تَذَكَّرْتُ هَذا الفيلمَ مَعَ الأَحْداثِ المُتَلاحِقَةِ التي شَهِدَتْها المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ والعالَمُ مَعَ انْتِهاءِ عامِ ٢٠٢٥ وَمَطْلَعِ عامِ ٢٠٢٦. فَعلى المُسْتَوى العَرَبِيّ، شَمَلَتْ إِعْلانَ المَجْلِسِ الانْتِقاليِّ الجَنوبيِّ سَيْطَرَةَ قُوّاتِهِ على مُحَافَظَتَيْ حَضْرَمَوْتَ والمَهْرَةِ في اليَمَنِ وَما أَعْقَبَهُ مِنْ تَطَوُّراتٍ انْتَهَتْ بِإِعْلانِ قادَةِ هَذا المَجْلِسِ مِنَ الرِّياضِ حَلَّ المَجْلِسِ وَكُلِّ هَياكِلِهِ وَتَنْظيماتِه، واعْتِرافَ إِسْرائيلَ بِإِقْليمِ أَرْضِ الصّومالِ في مُخالَفَةٍ صارِخَةٍ لِلقَواعِدِ التي أَرْساها الاتِّحادُ الأَفْريقِيُّ وَمِنْ قَبْلِهِ مُنَظَّمَةُ الوَحْدَةِ الأَفْريقِيَّةِ ثُمَّ قِيامِ وَزيرِ الخارِجِيَّةِ الإِسْرائيليِّ بِزِيارَةِ الإِقْليمِ والالتِقاءِ بِقادَتِه، وَلِقاءَ الرَّئيسِ تْرامْب مَعَ رَئيسِ الوُزَراءِ الإِسْرائيليِّ نِتِنْياهو، واسْتِمْرارَ الانْتِهاكاتِ الإِسْرائيلِيَّةِ لاتِّفاقِ وَقْفِ إِطْلاقِ النّارِ في غَزَّةَ وَتَوَسُّعِها الاسْتيطانيِّ في الضَّفَّةِ الغَرْبِيَّة، وَتَدَخُّلاتِها العُدْوانِيَّةِ في سوريا وَلُبْنان. ثُمَّ تَدَخَّلَتْ أَميرْكا عَسْكَرِيًّا في سوريا - بِالتَّنْسيقِ مَعَ حُكومَتِها - لِضَرْبِ مَواقِعِ تَنْظيمِ "داعِش" في شَكْلِ غاراتٍ جَوِّيَّةٍ كَثيفَة، انْتِقامًا مِنَ التَّنْظيمِ لِقِيامِهِ بِهُجومٍ في مَدينَةِ تَدْمُر أَسْفَرَ عَنْ مَصْرَعِ جُنودٍ أَميرْكِيّين.
وَعلى المُسْتَوى الدَّوْلِيّ، اسْتَمَرَّتِ الحَرْبُ الرّوسِيَّةُ - الأوكْرانِيَّةُ مِنْ دونِ هَوادَة، وَكَذَلِكَ التَّبايُنُ بَيْنَ المَواقِفِ الأَميرْكِيَّةِ والأوروبِّيَّةِ تُجاهَ سُبُلِ تَسْوِيَتِها، وَوَجَّهَتْ واشِنْطُن في نيجيرْيا - بِالتَّنْسيقِ مَعَ حُكومَتِها - ضَرْبَةً عَسْكَرِيَّةً بِاسْتِخْدامِ صَواريخِ "كْروز" مِنْ طِرازِ "توماهوك"، على مَواقِعَ لِتَنْظيمِ "داعِش" وَجَماعاتٍ إِرْهابِيَّةٍ أُخْرى في شَمالِ غَرْبِ البِلاد، بِحُجَّةِ حِمايَةِ المَسِيحِيّينَ مِنْ اعْتِداءاتِ هَذِهِ التَّنْظيمات.
توظيف القوة في تجلياتها العسكرية والاقتصادية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة
تَرافَقَ ذَلِكَ مَعَ تَصْعيدِ الحِصارِ العَسْكَريِّ الأَميرْكيِّ على فِنِزْويلا، الذي بَلَغَ ذُرْوَتَهُ فَجْرَ السَّبْتِ ٣ يَنايِر/كانونِ الثّاني بِالهُجومِ على العاصِمَةِ كاراكاس، واقْتِحامِ القَصْرِ الجُمْهوريِّ والقَبْضِ على الرَّئيسِ نيكولاس مادورو مَعَ زَوْجَتِه، وَنَقْلِهِما إلى نيويورْك لِلمُحاكَمَةِ بِتُهَمٍ جِنائِيَّةٍ تَضَمَّنَتْ تَسْهيلَ تَهْريبِ المُخَدِّراتِ وَأَنْشِطَةِ الجَريمَةِ المُنَظَّمَة.
وَفي اليَوْمِ التّالي، كَرَّرَ الرَّئيسُ ترامْب أَنَّ أَميرْكا تَحْتاجُ إلى جَزيرَةِ غْرينْلانْد التّابِعَةِ لِدَوْلَةِ الدَّنْمارْكِ بِاعْتِبارِها تُمَثِّلُ أَوْلَوِيَّةً اسْتْراتيجِيَّةً لِلأَمْنِ القَوْميِّ الأَميرْكِيّ، وَذَلِكَ كَرَدِّ فِعْلٍ لِوُجودِ السُّفُنِ الصّينِيَّةِ والرّوسِيَّةِ التي تَمْلأُ المَكانَ -حَسَبَ قَوْلِه - والتي لا تَسْتَطيعُ الدّنْمارْكُ وَلا الاتِّحَادُ الأوروبِّيُّ مُواجَهَتَها، وَرَبَطَ تَحْقيقَ السَّيْطَرَةِ على الجَزيرَةِ بِجَوْهَرِ النُّفوذِ الأَميرْكيِّ في العالَم، وَهُوَ ما اسْتَدْعى رَفْضًا أوروبِّيًّا كَوْنَهُ عُدْوانًا على سِيادَةِ دَوْلَةٍ عُضْوٍ في حِلْفِ الأَطْلَسِيّ.
أَشارَ ترامْب أَيْضًا إلى أَنَّ فِنِزْويلا لَيْسَتْ نِهايَةَ المَطاف، وَأَنَّ هُناكَ دُوَلًا أُخْرى في أَميرْكا اللّاتينِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِضُغوطٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَتَدَخُّلاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ أَميرْكِيَّة، وَحَدَّدَ بِالاسْمِ كوبا وَكولومْبيا والمِكْسيك. وامْتَدَّتِ التَّهْديداتُ إلى إيران، فَتَوَعَّدَ حُكومَتَها بِالتَدَخُّلِ القَوِيِّ إِذا ما قامَتْ بِأَيِّ عَمَلٍ أَوْ إِجْراءٍ يُهَدِّدُ مَصالِحَ أَميرْكا أَوْ مَصالِحَ حُلَفائِها، وَحَذَّرَ طَهْرانَ أَيْضًا مِنْ مَغَبَّةِ اسْتِخْدامِ العُنْفِ ضِدَّ المُظاهَراتِ التي خَرَجَتْ في عَدَدٍ مِنَ المُدُنِ الإيرانِيَّة.
حالة عدم التوازن في هيكل النظام الدولي تؤدي إلى إيجاد البيئة التي تسمح لترامب بخلق حالة الفوضى والاضطراب
رَسائِلُ الرَّئيسِ الأَميرْكيِّ واضِحَةٌ لِلْعَيان، فَقَدْ أَحْيَتْ "مَبْدَأَ مونْرو" في مِنْطَقَةِ الأَميرْكَتَيْن، بِهَدَفِ تَحْقيقِ الهَيْمَنَةِ الأَميرْكِيَّةِ فيها، وَمُؤَدّاهُ تَوْظيفُ القُوَّةِ في تَجَلِّياتِها العَسْكَرِيَّةِ والاقْتِصَادِيَّةِ لِتَحْقيقِ الأَهْدافِ الاسْتْراتيجِيَّةِ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَة، واتَّسَعَتْ لِتَشْمَلَ دُوَلًا أُخْرى في العالَمِ لِتُثيرَ المَخاوِفَ مِنِ اتِّباعِ ترامْب لِسِياسَةِ "تَغْيِيرِ النُّظُم" بِالقُوَّة.
تَوالَتِ البَيانَاتُ الصّادِرَةُ مِنَ الدُّوَلِ التي انْتَقَدَتِ السُّلوكَ الأَميرْكِيّ، واعْتَبَرَتْهُ انْتِهاكًا لِمَبادِئِ القانونِ الدَّوْليِّ والأُمَمِ المُتَّحِدَة، وَلَكِنَّ أَيًّا مِنْها لَمْ يُقْرِنْ القَوْلَ بِالفِعْلِ وَلَمْ تَقُمْ أَيُّ دَوْلَةٍ بِسُلوكٍ عَمَلِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يُمَثِّلَ رَدْعًا لِتْرامْب وَسِياساتِه. فالصّين، ما زالَتْ تُعْطي الأَوْلَوِيَّةَ لِلبِناءِ الدّاخِليِّ وَتَعْظيمِ مُقَوِّماتِ قُوَّتِها الشّامِلَةِ وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّها لَيْسَتْ مُسْتَعِدَّةً في هَذِهِ المَرْحَلَةِ لِمُواجَهَةٍ مَعَ واشِنْطُن، وَروسِيا مُثْقَلَةٌ بِأَعْباءِ اسْتِمْرارِ الحَرْبِ في أوكْرانْيا التي تَعْتَبِرُها قَضِيَّةً وُجودِيَّة، لَها الأَوْلَوِيَّةُ المُطْلَقَةُ في سِياسَتِها الخارِجِيَّةِ وَتَسْعى لِلِاسْتِفادَةِ مِنْ مَوْقِفِ واشِنْطُن الأَقَلِّ تَشَدُّدًا تُجاهَ موسْكو بِشَأْنِ الحَرْبِ في أوكْرانْيا.
يَكْشِفُ هَذا الأَمْرُ عَنْ حَقيقَةِ عَلاقاتِ القُوَّةِ بَيْنَ الدُّوَلِ الكُبْرى في عالَمِ اليَوْم، الذي يَجْمَعُ بَيْنَ سِماتِ نِظامِ هَيْمَنَةِ القُطْبِ الواحِدِ مِنَ النّاحِيَةِ العَسْكَرِيَّة، وَبَيْنَ سِماتِ نِظامِ تَعَدُّدِ الأَقْطابِ مِنَ النّاحِيَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ - التِّكْنولوجِيَّة. وَتُؤَدّي هَذِهِ الحالَةُ مِنْ عَدَمِ التَّوازُنِ بَيْنَ العَسْكَريِّ مِنْ ناحِيَةٍ والِاقْتِصادِيِّ - التِّكْنولوجيِّ مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى في هَيْكَلِ النِّظامِ الدَّوْلِيّ، إلى إيجادِ المُناخِ أَوِ البيئَةِ التي تَسْمَحُ لِلرَّئيسِ الأَميرْكيِّ بِخَلْقِ هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الفَوْضى والاضْطِراب.
ترامب يطيح بالأسس والقواعد التي قام عليها النظام الدولي
وَلَعَلَّ ما تَقَدَّمَ لَمْ يَكُنْ كافِيًا، فَأصْدَرَ تْرامْب أَمْرًا تَنْفيذِيًّا بِانْسِحابِ أَميرْكا مِنْ ٦٦ مُنَظَّمَةً واتِّفاقِيَّةً دَوْلِيَّة، تَعْمَلُ في مَجَالاتِ البيئَةِ وَتَغَيُّرِ المُناخِ والسُّكّانِ والتَّعْليمِ وَمُكافَحَةِ الإِرْهابِ والهِجْرَة، وَبَرَّرَ ذَلِكَ بِأَنَّ نَشاطَ هَذِهِ المُنَظَّماتِ "لَمْ يَعُدْ يَخْدِمُ المَصالِحَ الأَميرْكِيَّة"، وَأَنَّ بَعْضَها يَعْمَلُ ضِدَّها، وَيَرْتَبِطُ بِأَجِنْداتٍ إيدْيولوجِيَّةٍ أَوْ سِياساتٍ مُناخِيَّةٍ أَوْ حَوْكَمَةٍ عالَمِيَّة، وَأَنَّ ذَلِكَ يُمَثِّلُ عِبْئًا مالِيًّا وَتَهْديدًا لِلسِّيادَةِ الوَطَنِيَّة. وأَثارَ هَذا القَرارُ بِدَوْرِهِ جَدَلًا واسِعًا في داخِلِ أَميرْكا وَخارِجِها، بِاعْتِبارِهِ تَراجُعًا عَنِ الالتِزاماتِ الدَّوْلِيَّةِ لِلأَمْنِ البيئيِّ وَحُقوقِ الإِنْسان، وَتَخَلِّيًا عَنِ الدَّوْرِ الأَميرْكيِّ في هَذِهِ المَجالاتِ مِمّا سَوْفَ يُحْدِثُ فَراغًا مالِيًّا وَسِياسِيًّا.
على مَدى سَنَواتٍ، دارَ الحَديثُ عَنِ العَوْلَمَة، وَأَنَّ مَشاكِلَ العالَمِ أَصْبَحَتْ عابِرَةً لِلحُدود، مِمّا يَتَطَلَّبُ مَزيدًا مِنَ التَّعاوُنِ الدَّوْليِّ مُتَعَدِّدِ الأَطْرافِ لِمُواجَهَتِها. سِياساتُ تْرامْب تَسيرُ في الاتِّجَاهِ المُخالِف، وَهُوَ يُطيحُ بِالأُسُسِ والقَواعِدِ التي قامَ عَلَيْها النِّظامُ الدَّوْلِيُّ المُعاصِر. وَفي حالَةِ اسْتِمْرارِ هَذِهِ السِّياسات، فَإِنَّها سَوْفَ تَقودُ إلى المزيدِ مِنَ الفَوْضى والسُّيولَةِ وَعَدَمِ اليَقينِ في العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

