الأمن القومي العربي

حَربُ السّودان: هَل يَقْتَرِبُ السَّلامُ أَمْ تُعَقِّدُهُ الخِلافاتُ الإِقْليمِيَّة؟

السودان - ماهر أبوجوخ

المشاركة

نَقْتَرِبُ مِنْ انْقِضاءِ شَهْرَيْنِ مُنْذُ إِعْلانِ الرَّئيسِ الأَميرْكيِّ دونالد تْرامب في كَلِمَتِهِ التي أَلقاها ضِمْنَ أَعْمالِ المُنْتَدى الأَميرْكيّ – السُّعودِيّ، في العاصِمَةِ الأَميرْكيَّةِ واشِنْطُن، في ١٩ نوفَمْبِر/تِشْرين الثّاني الماضي، اعْتِزامَهُ الانْخِراطَ الجادَّ في مَساعي وَقْفِ الحَرْبِ في السّودانِ اسْتِجابَةً لِطَلَبِ وَلِيِّ العَهْدِ السُّعوديِّ الأَمير مُحَمَّد بِنْ سَلمان.

حَربُ السّودان: هَل يَقْتَرِبُ السَّلامُ أَمْ تُعَقِّدُهُ الخِلافاتُ الإِقْليمِيَّة؟

بِمُجَرَّدِ إِدْلاءِ تْرامب بِهَذا التَّصْريحِ ارْتَفَعَتْ سُقوفُ التَّوَقُّعاتِ بِإِمْكانِيَّةِ أَنْ تُحْدِثَ الكَلِماتُ والأَفْعالُ تَحَوُّلًا في الوُصولِ إلى نَتائِجَ مَلْموسَةٍ وَسَريعَةٍ لِلأَوْضاعِ وَمُمارَسَةِ قَدْرٍ أَكْبَرَ مِنَ الضُّغوطِ على الأَطْرافِ المُنْخَرِطَةِ في الحَرْبِ على الأَرْضِ وَحَتّى على مُسْتَوى القُوى الإِقْليمِيَّةِ الدّاعِمَةِ لِطَرَفَيْ الحَرْب، بِالِاسْتِنادِ إلى الثِّقْلِ الذي يَتَرَتَّبُ على انْخِراطِ رَئيسٍ أَميرْكيٍّ كَتْرامب في أَيِّ مَلَفٍّ مِنْ المَلَفّاتِ وَلا يَجِدُ حَرَجًا في الإِفْراطِ في مُمارَسَةِ الضُّغوطِ والقُوَّةِ لِتَحْقيقِ غاياتِهِ وأهْدافِهِ والدَّليلُ القَبْضُ على رَئيسِ دَوْلَةِ فِنِزْويلا نيكولاس مادورو في الثّالِثِ مِنْ يَنايِر/كانون الثّاني الجاري وَتَرْحيلُهُ إلى نْيويورْك.

لَمْ يَجِدْ هَذا التَّفاؤُلُ حَظَّهُ مِنْ التَّرْجَمَةِ على الأَرْض، وَحَتّى تْرامب نَفْسُهُ طيلَةَ ما يُقارِبُ الشَّهْرَيْنِ لَمْ يَتَحَدَّثْ عَنْ السّودانِ إِلّا عَبْرَ وَزيرِ خارِجِيَّتِهِ مارْكو روبْيو وَمُسْتَشارِهِ الخاصِّ وَوالِدِ صِهْرِهِ مُسْعَد بولُس، إِذْ اتَّضَحَ جَلِيًّا أَنَّ تَنافُسًا تَقْليدِيًّا يَحْكُمُ عَلاقَةَ الاثْنَيْنِ، وَهُوَ نِزاعٌ قَديمٌ مُتَجَدِّدٌ بَيْنَ مُؤَسَّسَةِ الخارِجِيَّةِ وَمَبْعوثِ الرَّئيس، وَيُساعِدُ في التَّقْليلِ مِنْ حِدَّتِهِ اهْتِمامُ الرَّئيسِ بِسُلطاتِهِ الواسِعَةِ في النِّظامِ الرِّئاسيِّ الأَميرْكيِّ بِالمَلَفِّ مَثارِ التَّنازُع، وَلِذَلِكَ في ظِلِّ عَدَمِ الاهْتِمامِ المُباشِرِ لِلرَّئيسِ بِأيِّ مَلَفّ، كالحالَةِ السّودانِيَّة، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحَدُ أَمْرَيْن؛ إِمّا اضْطِرابٌ وارْتِباكٌ يَصِلُ إلى مَرْحَلَةِ التَّبايُنِ أَوْ التَّنافُسِ بَيْنَ المُؤَسَّساتِ الأَميرْكِيَّةِ نَفْسِها، أَوْ يُفْضي إلى تَجْميدِ المَلَفِّ كُلِّيًّا بِسَبَبِ هَذا التَّنازُعِ والتَّبايُن.

ظَلَّ أَحَدُ الرِّهاناتِ الأَساسِيَّةِ على "الرُّباعِيَّة"، هُوَ إِحْداثُها اخْتِراقًا مِنْ واقِعِ تَفاهُمِ ثَلاثِ قُوًى إِقْليمِيَّةٍ ذاتِ تَأْثيرٍ في المَشْهَدِ العَسْكَرِيِّ والسِّياسِيِّ في السّودانِ وَحَتّى إِقْليمِيًّا مُتَمَثِّلَةً في مِصْرَ والسُّعودِيَّةِ والإِماراتِ مِنْ واقِعِ بَيانِ ١٢ سِبْتَمْبِر/أَيْلول الماضي الذي وَضَعَ خَريطَةَ طَريقٍ حَوْلَ إِجْراءَاتِ إِنْهاءِ الحَرْبِ وَأُسُسِ المُسْتَقْبَل، وَهُوَ تَفاهُمٌ مَنَحَ بارِقَةَ أَمَلٍ بِإِمْكانِيَّةِ إِحْداثِ اخْتِراقٍ يُفْضي لِوَقْفِ حَرْبِ السّودانِ بِناءً على هَذِهِ التَّفاهُمات.

وَأَحْدَثَتْ تَبايُناتٌ في مَلَفّاتٍ وَقَضايا إِقْليمِيَّةٍ تَصاعَدَتْ مُنْذُ شَهْرِ ديسَمْبِر/كانون الأَوَّل الماضي، ارْتِباكًا في عُمومِ المَشْهَدِ السِّياسيِّ جَرّاءَ اخْتِلافٍ سُعودِيٍّ - مِصْرِيٍّ مِنْ جِهَةٍ مَعَ الإِماراتِ مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَة، حَوْلَ ما يَتَّصِلُ بِرَفْضِ الدولتين اعْتِرافَ إِسْرائيلَ بِجُمْهورِيَّةِ "صومالي لانْد". إِلّا أَنَّ التَّبايُنَ الأَكْبَرَ هُوَ المُتَّصِلُ بِالخِلافِ السُّعوديِّ - الإِماراتيِّ في اليَمَن.

يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ تِلكَ التَّبايُناتِ أَثَّرَتْ سَلبًا على مَسارِ وَحَيَوِيَّةِ "الرُّباعِيَّة" وَمَساعيها مِنْ أَجْلِ إيقافِ الحَرْبِ بِالوُصولِ إلى هُدْنَةٍ إِنْسانِيَّة، مَعَ تَنامي مَخاوِفَ مِنْ إِمْكانِيَّةِ أَنْ يَتَطَوَّرَ الخِلافُ وانْتِقالِ هَذا التَّنازُعِ إلى مَلَفّاتٍ أُخْرى، وَهَذا سَتَكونُ تَداعِياتُهُ المُباشِرَةُ زِيادَةَ أَوارِ الحَرْبِ وَدَفْعَ الأَطْرافِ لِلانْخِراطِ فيها بِشَكْلٍ أَعْنَفَ مِمّا سَبَق.

لَكِنْ على مَسارٍ مُوازٍ، فَإِنَّ طَبيعَةَ عَلاقاتِ الأَطْرافِ الإِقْليمِيَّةِ التي تَزايَدَتْ تَبايُناتُها واخْتِلافاتُها بِالجِهاتِ الدَّوْلِيَّة، خاصَّةً واشِنْطُن، يُمْكِنُ أَنْ تَقودَ إلى نَتيجَةٍ تُفْضي لِتَهْدِئَةٍ بَعْدَ تَنْفيسٍ لِاحْتِقانٍ مُتَراكِمٍ يَليهِ الوُصولُ إلى تَفاهُماتٍ وَمُعالَجَةِ التَّبايُناتِ والتَّقاطُعاتِ على أَساسٍ كُلِّيٍّ وَلَيْسَ جُزْئِيًّا لِضَمانِ عَدَمِ تَفَجُّرِ بُؤَرِ خِلافٍ مُسْتَقْبَلِيَّة.

بِالنَّظَرِ إلى الوَقائِعِ الماثِلَة، يُلمَسُ أَثَرُ التَّدَخُّلِ الأَميرْكيِّ في التَّهْدِئَةِ بَيْنَ الرِّياضِ وَأَبوظَبي مِنْ خِلالِ تَحَرُّكاتِ مُسْعَد بولُس في الرِّياضِ وأبو ظَبي، ثُمَّ لِقاءُ واشِنْطُن الذي جَمَعَ روبْيو بِنَظيرِهِ السَّعودِيِّ فَيْصَل بِنْ فَرْحان، فَإِنَّ ما نَقَلَهُ مَوْقِعُ "الحُرَّة"، يُرَجِّحُ فَرَضِيَّةَ التَّدَخُّلِ الأَميرْكيِّ لِلتَهْدِئَةِ في خِلافَاتِ حُلَفَائِها بِالمِنْطَقَةِ عُمومًا المُنْخَرِطينَ في "الرُّباعِيَّة" على وَجْهِ الخُصوص، وَهَذا التَّحَوُّلُ قَدْ يَمْنَحُ مَسارَ سَلامِ السّودانِ دَفْعَةً إيجابِيَّةً وَفُرَصًا وَخُطُواتٍ لِلأَمامِ وَتَجاوُزَ الجُمودِ الذي أَصابَ هَذا المَسارَ مُؤَخَّرًا.

مِنْ المُؤَكَّدِ أَنَّ فَكَّ الِاشْتِباكِ الإِقْليميِّ بَيْنَ أَبْرَزِ أَطْرافِ "الرُّباعِيَّة" مُمَثَّلَيْنِ في السُّعودِيَّةِ والإِماراتِ سَيُسْهِمُ في إِحْياءِ هَذا المَسارِ وَزِيادَةِ الاهْتِمامِ بِالمَلَفِّ السّودانيّ، ومن خلال إِسْهامِ كلٍّ مِنهُما في لَعْبِ دَوْرٍ إيجابِيٍّ يَدْفَعُ قادَةَ الأَطْرافِ المَحَلِّيَّةِ المُنْخَرِطَةِ في الحَرْبِ لِلقَبولِ بِالسَّلامِ وَفْقَ شُروطِ "الرُّباعِيَّة" وَخَريطَةِ طَريقِها وَلَيْسَ وَفْقًا لِطُموحَاتِهِمْ أَوْ تَطَلُّعاتِ الأَطْرافِ الحَليفَةِ لَهُمْ خاصَّةً المُرْتَبِطَةَ بِحِزْبِ المُؤْتَمَرِ الوَطَنيِّ الذي كانَ يَقودُهُ الرَّئيسُ السّابِقُ عُمَر البَشير المُرْتَبِطِ بِـ"الإِخْوانِ المُسْلِمين". وَعِنْدَ حُدوثِ هَذا السّینارْيو يُمْكِنُ أَنْ يَقْتَرِبَ السَّلامُ مِنَ السّودان، أَمّا عَكْسُهُ فَمِنْ المُؤَكَّدِ أَنَّ الحَرْبَ سَتَسْتَمِرُّ بِوَتيرَةٍ أَعْنَفَ وَأَشَدَّ مِمّا سَبَقَ لِكَوْنِها سَتُعَبِّرُ عَنْ صِراعاتِ الأَطْرافِ الإِقْليمِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ تَمْثيلِها لِلأَطْرافِ المَحَلِّيَّةِ السّودانِيَّة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن