يَتَحَوَّلُ على المُسْتَوى الكُلّيِّ إلى عِبْءٍ ثَقيلٍ على الدَّوْلَة. يُضْعِفُ الاتِّساعُ الكَبيرُ لِلاقْتِصادِ غَيْرِ الرَّسْميِّ القاعِدَةَ الضَّريبِيَّةَ وَيُقَوِّضُ قُدْرَةَ الحُكوماتِ على تَمْويلِ الخَدَماتِ العامَّة. في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، تُعَدُّ حَصيلَةُ ضَريبَةِ الدَّخْلِ الشَّخْصيِّ مِنْ بَيْنِ الأَدْنى عالَمِيًّا، إِذْ تَقِلُّ في الأَغْلَبِ عَنِ اثْنَيْنِ في المِئَةِ مِنَ النّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْمالِيّ. وَيَعْكِسُ هَذا الواقِعُ لَيْسَ فَقَطْ انْخِفاضَ الدُّخول، بَلْ أَيْضًا ضيقَ قاعِدَةِ المُكَلَّفينَ وانْتِشارَ العَمَلِ خارِجَ النِّظام. وَهَكَذا تَتَكَرَّسُ حَلْقَةٌ مُفْرَغَة: إيراداتٌ ضَعيفَةٌ تُؤَدّي إلى خَدَماتٍ ضَعِيفَة، وَخَدَماتٌ ضَعِيفَةٌ تُعَمِّقُ عُزوفَ المُواطِنينَ عَنِ الانْخِراطِ في النِّظام.

العاملون غير الرسميين مُستعدون للانتقال إلى النظام متى أصبحت تكلفته معقولة ومنافعه ملموسة

وَمَعَ ذَلِك، لا يَخْلو المَشْهَدُ العَرَبِيُّ مِنْ مُحاوَلاتٍ لِكَسْرِ هَذِهِ الحَلْقَة. اتَّجَهَتْ بَعْضُ الدُّوَلِ إلى سِياساتِ دَمْجٍ تَدْريجِيَّةٍ تَسْتَنِدُ إلى تَغْييرِ الحَوافِزِ بَدَلَ الاعْتِمادِ على الرَّدْع. تَجارِبُ مِثْلُ "المُقاوِلِ الذاتيِّ" في المَمْلَكَةِ المَغْرِبِيَّة، وَ"المُبادِرِ الذّاتيِّ" في الجُمْهورِيَّةِ التّونِسِيَّة، والحَوافِزِ الضَّريبِيَّةِ لِتَقْنينِ المَشاريعِ الصَّغيرَةِ في مِصْر، وَبَرامِجِ تَوْسيعِ التَّغْطِيَةِ الاجْتِماعِيَّةِ في المَمْلَكَةِ الأُرْدُنِّيَّةِ الهاشِمِيَّة، أَظْهَرَتْ أَنَّ العامِلينَ غَيْرَ الرَّسْمِيّينَ مُسْتَعِدّونَ لِلانْتِقالِ إلى النِّظامِ مَتى أَصْبَحَتْ تَكْلِفَتُهُ مَعْقولَةً وَمَنافِعُهُ مَلْموسَة.

يَتَلَخَّصُ الدَّرْسُ الجَوْهَرِيُّ في أَنَّ دَمْجَ الاقْتِصادِ غَيْرِ الرَّسْميِّ لَيْسَ مَسْأَلَةً قانونِيَّةً أَوْ مُحَاسَبِيَّةً فَحَسْب، بَلْ كَذَلِكَ مَشْروعُ إِعادَةِ بِناءٍ لِلثِّقَة. يَبْدَأُ الإِصْلاحُ بِتَبْسيطِ الإِجْراءاتِ وَخَفْضِ تَكْلِفَةِ الامْتِثال، واعْتِمادِ أَنْظِمَةٍ ضَريبِيَّةٍ مُبَسَّطَةٍ وَتَصاعُدِيَّة، وَتَوْفيرِ حِمايَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ أَسَاسِيَّةٍ فَوْرَ الدُّخولِ إلى النِّظام، وَرَبْطِ الالْتِزامِ بِتَحْسيناتٍ حَقيقِيَّةٍ في الخَدَماتِ العامَّة. مِنْ دونِ ذَلِك، سَتَبْقَى القَوانينُ حِبْرًا على وَرَق، وَسَيَظَلُّ الاقْتِصادُ غَيْرُ الرَّسْميِّ هُوَ المَلاذُ الطَّبيعِيُّ لِلمَلايين.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن