اقتصاد ومال

مَخاطِرُ مُبادَلَةِ الدُّيون بِـ"الِاسْتِثمارات" وَتَجاهُلُ مَأْزِقِ الاقْتِصادِ المِصْرِي!

تَواتَرَتِ اقْتِراحاتُ مُعالَجَةِ أَزْمَةِ الدُّيونِ المَحَلِّيَّةِ والخارِجِيَّةِ المِصْرِيَّة، بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَتْ إلى كابوسٍ لِلدَّوْلَةِ والمُجْتَمَع، حَيْثُ تَجاوَزَتِ الأولى 13 تْريلْيونَ جُنَيْهٍ وَفْقًا لِلبَياناتِ الرَّسْمِيَّة، وَعاوَدَتِ الثَّانِيَةُ الِارْتِفاعَ لِتَبْلُغَ 163.7 مِليارَ دولارٍ في نِهايَةِ سِبْتَمْبِر/أَيْلول 2025. وَجاءَتِ الاقْتِراحاتُ مِنَ الحُكومَةِ وَرَئيسِها، وَأَيْضًا مِنْ رِجالِ أَعْمال، وَكُلُّها تَجاهَلَتِ الأَسْبابَ الحَقيقِيَّةَ لِلِاسْتِدانَةِ والمَطْلوبَ مُعالَجَتُها.

مَخاطِرُ مُبادَلَةِ الدُّيون بِـ

قَبْلَ تَقْديمِ اقْتِراحِهِ لِحَلِّ أَزْمَةِ الدُّيون، بَرَّرَ رَئيسُ الوُزَراءِ الإِفْراطَ في الاسْتِدانَةِ بِأَنَّهُ جاءَ لِلحِفاظِ على الاسْتِقْرارِ الاقْتِصاديّ - الاجْتِماعيّ وَلِمَنْعِ الانْكِماشِ الاقْتِصادِي. وَذَلِكَ التَّبْريرُ بَعيدٌ عَنِ الحَقيقَةِ لِأَنَّ الأَحْوالَ المَعيشِيَّةَ لِلفُقَراءِ والشَّرائِحِ الدُّنْيا مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسْطى تَدَهْوَرَتْ بِشِدَّةٍ بَعْدَ التَّخْفيضاتِ المُتَتابِعَةِ لِسِعْرِ صَرْفِ الجُنَيْهِ المِصْريِّ مُقابِلَ الدّولار، والتي أَشْعَلَتِ التَّضَخُّمَ وَأَضَرَّتْ بِالقُدُراتِ الشِّرائِيَّةِ لِلدخولِ وَرَفَعَتْ مُعَدَّلَ الفَقْرِ في مِصْر، وَهَذا الأَمْرُ لا يَصُبُّ في مَسارِ تَحْقيقِ الاسْتِقْرارِ الاقْتِصادي - الاجْتِماعي بِالتَّراضي، لِيَبْقى هَذا الاسْتِقْرارُ مَرْهونًا بِالضَّبْطِ الأَمْنيِّ وَبِتَحَفُّظِ الشَّعْب، حَتّى الآن، على الإِقْدامِ على مُواجَهاتٍ مَعَ الحُكومَةِ تُفْضي إلى مَسارٍ عَنِيف.

عجزٌ كبير في الميزان التجاري المصري وتراجُع نسبة الدَّين المحلي للناتج المحلي الإجمالي ناتج عن حيلة مالية ونقدية

أَمّا تَفادي الانْكِماش، فَقَدْ حَدَثَ فِعْلًا بِنُمُوٍّ مُتَوَسِّطٍ أَوْ أَقَلَّ مِنَ المُتَوَسِّطِ وَبِتَكْلُفَةٍ باهِظَةٍ هِيَ أَزْمَةُ المَدْيونِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ والخارِجِيَّة، والأَسْوَأ هُوَ أَنَّ النُّمُوَّ تَمَّ في قِطاعاتٍ غَيْرِ إِنْتاجِيَّة، مِثْلَ الأَنْشِطَةِ العَقارِيَّةِ وَخِدْماتِ الأَعْمالِ والاتِّصالات، بَيْنَما دَخَلَ قِطاعُ الصِّناعَةِ التَّحْويلِيَّةِ وَهُوَ أَهَمُّ قِطاعٍ مُحَرِّكٍ لِلتَّطَوُّرِ في الاقْتِصاداتِ النّامِيَة، في رُكودٍ عَميقٍ في العامِ الماليِّ 2022/2023، حَيْثُ بَلَغَ مُعَدَّلُ النُّمُوِّ فيه -3.4%، وَحَتَّى الصِّناعاتُ الاسْتِخْراجِيَّةُ كانَتْ في حالَةِ رُكودٍ وَبَلَغَ مُعَدَّلُ النُّمُوِّ فيها -1.3%. وَهَذا النُّمُوُّ لَمْ يُغَيِّرْ مِنْ مَأْزِقِ الاقْتِصادِ المِصْريِّ المُتَمَثِّلِ في انْخِفاضِ الإِنْتاجِ السِّلَعيِّ المَحَلّيِّ عَنِ الاحْتِياجاتِ المَحَلِّيَّة، مِمّا يُؤَدّي إلى حُدوثِ عَجْزٍ كَبيرٍ في الميزانِ التِّجاريِّ المِصْرِيّ، والذي بَلَغَ في الأَعْوامِ الخَمْسَة مِنْ 2019/2020 إلى 2023/2024، نَحْوَ 192.8 مِليارَ دولار.

وَتُفاخِرُ الحُكومَةُ بِأَنَّ نِسْبَةَ الدَّيْنِ المَحَلّيِّ لِلنّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْماليِّ قَدْ تَراجَعَتْ، لَكِنَّ ذَلِكَ التَّراجُعَ ناتِجٌ عَنْ حيلَةٍ مالِيَّةٍ وَنَقْدِيَّة. فَقَدْ أَدّى ارْتِفاعُ مُعَدَّلاتِ التَّضَخُّمِ إلى مُسْتَوَياتٍ قِياسِيَّةٍ مُنْذُ عامٍ 2017 وَحَتّى الآن، إلى تَقْليلِ نِسْبَةِ الدُّيونِ المَحَلِّيَّةِ إلى النّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْماليِّ بَعْدَ الزِّيادَةِ الكَبيرَةِ التي تَحْدثُ لِلأَخيرِ بِالأَسْعارِ الجارِيَةِ لِأَسْبابٍ تَضَخُّمِيَّةٍ وَلَيْسَ نَتيجَةَ زِيادَةِ الإِنْتاجِ كَمِيًّا، بَيْنَما يَتِمُّ احْتِسابُ الغَالِبِيَّةِ السّاحِقَةِ مِنَ الدُّيونِ المُتَراكِمَةِ بِجُنَيْهاتِ ما قَبْلَ التَّضَخُّم.

مُبادَلَةُ الدُّيونِ بِالاسْتِثْماراتِ على غِرارِ "رَأْسِ الحِكْمَة" تَعْني بَيْعَ الأَرْضِ والأُصول

تَرَكَّزَتِ الاقْتِراحاتُ الحُكومِيَّةُ التي لَخَّصَها رَئيسُ الوُزَراءِ في مَقالٍ لَه، في مُبادَلَةِ الدُّيونِ بِالاسْتِثْماراتِ لِتَخْفيضِ الالتِزَاماتِ الخارِجِيَّة، مِثْلَما حَدَثَ في عامٍ 2024 بَعْدَ بَيْعِ أَرْضِ "رَأْسِ الحِكْمَة" لِشَرِكَةٍ إِماراتِيَّة. واسْتَرْشَدَ رَئيسُ الوُزَراءِ في اقْتِراحِهِ بِتَحْويلِ 11 مِليارَ دولارٍ مِنَ الدُّيونِ المُسْتَحَقَّةِ لِدَوْلَةِ الإِمارات، إلى العُمْلَةِ المِصْرِيَّةِ لاسْتِخْدامِها في تَمْويلِ عَمَلِيّاتِها الاسْتِثْمارِيَّةِ في صَفْقَةِ "رَأْسِ الحِكْمَة"، مُتَجاهِلًا أَنَّ ذَلِكَ تَمَّ مِنْ خِلالِ الإِفْراطِ في الإِصْدارِ النَّقْديِّ بِكُلِّ تَبِعاتِهِ التَّضَخُّمِيَّةِ التي يُعاني مِنْها الفُقَراءُ والطَّبَقَةُ الوُسْطى أَساسًا، وَأَنَّ صَفْقَةَ بَيْعِ أَرْضِ "رَأْسِ الحِكْمَة" مَعَ اشْتِراطِ الحُصولِ على 35% مِنْ أَرْباحِ المَشْروع، تُكَرِّسُ نَمَطَ الاسْتِثْمارِ العَقاريِّ الذي لا يَحْتاجُهُ تَطَوُّرُ الاقْتِصادِ المِصْريِّ الذي يُعاني مِنْ فائِضٍ عَقاريٍّ هائِلٍ وَغَيْرِ مُسْتَخْدَم، والذي يَتَحَوَّلُ إلى مَخْزَنٍ لِلقيمَةِ والمُدَّخَراتِ وَتَجْميدِ رَأْسِ المال، وَلَيْسَ إلى قيمَةٍ اسْتِعْمالِيَّة.

بيع أرض مصر لاستثمارها عقاريًا يوجِد كيانات مملوكة للأجانب يُمكن أن تؤول إلى شركات من الكيان الصهيوني

إِنَّ ما يُسَمّيهِ رَئيسُ الوُزَراءِ بِمُبادَلَةِ الدُّيونِ بِالاسْتِثْمارات، يَعْني المَزيدَ مِنْ عَمَلِيّاتِ بَيْعِ ما تَبَقّى مِنْ أُصولٍ عامَّةٍ وَبَيْعِ أَرْضِ مِصْرَ إلى الدّائِنينَ لاسْتِثْمارِها عَقارِيًّا، أَوْ لِإِقامَةِ اسْتِثْماراتٍ أُخْرى عَلَيْها، مُقابِلَ تَصْفيرِ أَوْ تَخْفيضِ الدُّيونِ المُسْتَحَقَّةِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ بِقيمَةِ الأَرْضِ المُباعَةِ نَفْسِها. وَهَذا المَنْحى خَطيرٌ لِلغايَة، فالحُكومَةُ غَيْرُ الفَعّالَةِ اقْتِصادِيًّا تَسْتَنْزِفُ الأُصولَ المَمْلوكَةَ لِأَجْيالِ الأُمَّةِ لِمُعالَجَةِ أَزْمَةٍ خَلَقَتْها بِنَفْسِها. كَما أَنَّ ذَلِكَ البَيْعَ يوجِدُ كِياناتٍ مَمْلوكَةً لِلأَجانِبِ كُلِّيًّا في صورَةِ عَقاراتٍ أَوْ مَوانِئَ أَوْ حَتَّى مَطارات، يُمْكِنُ أَنْ تَؤولَ بِالتَّداوُلِ أَوِ الاسْتِحْواذِ إلى شَرِكاتٍ أُخْرى مِنْ دولٍ مُعادِيَةٍ وَمِنْ ضِمْنِها الكِيانُ الصُّهْيونِيّ، خاصَّةً أَنَّ الدَّوْلَةَ الأَكْثَرَ اهْتِمامًا بِتِلكَ المُبادَلَةِ هِيَ الإِماراتُ المُرْتَبِطَةُ بِشَكْلٍ وَثيقٍ بِذَلِكَ الكِيان، وَقامَتْ في الفَتْرَةِ الأَخِيرَةِ بِأَدْوارٍ سَلْبِيَّةٍ في اليَمَنِ لِتَقْسيمِه، مِمّا وَضَعَها في مُواجَهَةٍ خاسِرَةٍ بِشَكْلٍ عاصِفٍ مَعَ السُّعودِيَّة، وَفي الصّومالِ لِدَعْمِ تَقْسيمِهِ والسَّيْطَرَةِ على مَوانِئِهِ المُطِلَّةِ على خَليجِ عَدَنَ وَمَدْخَلِ بابِ المَنْدَب، وَفي السّودانِ لِتَمْزيقِهِ والاسْتِفادَةِ مِنَ الأَرْضِ الزِّراعِيَّةِ والمِياهِ والتَّمَوْضُعِ في مَوْقِعٍ حاكِمٍ لِنَهْرِ النّيل، فَضْلًا عَنِ اسْتِغْلالِ احْتِياطِيِّهِ مِنَ الذَّهَبِ الذي تَقَعُ غالِبِيَّةُ احْتِياطِيّاتِهِ تَحْتَ سَيْطَرَةِ عِصاباتِ "الدَّعْمِ السَّريع" التي تُمَوِّلُها، عِلمًا أَنَّ السّودانَ أَنْتَجَ 49.7 طُنًّا مِنَ الذَّهَب، بِما يُعادِلُ نَحْوَ 60.8% مِنْ إِجْماليِّ الإِنْتاجِ العَرَبيِّ مِنَ الذَّهَبِ عامَ 2023.

نِقاطُ الضَّعْفِ الرَّئيسِيَّةُ المَطْلوبُ مُعالَجَتُها لِتَجاوُزِ الأَزْمَة

يُعَدُّ غِيابُ فِقْهِ الأَوْلَوِيّاتِ والإِفْراطُ في مَشْروعاتِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ والعَقارِيَّةِ على حِسابِ الصِّناعَةِ التَّحْويلِيَّة، وَغِيابُ وَحْدَةِ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ الذي يُؤَدّي إلى تَسَرُّبِ إيراداتٍ كَبيرَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ لَها لِهَيْئاتٍ وَأَجْهِزَةِ الدَّوْلَة، وَعَجْزُ قِطاعِ الصِّناعَةِ التَّحْويلِيَّةِ عَنْ إِنْتاجِ ما تَحْتاجُهُ السّوقُ المِصْرِيَّة، مِمّا يُؤَدّي إلى ضَخامَةِ الوارِداتِ وَتَعَمْلُقِ العَجْزِ التِّجارِيِّ والعَجْزِ في ميزَانِ الحِسابِ الجارِي، هُوَ مِحْوَرَ الأَزْمَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ في مِصْر.

مَن يريد التصدي للأزمة عليه توحيد الموازنة العامة للدولة وإنهاء الإعفاء الضريبي التمييزي

وَقَدْ بَلَغَ عَجْزُ ميزانِ الحِسابِ الجارِي في العامَيْنِ 2024 وَ2025 على التَّوالي نَحْوَ -5.4% وَ-5.1% مِنَ النّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْمالِيّ، بِكُلِّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ اقْتِراضٍ مِنَ الخارِج، وَتَراجُعٍ في سِعْرِ صَرْفِ الجُنَيْهِ المِصْريِّ مُقابِلَ الدّولارِ بِكُلِّ تَبِعاتِهِ على مُعَدَّلَيْ التَّضَخُّمِ والفَقْر.

وَمَنْ يُريدُ التَّصَدِّيَ لِلأَزْمَة، عَلَيْهِ مُعالَجَةَ نُقْطَةِ الضَّعْفِ تِلكَ أَوْ "كَعْبَ أَخيل" الاقْتِصادِ المِصْرِيّ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا تَوْحيدُ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ بِحَيْثُ تَسْتَقْبِلُ وَحْدَها عائِدَ بَيْعِ الأَراضي العامَّةِ أَوِ اسْتِثْمارِها مِثْلَ أَراضي العاصِمَةِ الإِدارِيَّة، وَعَلَيْهِ إِنْهاءُ الإِعْفاءِ الضَّريبيِّ التَّمْييزيِّ بِالقانونِ لِشَرِكاتِ جِهازِ الخِدْمَةِ الوَطَنِيَّةِ العامِلَةِ في الِاقْتِصادِ المَدَنِيّ. أَمّا بَيْعُ أَرْضِ الدَّوْلَةِ لِلأَجانِبِ تَحْتَ مُسَمّى مُبادَلَةِ الدُّيونِ بِالاسْتِثْمارات، فَإِنَّهُ يَنْطَوي على مَخاطِرَ لا تَحْتَمِلُها مِصْر، فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ يَصُبُّ في مَسارِ اسْتِثْمارٍ عَقارِيٍّ غَيْرِ مَطْلوبٍ في بَلَدٍ مُتْخَمٍ بِفائِضٍ عَقارِيٍّ غَيْرِ مُسْتَخْدَمٍ إِلا كَمَخْزَنٍ لِلقيمَة.

أَمّا اقْتِراحاتُ رَجُلِ الأَعْمالِ حَسَن هَيْكَل بِخَفْضِ سِعْرِ الفائِدَةِ وَنَقْلِ مِلْكِيَّةِ قَناةِ السّوَيْسِ والبُنوكِ العامَّةِ إلى البَنْكِ المَرْكَزيِّ مُقابِلَ تَخْفيضِ أَوْ تَصْفيرِ الدُّيونِ المَحَلِّيَّةِ فَهِيَ مَوْضوعٌ لِمَقالٍ مُقْبِل!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن