وجهات نظر

عقيدة السياسة الخارجية الأميركية... من مونرو إلى ترامب (2/2)

يُخضع الباحثون والاستراتيجيون والسياسيون رئيس الولايات المتحدة الأميركية - تاريخيًا - إلى الفحص والرصد وِفق أربعة محدّدات، الأول: مدى قدرته على تجسيد المبادئ الأساسية التي تَوافق عليها الآباء المؤسّسون. والثاني: طبيعة نظرته لما أطلقنا عليه التوسّع/التمدّد/التحرّك الأميركي في العالم. والثالث: كيف ينظر الرئيس الأميركي للعلاقات الدولية؟ والرّابع: الإدارة الاقتصادية داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية. إذ تشكّل تلك المحدّدات في مجملها ما بات يُعرف في السياسة الأميركية: مبدأ الرئيس الأميركي للأمن القومي، ومن ثم "عقيدة - Doctrine" الولايات المتحدة الأميركية الحاكِمة للسياسة الخارجية.

عقيدة السياسة الخارجية الأميركية... من مونرو إلى ترامب (2/2)

في ضوء ما استعرضناه في الجزء الأول من هذا المقال، يأتي سؤال: أين يمكن وضع "ترامب" في التصنيف الرباعي للرؤساء الأميركيين؟

حاول الكثير من المعنيين بالدراسات الأميركية الإجابة عن هذا السؤال منذ العهد الأول/فترة الرئاسة الأولى من "الزمن الترامبي"، وهو السّؤال الذي تجدّد مرة أخرى مع العهد الثاني/فترة الرئاسة الثانية التي انطلقت رسميًا في يناير/كانون الثاني الماضي.

تعتمد "القومية المتشدّدة الترامبية" على ضبط "البنى فوق القومية" أي قيادة القوى الدولية والإقليمية الصاعدة

للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من لفت النّظر إلى أنّ التصنيفات السابقة للرؤساء الأميركيين فيما يتعلق بعقيدة السياسة الخارجية التي يتمّ تبنّيها من قبلهم كانت تتحدّد وِفق التحوّلات العالمية من جانب وأوضاع الداخل الأميركي من جانبٍ ثانٍ، ومصالح المجمّع الصناعي العسكري التقني و"الكارتيلات" الكبرى من جانبٍ ثالث. بيد أنّ ما حاوله ترامب في عهده الأول، ويعمل على تحقيقه - بضراوة - في عهده الثاني يُعدّ انقلابًا على هذه التصنيفات مجتمعة. إذ يجمع ترامب التوجّهات الأكثر تشدّدًا في كلّ تصنيف، لذا هناك دراسات نُشِرَت مؤخّرًا صنّفت "ترامب" وإدارته بـ"القومية المتشدّدة".

وتعتمدُ "القومية المتشدّدة الترامبية" على: ضبط ما أطلق عليه أحد الباحثين "رقصة الأمم في القرن الواحد والعشرين"، أو حركة "البنى فوق القومية" التي نمَت خلال العقديْن الأخيريْن. أي قيادة القوى الدولية والإقليمية الصاعدة والبازغة وما نجَم عنها من تحالفاتٍ ذات تأثير في أكثر من صعيد مثل: بريكس، والجنوب العالمي، وأوبك بلس، آخذًا في الاعتبار "تراجع فكرة الغرب الهشّة"، بخاصّة مع الضعف الأوروبي المتنامي والذي يصل إلى حدّ "العجز" حسب ما ورد في التقرير السنوي لمؤتمر ميونيخ للأمن قبل سنوات (راجع مقالنا في "عروبة 22" المُعنون: ترامب وأوروبا: تعبئة شعبوية وإثارة نخبوية).

ترامب يهدف إلى فكّ الارتباط مع أي تحالفات تُـمثل عبئًا على أميركا

وفي هذا الإطار، يُميّز المؤرّخ والديبلوماسي السابق "مايكل كيمِدج" في الدراسة الافتتاحية لدوريّة "فورين أفيرز" (عدد مارس/آذار ــ أبريل/نيسان 2025) المُعنونة: "العالم الذي يرغب فيه ترامب: القوّة الأميركية في عصر القومية الجديد"؛ بين دلالة شعار "أميركا أولًا" الذي رُفع في ثلاثينيّات القرن الماضي والذي قام على مبدأ حماية الصعود الأميركي - آنذاك - وتجنّب تعثّر هذا الصعود، وبين ما يعنيه ترامب من "أميركا أولًا" الذي رفعه مجدّدًا. فترامب يهدف من خلال هذا الشعار إلى:

أولًا: إعادة تشكيل تحالفات الولايات المتحدة الأميركية في ضوء الحاجة، ما يعني فكّ الارتباط مع أي تحالفات تُـمثل عبئًا على أميركا.

ثانيًا: تخفيض التزاماتها تجاه المؤسسات والمعاهدات الدوليّة.

ثالثًا: تحقيق المصالح القومية العليا من دون التمسّك بتحقيقها وِفق أي معايير أو محدّدات إيديولوجية وإنما وفق إمّا بقاء الأمر الواقع على ما هو عليه، أو القوّة وإن تعارضت مع المواثيق الدولية وأدّت إلى تغيير جذري في "الجيوسياسات" المستقرّة والحقوق التاريخية.

ويشير "كيمِدج" إلى أنّ هناك قيادات سياسية عالمية تدعم هذا التوجّه وتتبنّاه عمليًا فيما يتعلق بمصالحها مثل: "بوتين (روسيا)، وشي جين بينغ (الصين)، ومودي (الهند)، وأردوغان (تركيا)"؛ الذين يتبنّون "سرديّات حضارية (ليست بالمعنى "الهانتينغتوني"، نسبةً إلى "صامويل هنتنغتون" صاحب أطروحة صدام الحضارات) تتيح لهم إعادة صياغة مصالحهم الاقتصادية الإقليمية والدولية"، بما يضمن لهم: أولًا: تعظيم مكاسبهم الاقتصادية والثرويّة، وثانيًا: اكتساب مواضع جيوسياسية جديدة (راجع دراستنا المُعنونة: ترامب بين تحوّلات الداخل الأميركي والصّراعات العالمية (الجزء الأول - الجزء الثاني) والتي نُشرت في "عروبة 22").

هل سيُكتب للانقلاب "الترامبي" النّجاح في ظلّ داخل أميركي مرتبك وعالم يعاني من تنافسية إمبريالية حادّة؟

في هذا السياق، يُعيد "ترامب" إعادة ترتيب البيت الأبيض، والسلطة التنفيذية لتمكينه من ممارسة "عقيدة القوميّة المتشدّدة" التي يمكن تصنيفها "كراديكالية شديدة التشدّد والمحافِظة" لصالح القاعدة الاجتماعية شديدة المحافظة: سياسيًا ودينيًا وإثنيًا واقتصاديًا؛ والمدعومة من الطبقة الأوليغارشية الرقمية الجديدة. تلك القاعدة التي أخذت على عاتقها الوفاء "بالوعد المحافظ" Conservative Promise؛ حسبما ورد فيما عُرِفَ بـ"مشروع 2025: توجّهات للقيادة المحافظة الجديدة الترامبية"؛ الذي صدر عن مؤسسة تراث الأميركية ومثّل "مانيفستو" الحملة الانتخابية لترامب، كما عبّر عن أحلام تلك القاعدة الاجتماعية الشديدة المحافظة.

ويبقى السؤال؛ هل سيُكتب لهذا الانقلاب "الترامبي" النّجاح في ظلّ داخل أميركي مرتبك وعالم يعاني من تنافسية إمبريالية حادّة؟... هذا ما سيجيب عنه المستقبل!.


لقراءة الجزء الأول

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن