في العقود الأخيرة لا نعرف ميليشيا وافقت على التصالح مع الدولة (أي إلغاء نفسها) ولو في مقابل كلّ ما طالبت به إبّان نضالها. أقول هذا بمناسبة، أو بمناسبات، ما يحدث في لبنان وسوريا والعراق... وليبيا والسودان... إلخ. في العراق خصوصاً تقاسمت ميليشياتُ "الحشد الشعبي" الدولةَ وفق حجم كل منها. ورئيس الحكومة نفسه يأتي من "الحشد". ومع ذلك، فإنّه لا أحد من هؤلاء يريد التخلّي عن سلاحه للدولة. وما الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية؟
3 أرباع الجيش و90 في المائة من الشرطة من طائفة "الحشد الشعبي"، وعندما تطوعوا لقتال "داعش" باستحثاثٍ من السيستاني، أُضيفت آلاف مؤلفة منهم إلى الجيش بقانون. ومع ذلك، فإن هناك ميليشيات عدة لها نواب ووزراء وموظفون كبار، لكنها تحتفظ بسلاحها ولا تقبل بنزعه لمصلحة دولتها (!). لماذا كل هذا التحشد؟ هل يخافون إذا فقدوا سلاحهم أن يفقدوا مناصبهم؟ أم لأنهم بالسلاح لا يزالون يسيطرون على مناطق غير شيعية ويخشون فقدها إن صاروا من دون سلاح؟ أم لأنهم في الحقيقة تابعون لجهاتٍ خارجيةٍ معروفة وهي التي تريد منهم أن يُبقوا على سلاحهم، وبالطبع ليس لمقاتلة إسرائيل؛ فهم ليسوا أهلاً لذلك، بل ربما لابتزاز الحكومة العراقية الضعيفة؟
ولا يحسبنّ أحدٌ أنّ إقليم كردستان أفضل حالاً. هناك قوات مشتركة (البيشمركة)، لكنّ كلاً من الحزبين الكرديين يحتفظ بميليشياه المسلَّحة، ولكلٍ منهما علاقات خارجية، وحتى عندما يختلفون مع الحكومة الاتحادية العراقية، فإنهم لا يستطيعون الاتفاق على برنامج مشترك للتفاوض. كما لا يتفقون الآن على المرشح الكردي لرئاسة الجمهورية العراقية! إنّ الطريف أنهم خائفون جميعاً الآن بسبب الأحداث في سوريا؛ أن يأتي الإرهاب "الداعشي" من سوريا إلى العراق! وقد وجد "الحشد الشعبي" لنفسه مهمةً، فذكر أنهم احتشدوا على الحدود العراقية - السورية للوقاية والحماية.
ولنمضِ إلى الوضع الذي لا يقل صعوبة: "حزب الله" أو ميليشياه بلبنان... فقد تحرش بإسرائيل مراراً، وانهزم في كلّ مرةٍ خلال السنوات الأخيرة، وفقد الآلاف من عناصره وقياداته؛ بمن فيهم أميناه العامَّان. ما عاد الحزب يستطيع مواجهة إسرائيل، فحاله ليست بأفضل من حال "الحشد الشعبي" بكثير. ومع ذلك، وبشكل شبه يومي، يقول أمينه العام، نعيم قاسم، أو أحد نوابه، إنه يرفض قرار الحكومة اللبنانية حصرية السلاح بيد الدولة، ويريد أن يُبقي على سلاحه لحين الجلاء الإسرائيلي عن لبنان وإطلاق سراح أسراه... ومطالب أُخرى. من هو صاحب الصلاحية في حماية الحدود؟ قوات الدولة بالطبع، لكن "الحزب" المكسور يأبى ذلك ويهدد ويتوعد.
ماذا يخاف "الحزب" من تسليم سلاحه؟ هل يخشى تضاؤل نفوذه السياسي؟ بالطبع لا، فحقوقه جزء من الحقوق الطائفية للشيعة، والكفة راجحةٌ لمصلحتهم، ولا يستطيع أحدٌ الانتقاص من حقهم، لكنهم مصرّون على الاعتصام بالسلاح. يشير سائر الخبراء إلى أنّ الرفض سببه التبعية لإيران و"الحرس الثوري" منذ الثمانينات، وكان حسن نصر الله يفاخر علناً بذلك. العراقيون حاولوا التفاوض مع إيران بشأن "الحشد الشعبي" وسلاحه من دون فائدةٍ حتى الآن. أفلا يمكن للبنانيين التفاوُض مع إيران بشأن سلاح "الحزب"؟ يقول بعض المسؤولين: هذا الأمر لا فائدة منه؛ إذ لم يَبقَ من المحور الشهير غير "الحزب" يمكن المراهنة عليه! لكن هل تقبل إيران بضرب الشيعة اللبنانيين باستمرار مقابل اعتصام "الحزب" بسلاحه من دون فائدة؟
ولنصل إلى الوضع السوري واشتباك الجيش السوري الجديد مع "قسد"، بعد توافقاتٍ تكررت حتى الأيام الأخيرة دونما إنفاذ. منذ 10 سنواتٍ، وبمساعدة القوات الأميركية، أنشأ أكراد سوريا مع "حزب العمال الكردستاني (التركي)" دويلة في شرق سوريا، تضم محافظاتٍ عدةً ومعظمَ مياهِ سوريا وأرضِها الزراعية وآبارِ بترولها. وكل ذلك بسبب النزاع الداخلي والانقسام. سيخسر الأكراد كثيراً من الموارد بالاتفاق، مع أنهم لا يستطيعون إبقاء سيطرتهم من دون الحماية الجوية الأميركية؛ فالأكثرية الشعبية في مناطقهم عربية. لكن ما العمل في الميليشيا الضخمة؟ قيل الانضمام إلى الجيش السوري الجديد. وما العمل مع العناصر المسلحة لـ"حزب العمال الكردستاني" وبقايا نظام الأسد الذين انضموا إليهم بعد هروب الأسد؟
من هذه الأمثلة يتبين أن الميليشيات لا تُصالح لحلّ نفسها، كما أنها كلما تضخمت صارت أشدّ استعصاءً على الحلّ. وقد تطمح إذا ازدادت قوتها إلى قسمة البلاد، وتجد حلفاء بالداخل والجوار لبلوغ ذلك: فكيف تُستعاد الدولة الواحدة؟
(الشرق الأوسط)

