عِنْدَما نَقولُ دَأَبَتْ على مُمارَسَتِها، فَلِأَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ قَدْ قامَتْ بِالتَّوَسُّعِ الحَرْبيِّ وَهُوَ ما تُؤَكِّدُهُ القِراءَةُ التّاريخِيَّةُ لِمَسيرَتِها مُنْذُ نِهاياتِ القَرْنِ الثّامِنَ عَشَر. فَفي البَدْءِ كانَتِ الهِجْرَةُ إِلَيْها - قَسْرًا بِالأَساسِ مِنْ إِنْجِلتْرا وَأوروبّا - مِنْ قِبَلِ المُهاجِرينَ "البِيورِيتانِيّينَ" Puritans (الطُّهْرِيّونَ/الأَنْقِياءُ المُتَشَدِّدونَ دينِيًّا وَسِياسِيًّا)؛ تِلكَ الرُّؤْيَةُ التي حَمَلَها المُهاجِرونَ مِنْ أوروبّا إلى الأَرْضِ الجَديدَةِ ذاتِ النَّظْرَةِ الاسْتِعْلائِيَّةِ المُتَشَدِّدَةِ حِيالَ الآخَرِ غَيْرِ المُتَوافِقِ مَعَ قادَةِ العالَمِ الجَديدِ الذين راوَدَهُمْ حُلْمُ تَأْسيسِ أَرْضِ ميعادٍ جَديدَةٍ وَلَوْ كانَتْ على حِسابِ المُواطِنِينَ الأَصْلِيّينَ مِنَ الهُنودِ الحُمْر.
لِذا في سَنَةِ 1783م، شَرَعَتِ النُّخْبَةُ السِّياسِيَّةُ المُسْتَوْطِنَةُ العالَمَ الجَديدَ في قَتْلِ أَبْناءِ الأَرْضِ الأَصْلِيّينَ مِنَ الهُنودِ الحُمْر، ثُمَّ اتَّجَهوا، خِلالَ الفَتْرَةِ مِنْ 1801 إلى 1853م، إلى السَّيْطَرَةِ على كامِلِ الأَراضي الأَميرْكِيَّةِ المَعْروفَةِ الآن. فَعِنْدَما نالَتْ أَميرْكا اسْتِقْلالَها عَنْ بَريطانْيا كانَتِ الدَّوْلَةُ تَتَأَلَّفُ مِنْ 13 وِلايَةً فَقَطْ تَقَعُ حُدودُها بَيْنَ ساحِلِ المُحيطِ الأَطْلَسيِّ شَرْقًا وَنَهْرِ الميسيسيبّي غَرْبًا، وَكانُ عَدَدُ سُكّانِها يَتَجاوَزُ المَلايينَ الثَّلاثَةَ قَليلًا، ثُمَّ أَخَذَتْ في التَّمَدُّدِ جَنوبًا وَغَرْبًا وَشِمالًا.
وَبَيْنَ عامَيْ 1803 وَ1819 تَوَسَّعَتِ الدَّوْلَةُ الجَديدَةُ بِاتِّجاهِ لُويزْيانا وَفْلوريدا، ثُمَّ بَسَطَتْ نُفوذَها على تِكْساس وَأوريغون وَكاليفورْنيا ما بَيْنَ عامَيْ 1845 وَ1853. وَبِالأَخيرِ دانَتِ السَّيْطَرَةُ لِلنُّخْبَةِ الأَميرْكِيَّةِ السِّياسِيَّةِ الوافِدَةِ على مُعْظَمِ مَناطِقِ القارَّةِ الأَميرْكِيَّةِ سَنَةَ 1890 مِنَ الوَسَطِ وَالجَنوبِ وَالشَّمال، وُصولًا إلى أَقْصى الغَرْبِ الأَميرْكيِّ حَتّى ساحِلِ المُحيطِ الهادِئ. وَهَكَذا اكْتَمَلَتِ السِّيادَةُ التّامَّة، لَيْسَ فَقَطْ على الأَرْض، وَإِنَّما بِكُلِّ ما تَحْمِلُ مِنْ ثَرْوَاتٍ وَخَيْراتٍ وَمُقَدَّرات.
الخبرة الأوروبية للتوسُّع كانت في إطار التوازن الدولي بينما الخبرة الأميركية للتوسُّع مُرتبطة بإعمال الهيمنة
وَفي كِتابِنا "الإِمْبَراطورِيَّةُ الأَميرْكِيَّة: ثُلاثِيَّةُ الثَّرْوَةِ وَالدّينِ وَالقُوَّة"، وَصَفْنا هَذِهِ العَمَلِيَّةَ بِأَنَّها عَمَلِيَّةُ "تَوَسُّعٍ في الدّاخِل" الأَميرْكِيّ؛ تَمْييزًا عَنِ التَّوَسُّعِ الذي كانَتْ تُمارِسُهُ الدُّوَلُ الأوروبِّيَّةُ التي كانَتْ تَنْدَفِعُ فيهِ بِقُوَّةٍ خارِجَ حُدودِ القارَّةِ بَحْثًا عَنْ أَسْواق جَديدَة.
يُعَدُّ ما سَبَقَ أَحَدَ أَهَمِّ الِاخْتِلافاتِ التّاريخِيَّةِ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ وَأوروبّا فيما يَتَعَلَّقُ بِالنَّهْجِ التَّوَسُّعيِّ الذي اتَّبَعَتْهُ كُلٌّ مِنْهُما. بَيْدَ أَنَّهُ ما أَنِ اسْتَكْمَلَتِ النُّخْبَةُ البَيْضاءُ الطَّهْرانِيَّةُ الاسْتيطانِيَّةُ "العُنْفِيَّة" السَّيْطَرَةَ على كامِلِ أَراضي العالَمِ الجَديد (أَرْضُ الميعادِ الجَديدَةُ لَدى أَقْصى المُتَشَدِّدين) عَبْرَ التَّوَسُّعِ في الدّاخِلِ حَتّى انْتَقَلَتْ إلى التَّوَسُّعِ في مَجالِها الحَيَويِّ أَيْ في المُحيطَيْن: الهادئ وَالأَطْلَسِي.
نَجِدُ أَميرْكا في اتِّجاهِ المُحيطِ الهادئ، تُسَيْطِرُ على هاوايْ وَبيرْل هارْبور في سَنَتَيْ 1842 وَ1887، ثُمَّ جُزُرِ الميدْواي عامَ 1867، ثُمَّ جُزُرِ سامُوا سَنَةَ 1878، ثُمَّ جُزُرِ وَيْك سَنَةَ 1898. وَنَشِبَتْ مَعْرَكَةٌ في الفيليبّين عُرِفَتْ بِالحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ ـ الإِسْبانِيَّة، وَانْتَهَتْ بِسَيْطَرَةِ أَميرْكا على تِلْكَ الجُزُرِ الشّاسِعَةِ عامَ 1898. وَكانَتْ أَميرْكا قَدِ اشْتَرَتْ أَلاسْكا مِنْ روسِيا القَيْصَرِيَّةِ سَنَةَ 1867.
"كارتيل نفطي إمبراطوري" هدفه إخضاع الدول المنتجة لشروط السوق الإمبراطورية
أَمّا في اتِّجاهِ الأَطْلَسِيّ، فَنَجِدُ أَميرْكا تُسَيْطِرُ على جُزُرِ بورْتوريكو سَنَةَ 1898. ثُمَّ تَتَحَكَّمُ في قَناةِ بَنَما في عامَ 1903. وَكانَتْ قَدْ غَزَتْ فِنِزْويلا سَنَةَ 1895، وَجُزُرَ الدّومينيك 1905، وَنيكاراغْوا 1909، وَهايْتي وَكوبا وَالمَكْسيك.
هَكَذا تَوَسَّعَتْ أَميرْكا أَوَّلًا في الدّاخِل، ثُمَّ ثانِيًا مِنَ الدّاخِلِ إلى الخارِج.
وَبِالنَّتيجَة، انْعَكَسَ السُّلوكُ التَّوَسُّعِيُّ على رُؤْيَةِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ لِلعَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة، إِذْ تَلَبَّسَتْها الرّوحُ الإِمْبَراطورِيَّةُ على مَدى تاريخِها. وَفي هَذا المَقام، تُمَيِّزُ الأَدَبِيّاتُ بَيْنَ التَّوَسُّعِ الأوروبّيِّ وَالأَميرْكِيّ. فالخِبْرَةُ الأوروبِّيَّةُ لِلتَّوَسُّعِ كانَتْ في إِطارِ التَّوازُنِ الدَّوْليِّ لِلقُوى الأوروبِّيَّة، وَالذي مورِسَ في الخارِجِ وَانْعَكَسَ على الدّاخِل، بَيْنَما الخِبْرَةُ الأَميرْكِيَّةُ لِلتَّوَسُّعِ لَمْ تَكُنْ في إِطارِ تَوازُنِ القُوى، بَلْ كانَت دَوْمًا مُرْتَبِطَةً بِإِعْمالِ الهَيْمَنَةِ الأَميرْكِيَّةِ مِنْ قِبَلِ الطَّبَقَةِ الحاكِمَة تاريخِيًّا. في هَذا السِّياق، سَنُحاوِلُ فَهْمَ ما جَرى مُؤَخَّرًا في فِنِزْويلا.
في ضَوْءِ ما سَبَق، لا يُعَدُّ ما جَرى في فِنِزْويلا بَعيدًا عَمّا دَأَبَ عَلَيْهِ الأَميرْكِيّونَ تاريخِيًّا. فَمُنْذُ اللَّحْظَةِ التي تَصَدَّرَتْ فيها فِنِزْويلا عَناوينَ الأَخْبارِ بِوَصْفِها "دَوْلَةً فاشِلَة"، أَوْ "نِظامًا مَعْزولًا"، بَدا واضِحًا أَنَّ السَّرْدِيَّةَ الأَميرْكِيَّةَ حَوْلَ فِنِزْويلا هِيَ ذاتُها السَّرْدِيَّةُ التّاريخِيَّةُ التي تُبَرِّرُ التَّوَسُّعَ وَالغَزْوَ الأَميرْكِيَّ الإِمْبَراطورِيّ. سَرْدِيَّةٌ تَعْمَدُ إلى إِخْفاءِ الأَسْبابِ الحَقيقِيَّةِ لِلتَّحَرُّشِ الأَميرْكيِّ وَتَتَذَرَّعُ بِذَرائِعَ تُبَرِّرُ التَّدَخُّلَ العُنْفِيّ. وَالحَقيقَةُ التي لا يَخْتَلِفُ عَلَيْها اثْنانِ هُوَ أَنَّ فِنِزْويلا تَقِفُ فَوْقَ واحِدٍ مِنْ أَكْبَرِ احْتِياطِيّاتِ النَّفْطِ في العالَم (إِضافَةً إلى ثَرْواتٍ وَمَصادِرَ طَبيعِيَّةٍ أُخْرى كالذَّهَب) وَهُوَ مُعْطًى لَمْ يَكُنْ يَوْمًا تَفْصيلًا تِقْنِيًّا، بَلْ كانَ وَلا يَزالُ عامِلًا حاسِمًا في تَشْكيلِ عَلاقَتِها بِالإِمْبَراطورِيَّةِ الأَميرْكِيَّة. فالنَّفْط، مُنْذُ مَطْلَعِ القَرْنِ العِشْرين، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ سِلْعَةٍ اسْتْراتيجِيَّة، بَل كانَ أَداةَ سُلْطَةٍ وَهَيْمَنَة، وَعُنْصُرًا مَرْكَزِيًّا في إِعادَةِ تَشْكيلِ الدُّوَلِ وَالمُجْتَمَعاتِ وَالأَنْظِمَةِ السِّياسِيَّة.
فنزويلا استمرار لمسار أميركي طويل من الممارسة التوسّعية العنفية
مِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ فَهْمَ ما يَجْري في فِنِزْويلا اليَوْمَ يَسْتَحيلُ مِنْ دونِ تَفْكيكِ العَلاقَةِ التاريخِيَّةِ بَيْنَ النَّفْطِ وَالإِمْبَراطورِيَّة، وَبَيْنَ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ وَكارْتيلات/احْتِكاراتِ الطّاقَةِ العابِرَةِ لِلحُدود. لَقَدْ شَكَّلَتْ شَرِكاتُ النَّفْطِ الأَميرْكِيَّةُ الكُبْرى - في تَفاعُلِها مَعَ الدَّوْلَةِ الأَميرْكِيَّة - ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ"كارْتيلٍ نَفْطِيٍّ إِمْبَراطورِي"، لَمْ يَكُنْ هَدَفُهُ فَقَطْ ضَمانَ تَدَفُّقِ الطّاقَة، بَلْ إِخْضاعَ الدُّوَلِ المُنْتِجَةِ لِشُروطِ السّوقِ الإِمْبَراطورِيَّة، سِياسِيًّا وَاقْتِصادِيًّا.
على هَذِهِ الخَلفِيَّة، لا تَبْدو فِنِزْويلا اسْتِثْناءً، بَلِ اسْتِمْرارًا لِمَسارٍ طَويلٍ مِنَ المُمارَسَةِ التَّوَسُّعِيَّةِ العُنْفِيَّةِ عَبْرَ الحُروبِ وَالغَزَواتِ مارَسَتْهُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ الأَميرْكِيَّةُ على أَراضيها حَتّى اكْتَمَلَتْ مَعالِمُها ضِدَّ الهُنودِ الحُمْرِ ثُمَّ بَيْنَ الشَّمالِ وَالجَنوب، فيما وَصَفْناهُ بِالتَّوَسُّعِ في الدّاخِل، ثُمَّ التَّوَسُّعِ خارِجَها: أَوَّلًا في فَنائِها الخَلْفيِّ كَما أَشَرْنا سابِقًا. فَباقي العالَم: في إِيران (1953)، وَغْواتيمالا (1954)، وَتْشيلي (1973)، وَفيِتْنام، وَالعِراقِ وَكوسوفو، وَغَيْرِها مِنَ الحالاتِ التي تَقاطَعَتْ فيها السِّيادَةُ الوَطَنِيَّةُ على المَوارِد، مَعَ خُطوطٍ حَمْراءَ إِمْبَراطورِيَّةٍ لا يُسْمَحُ بِتَجاوُزِها.
غَيْرَ أَنَّ الفارِقَ الجَوْهَرِيَّ اليَوْمَ يَكْمُنُ في أَنَّ أَدَواتِ التَّدَخُّلِ لَمْ تَعُدْ هِيَ ذاتَها، وَأَنَّ الفاعِلينَ أَوِ الطَّبَقَةَ الحاكِمَةَ المُتَبَلْوِرَةَ وَالمُوَجِّهَةَ وَالمُنَفِّذَةَ لِمَبادِئِ الأَمْنِ القَوْميِّ الأَميرْكيِّ قَدْ تَغَيَّرَتْ جَذْرِيًّا (نُشيرُ هُنا إلى مَقالنا في "عروبة 22" تحت عنوان "عَقيدَةُ السِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ الأَميرْكِيَّة مِنْ مونْرو إلى ترامْب" / الجزء الأول – الجزء الثاني). فَلَقَدِ اخْتَلَفَتْ تِلكَ الطَّبَقَةُ/النُّخْبَةُ في طَبيعَتِها: طَبَقَةُ/نُخْبَةُ الآباءِ المُؤَسِّسين، ثُمَّ طَبَقَةُ/نُخْبَةُ المُجَمَّعِ الصِّناعيِّ العَسْكَريِّ التِّكْنولوجِيّ، فَطَبَقَةُ/نُخْبَةُ المُحافِظينَ الجُدُدِ السِّياسِيَّةُ وَالدِّينِيَّة، وَأَخيرًا وَصَلْنا إلى طَبَقَةِ/نُخْبَةِ "الأولِيغارْشيّينَ الجُدُد"؛ وَإِنِ اتَّفَقَتْ جَميعُها على اسْتِخْدامِ التَّوَسُّعِ/الغَزْو.
(خاص "عروبة 22")

