صحافة

راهن الدول العربية: بين التفكك وإعادة التقسيم

عبد الحفيظ حمان

المشاركة
راهن الدول العربية: بين التفكك وإعادة التقسيم

لا يخفى على متتبع ما سبق أن تعرضت له البلاد العربية، وبالأخص المشرق العربي، من تجزئة وتقسيم، إثر الاتفاقية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والسياسي البريطاني مارك سايكس سنة 1916، والمعروفة باتفاقية سايكس بيكو. ومن المعلوم أن هذه الاتفاقية قامت على تفاهم سري بين فرنسا وبريطانيا، بموافقة روسيا القيصرية أيام نيكولا الثاني، لتجزئة البلاد العربية بين فرنسا وبريطانيا، وتحديد مناطق نفوذهما بعد تهاوي الدولة العثمانية، التي كانت تحكم تلك البلاد، وكان الإجهاز عليها وشيكا في الحرب العالمية الأولى. فرسمت حدودا جغرافية بين أقطار عربية مستحدثة، وتمت تسميتها بأسماء جديدة تم اختيارها بعناية، وكلها ترجع إلى أسماء وتاريخ ما قبل الإسلام. وأصبح لكل دولة رايتها وعملتها ونشيدها الوطني، وكأن المنطقة العربية كانت لعبة في أيدٍ تتحكم في مصائرها وأهلها.

في وقتنا الراهن، وبعد مرور ما يفوق قرنا عن هذه التجزئة، ما زال الماضي مفتوحا وكاشفا للمصالح والصراع الدائر في المنطقة العربية. فهي تحتل مكانة استراتيجية بارزة في الحسابات الأمريكية، وأهمية قصوى لمصالحها، ويظهر هذا جليا في التصريح الذي أدلت به سابقا وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت أمام مجلس الأمن قائلة: "نعتبر هذه المنطقة ذات أهمية قصوى للمصالح الأمريكية القومية". ويعكس التصريح، من جهة، التزام واشنطن التاريخي بـ"عقيدة كارتر"، ومن جهة أخرى، هو رسالة موجهة للمجتمع الدولي بأن الولايات المتحدة لاعب أساسي لا يمكن تجاوزه في الشرق الأوسط.

وتبعا لهذه السياسة، تعمل حاليا الولايات المتحدة، وهي الدولة الأقوى عالميا، على إعادة رسم خريطة المنطقة العربية، وفق رؤية أمريكية جديدة تصبح فيها هذه المنطقة خاضعة مطلقا للهيمنة والنفوذ الأمريكي. وضمن هذه الاستراتيجية تكون إسرائيل ركيزتها الأساسية في تقسيم المنطقة، ويدها الأولى في تحقيق تلك الهيمنة. خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم 27 سبتمبر الماضي وبعد لحظات قليلة من اغتيال حسن نصر الله زعيم حزب الله ليقول: نبدأ الآن رسم خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط. فما يحدث حاليا على الخريطة العربية يكشف ما يجري ترتيبه والإعداد له من السودان، إلى العراق، مرورا بسوريا، وباتجاه مصر، وإلى ليبيا، وصولا إلى اليمن جنوبا، وهناك مناطق أخرى ما زالت ستلحق بها في الوقت المحدد لها.

فقد صاغ برنارد لويس، العرّاب الصهيوني، لأمريكا سياستها في المنطقة العربية سنة 2005 ضمن تصريح طويل جاء فيه: "إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم، أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم". هذه السياسة تتعمدها أمريكا وضمنها الشرطي الإسرائيلي بأياد عربية تسمى "الأيادي القذرة"، فبعد أن جزّأ المستعمرون الأوائل المنطقة العربية إلى دويلات ورسموا حدودها بالحبر الأسود على خرائط من ورق، تعيد الولايات المتحدة حاليا تجزئة المجزّأ، ورسم الحدود على الأرض بسيول من الدماء والأشلاء؛ يعني صناعة منطقة تميّزها "حدود الدم" كما سماها الجنرال المتقاعد رالف بيترز، في مقالة بالعنوان نفسه نشرها في مجلة "القوات المسلحة الأمريكية" عدد يونيو 2006.

تشكل دولة السودان مسرحا واضحا لسياسة التقسيم والإذلال هذه، ففي بداية الثمانينيات من القرن الماضي، تجددت الحرب الأهلية وظهرت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق. فُتحت الأبواب الأمريكية أمامه فقام بزيارات لأمريكا في إطار جولات دبلوماسية لكسب الدعم لحركته، وتلقى دعوات من شخصيات مثل رئيس أمريكا في حينه جيمي كارتر. ومع وصول نظام الإنقاذ ذي التوجه الإسلامي إلى الحكم في السودان عام 1989، دعمت أمريكا فصل الجنوب بالكامل ووضعته في سلم أولوياتها، وغذت الصراع، إلى أن وصل الحال بالأطراف المتحاربة مبلغا من الإنهاك والاستنزاف فكان خيار توقيع اتفاق سلام هو الأرجح والأسلم للطرفين. فكانت النتيجة مؤتمر نيفاشا سنة 2005 ليسفر عن اتفاق سلام شكلي وخريطة انفصال حقيقية، فاستحدثت دولة جنوب السودان. وبعد تنفيذ هذا المخطط، أتى الدور على غرب السودان، إقليم دارفور الغني بالموارد والمعادن الطبيعية، وكذا الثروة الحيوانية والأراضي الزراعية الخصبة.

ولكي تستفرد بتلك الموارد حركت أداتها بطريقة الجنوب نفسها؛ حيث تمردت قوات الدعم السريع على المؤسسة العسكرية، وأعلنت الحرب التي قضت على الأخضر واليابس وكان ضحيتها الأبرياء، وما أصابهم من قتل واغتصاب، ونهب وخراب ودمار. بهذه الكيفية استخدمت الولايات المتحدة القوى العسكرية واستطاعت من خلالها إحكام قبضتها، وستشرف على إيقاف الحرب بعد نضوج الطبخة وتفرض قوات الدعم السريع على كامل إقليم دارفور، وإنشاء دويلة منفصلة؛ فيتحقق ما قاله وزير الخارجية مارك روبيو: "الرئيس ترامب يهتم بهذه القضية شخصياً، ولا يرسل مندوبين لفعل ذلك… لأنه القائد الوحيد في العالم القادر على إنهاء الحرب". هذا الأمر سينسحب على معظم بلدان المنطقة، فهو ليس وليد اللحظة، بل هو دراسات أنجزت في ردهات صنّاع القرار السياسي في الولايات المتحدة.

فقد سبق أن طرحه بريجنسكي، المستشار السابق للأمن القومي لدى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عام 1980 بقوله: "إن منطقة الشرق الأوسـط ستحتاج إلى تـصـحـيح الحـدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو ومقررات مؤتمر فرساي". وكما أسلفنا الذكر أنجز هذه الخطة كذلك برنارد لويس، وفي عام 1983 وافق الكونغرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية عليها وتم اعتمادها وإدراجها في ملفات السياسة الأمريكية الاستراتيجية لسنوات مقبلة.

وفعلا، تشير الأحداث الحالية في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، وليبيا، أن مجرى الأمور يسير في مضمار عبارتي "الفوضى الخلاّقة" و"الشرق الأوسط الجديد" اللتين صرّحت بهما وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في أبريل عام 2005 لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، وأن مؤشرات التقسيم والتجزئة قد لاحت في الأفق وهي تقوم على إعادة تشكيل الخريطة السياسية لهذه البلاد عبر تقسيم عدد من دولها إلى كيانات أصغر على أسس طائفية أو إثنية، بما يخلق واقعا جديدا يضمن لإسرائيل تفوقا إستراتيجيا طويل الأمد. ولا أدل على هذا التفوق الاستراتيجي للكيان الصهيوني هو اعترافه المنفرد باستقلال أرض الصومال ليستفيد من الموقع الجغرافي لهذه البلاد، ويتيح له وجودا جيوستراتيجيا إضافيا في منطقة قريبة من الشرق الأوسط؛ وذلك في ظل المخططات الأمريكية لتقسيم دول المنطقة إلى كيانات صغيرة متناحرة، ودعم صراعات النفوذ فيها لضرب بنيتها التحتية واستنزاف شعوبها وثرواتها.

إذن، بات واضحا أن ما يحدث اليوم هو إعادة رسم خريطة المنطقة وتجزئة دولها وإنتاج الانقسام بثوب جديد، لتبقى إسرائيل المستفيد الوحيد من شرق أوسط يتجزأ، ويظل العرب يعيشون في حالة وهن في هذه الرقع والمربعات رغم كثرتهم ورغم ما تملكه المنطقة العربية من موارد بشرية ومادية، غير أنهم غثاء كغثاء السيل.

(القدس العربي)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن