لم يَعُدِ المُثَقَّفُ مُضْطَرًّا لِلالْتِحاقِ بالسُّلْطَةِ ناهيكَ عَنْ أنْ يَتَوَحَّدَ مَعَها، وإلّا فَقَدَ دَورَه، وباتَ مَحْضَ فَقيهٍ أو شاعِر، يَلْعَبُ دَوْرَهُ في غَيْرِ أَوانِه. ومِنْ ثَمَّ يَبْدو المُثقَّفُ العَرَبِيُّ غَريبًا عَنِ العَصْرِ عِنْدَما يَكْتَفي بِتَرديدِ صَوْتِ السُّلْطَةِ في إدانَةِ التَّطَرُّفِ والإرْهاب، مُطالِبًا بِإِصْلاحِ الدّينِ وكَأنَّهُ فَقيهٌ مَسْؤولٌ عَنِ الشَّريعَة، فيما يَعْجَزُ عَن مُطالَبَةِ الدَّوْلَةِ ذاتِها بِإصْلاحِ السِّياسَة، وسَدِّ المَنافِذِ الّتي يَهُبُّ مِنْها التَّطَرُّف، مُتَناسِيًا كَوْنَهُ مُفَكِّرًا وأديبًا وناقِدًا وفَنّانًا.
عطب المثقف نتاج لعطب الدولة ويفتح الباب على أعطاب شتى كالإرهاب والفقر
لَيْسَ مُحَتَّمًا أنْ يَشْغَلَ المُثَقَّفُ نَفسَهُ بِمُقارَعَةِ السُّلْطان، لكنْ لَيْسَ مَطْلوبًا مِنْهُ أنْ يَكتُبَ أو يَرْسُمَ أو يُغَنِّيَ وعَيْنُهُ على السُّلْطان، أنْ يَسْتَحيلَ طَبّالًا أوْ راقِصًا، يَنْتَظِرُ أيَّ مُناسَبَةٍ لِيُفْرِغَ فيها طاقاتِهِ المُقَزِّزَةَ ويُمارِسَ مَواهِبَهُ المُؤْذِيَة. المَطْلوبُ حَقًّا وفَقَطْ أنْ يُنْتِجَ المُثَقَّفُ نُصوصًا ورُسومًا تُبَرِّرُ مُعاناةَ النّاس، أنْ يُبْدِعَ وعَيْنُهُ عَلَيْهِم جَميعًا، أنْ يُحاوِلَ رَفْعَ هَمْهَمَتِهِم ومُعاناتِهِم إلى مُسْتَوى الأسْئِلَةِ الوُجودِيَّة، طارِحًا إيّاها على السُّلْطةِ مُطالِبًا بِالإِجابَة، ومُحاوِلًا وَضْعَ الحُلول. يُفْضي عَطَبُ المُثَقَّفِ إلى عَطَبِ الدَّوْلَة، بِقَدْرِ ما أنَّ عَطَبَهُ نَفسَهُ نِتاجٌ لِعَطَبِ الدَّوْلَة، فَكِلاهُما يَنْعَكِسُ في الآخَر، تَبْريرًا وتَأْييدًا لا مَشْروطًا، في مُقابِلِ رِعايَةٍ واحْتِضانٍ لا مُسْتَحَقَّيْن. وهُنا يُفْتَحُ البابُ على أعْطابٍ شَتّى، كالإرْهابِ والفَقْر، وعلى مُواجَهاتٍ حَتْمِيَّةٍ مَعَ كِلَيْهِما.
لَقَدْ خاضَتْ مِصْر، على سَبيلِ المِثال، مَعارِكَ الإرْهابِ مَعَ "الإخْوانِ المُسْلِمينَ" مُنْذُ أربَعينِيّاتِ القَرْنِ المُنْصَرِم، ومَعَ الحَرَكاتِ الأَكْثَرَ عُنْفًا مُنْذُ سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ نَفْسِه، وهُوَ ما صارَ يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَقْدٍ تَقْريبًا، وكَأنَّهُ العَوْدُ الأبَدِيُّ وقَدْ سُلِّطَ عَلَيْها، يَدُقُّ أبْوابَها ويَطْرَحُ عَلَيها تَحَدِّياتِه، فَتَسْتَجيبُ لَهُ بِاسْتِنْفارِ جُهْدِها، الّذي يُسْتَهلَكُ في كُلِّ دَوْرَةٍ بِهَدَفِ الدِّفاعِ عَنِ الذّات، أيْ لِحِفْظِ البَقاءِ ولَيْسَ تَطْويرَ الوُجود، إذْ تُحارِبُهُ، كَمَشْروعٍ لِلاسْتِبدادِ الدّينِيّ، بِمَشْروعٍ آخَرَ لِلاسْتِبدادِ السِّياسِيّ، ولَوِ اخْتَلَفَتْ دَرَجاتُ ذَلِكَ الاسْتِبْدادِ ومَشارِبُهُ بَيْنَ مَلَكِيَّةٍ سَبَقَتْ 23 يولْيو/تَمّوز، وجُمْهورِيَّةٍ تَلَتْه. إنَّها حَرْبٌ فاشِلَةٌ في النِّهايَةِ لِأنَّ الفِكْرَةَ السَّيِّئَةَ لا يُمْكِنُ هَزيمَتُها بِفِكْرَةٍ مِن مُسْتَواها نَفسِه، بَلْ مِنْ خِلالِ فِكْرَةٍ أرْقى مِنْها، تُقَدِّمُ إِجاباتٍ أعْمَقَ وأصْدَقَ مِنْها على تَحَدِّياتِ الواقِعِ الّذي هُوَ مِرْآةٌ لِصِدْقِها جَميعِها.
الموجة الإرهابية تعود لتسلك الطرق التي أفضت إليها والأزمة المالية تعود للسير في الدروب التي قادت نحوها
وفي مُوازاةِ ذَلِك، واجَهَتْ مِصْرُ ولا تَزال، تَحَدِّياتِ الإصْلاحِ الاقْتِصادِيّ، حَيْثُ خَضَعَتْ في كُلِّ عَقْدٍ تَقْريبًا لِبَرْنامَجٍ لم تَضَعْ مُكَوِّناتِه، واستَسْلَمَتْ لِإجْراءاتٍ لا تَتَّفِقُ بالضَّرورَةِ مَعَ ظُروفِها، وبَعْدَ جُهْدٍ جَهيد، وعَبْرَ سِياساتِ تَقَشُّفٍ تُرْهِقُ أغْلَبَ مُواطِنيها، يَفْرِضُها الصُّنْدوقُ والبَنْكُ الدَّوْليّان، تَتَحَقَّقُ نَتائِجُ إيجابِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ تَصُبُّ في خانَةِ الإصْلاحِ المالِيّ، تَسْمَحُ بِتَفْكيكِ أزْمَةٍ خانِقَة، وتَرْفَعُ بالكادِ حَدَّ السَّيْفِ عَن أعْناقِ أبْنائِها، لَكِنَّها سُرْعانَ ما تَتَوَقَّفُ هُنا، لِتَحْتَفِيَ بالقَليلِ الذي حَقَّقَتْهُ قَبلَ أنْ يَبْلُغَ الإصْلاحُ البُنْيَوِيُّ مَداه، فَتَتَغَيَّرَ هَياكِلُ إنْتاجِها، أو تُحَقِّقَ تَنْمِيَةً مُسْتَدامَة، ولِذا سُرْعانَ ما تَعودُ الأزْمَةُ مِن جَديد، أشَدَّ وَطأةً مِن سابِقاتِها. في الحالَيْنِ نَحْنُ أمامَ مَنْهَجٍ واحِدٍ، فَما أنْ تُرَدَّ المَوْجَةُ الإرْهابِيَّةُ حَتّى تَعودَ لِتَسْلُكَ كُلَّ الطُّرُقِ الّتي أفْضَتْ إلَيْها، وما إنْ تَتَجاوَزَ عَتَبَةَ الأزْمَةِ المالِيَّةِ حَتّى تَعودَ لِلسَّيْرِ في شَتّى الدُّروبِ الّتي قادَتْ نَحْوَها. في الأولى يَسْتَمِرُّ غِيابُ الحُرِّيَّةِ لِصالِحِ القَمْع، وفي الثّانيَةِ تَغيبُ الرَّشادَةُ لِصالِحِ الفَهْلَوَة، فَلا العَقْلانِيَّةُ بِكُلِّ تَجَلِّياتِها المَعْرِفِيَّةِ تَمَكَّنَتْ مِن حَرَكَةِ المُجْتَمَع، ولا الحُرِّيَّةُ بِكُلِّ إلْهاماتِها السِّياسِيَّةِ نالَتْ مِن سَطْوَةِ الدَّوْلَة.
الاستبداد الديني يُفضي إلى مُتَدَيِّن مُنافق والاستبداد السياسي يُفضي إلى مواطن سلبي
يَتَصَوَّرُ البَعْضُ أنَّ الاسْتِبدادَ العَلْمانِيَّ أفْضَلُ مِنَ الاسْتِبْدادِ الدّينِيّ، فَيَبْذُلُ قُصارى جُهْدِهِ في مُحارَبَةِ الأوَّلِ ومُهادَنَةِ الثّاني. ولَيْسَ هذا صَحيحًا على الإطْلاق، فاسْتِعْبادُ النّاسِ بِاسْمِ فِرْعَوْنِيَّةٍ سِياسِيَّةٍ ومِن خِلالِ مُؤَسَّسَةٍ أمْنِيَّةٍ باطِشَةٍ لَيْسَ أقَلَّ ضَرَرًا مِنِ اسْتِعْبادِهِم بِاسْمِ اللهِ وعَبْرَ مُؤَسَّسَةٍ كَهَنوتِيَّةٍ مُتَغَطْرِسَة. كَما أنَّ اعْتِقالَ مُثَقَّفٍ حُرٍّ أو إهانَةَ مُواطِنٍ شَريفٍ في قِسْمِ شُرْطَة، لا يَقِلُّ قُبْحًا عَنِ اغْتِيالِ الإرْهابِ لَهُما ولِلآخَرين، فَإِهْدارُ كَرامَةِ البَشَرِ وقَتْلُهُمْ مَعْنَويًّا بِيَدِ الاسْتِبْدادِ هُوَ المَدْخَلُ لِقَتْلِهِم جَسَدِيًّا بِيَدِ الإرْهاب. ناهيكَ عَن أنَّ كِلَيْهِما يُفْضي إلى الآخَر، فالاسْتِبْدادُ الدّينِيُّ إذْ يَقْمَعُ الضَّميرَ يُفْضي إلى مُتَدَيِّنٍ مُنافِق، والاسْتِبدادُ السِّياسِيُّ إذْ يُعَطِّلُ الإرادَةَ يُفْضي إلى مُواطِنٍ سَلْبِي، والضَّميرُ والإرادَةُ لَيْسا إلّا مَظْهَرَيْنِ لِلرّوحِ الإنْسانِيَّة، الّتي تُمارِسُ الإيمانَ والإبْداعَ بِقُوَّةِ إشْعاعِ الحُرِّيَّة، وتُمارِسُ النِّفاقَ والتَّقْليدَ تَحْتَ ضَغْطِ القَهْر.
(خاص "عروبة 22")

