تعمل الإدارة الأميركية في الوقت الراهن على بناء استحقاقات خطة ترامب حول قطاع غزة، بالتحرك في اتجاهات متعددة من أجل تنفيذ رؤية أميركية ستكون محل جدال في الفترة المقبلة بين مؤيد ومعارض ومتحفّظ، مما يؤكد أن الإدارة الأميركية ماضية في نهجها الذي تأخر كثيراً منذ طرح الرئيس ترامب خطته وانشغل لبعض الوقت في الحرب الروسية الأوكرانية.
واليوم يعود المسؤولون الأميركيون لدائرة الشرق الأوسط، مما يؤكد أن الإدارة ماضية في مسار محدد، رغم التجاذبات الأميركية الإسرائيلية الجارية حالياً والمتعلقة بقضايا تكتيكية في إدارة نقاط التحول في القطاع وليس بقضايا جوهرية، مما يؤكد أن الإدارة الأميركية ستعتبر غزة شأناً أميركياً وليس إسرائيلياً، مما يؤكد أيضاً حتمية الصدام، ولو على مستوى شكلي، بين واشنطن وتل أبيب.
وبصرف النظر عن الأسماء وخلفياتها السياسية والاقتصادية والأمنية، فهناك سؤال مهم يُطرح في هذا السياق: هل المجلس لغزة فقط أم للإقليم عامة أم للعالم ككل؟ وهل يمكن أن يكون مقدمةً لما هو آت؟ تشكيل المجلس خرج إلى النور من خلال قرار دولي، والولايات المتحدة ماضية في نهجها بغية إعادة ترتيب العالم انطلاقاً من غزة والشرق الأوسط، فهل المطروح بالفعل مجلس لإدارة العالم؟ وهل يكون بديلاً مؤقتاً أم دائماً للأمم المتحدة؟
هناك اتجاه لإعادة ترتيب العالم وفق رؤية أميركية خالصة هاجسها الرئيسي أن تظل الولايات المتحدة على رأس النظام الدولي لسنوات عديدة مقبلة، أي أن ما يجري من محاولات لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب مجرد نقاش أكاديمي لا يعني شيئاً بالنسبة لواشنطن التي تؤكد أن "من ليس معنا فهو ضدنا". صحيح أن مجلس السلام مختّص الآن بغزة، لكن من الوارد أن تحوّله واشنطن في وقت لاحق إلى مجلس دولي لتضم فيه كل الدول الداعمة، أو بالأصح شركاءَها في إطار التعامل مع نزاعات العالم. وهذا ما يؤكد أننا أمام مرحلة صعبة ومعقّدة في النظام الدولي، والذي تريد الولايات المتحدة تحويله لنظام دولي أميركي لضمان مصالحها، وفي القلب من ذلك قضية غزة وباقي ملفات الإقليم، اعتماداً على منطق القوة.
إن مجلس السلام قد يكون المقدمة لما هو آتٍ ومؤثر وفاعل، خاصة أن الشركاء المتعاملين مع الإدارة الأميركية سيمثلون إضافات مهمة للمخطط الأميركي حول ما يجري في مساحات أخرى من العالم، فيما تحاول دول أخرى، مثل الصين وروسيا، التعامل معه وفق التقسيم الراهن للدول المؤيدة والداعمة لهذا المعسكر أو ذلك. وسيزيد من هذه الحالة أن الأمم المتحدة تواجه مخططاً مناهضاً من الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، بإعلانات الخروج المتتالية من المنظمات الدولية والإقليمية، مما يرسم ملامح عالم جديد تتشكّل فيه الأطر الجديدة انطلاقاً من الشرق الأوسط، بصرف النظر عن طبيعة مجلس السلام أو أي نواة أخرى قد ترتبط به لاحقاً في إطار خطط السلام والتنمية والازدهار التي يدعو إليها الرئيس ترامب، وكبار مستشاريه الذين يرفعون شعار السلام الإقليمي والسلام الاقتصادي بديلاً عن السلام السياسي.
وبصرف النظر عن الموقف الإسرائيلي أو الإقليمي، فإننا أمام مرحلة مهمة في إطار إعادة صياغة المواقف والتوجهات بصورة تدريجية وعبر استراتيجية محدّدة، عبّرت عنها الولايات المتحدة من خلال استراتيجيتها للأمن القومي، مما يؤكد أن الاستحقاقات التي ستتم في الشرق الأوسط، وانطلاقاً من غزة، مقدمة حتمية للعمل في مناطق أخرى من الصراعات، بدليل ما طرحته الإدارة بشأن ملف الأمن المائي في دول حوض النيل، والدعوة لحل الصراعات الإقليمية.
ولهذا يمكن التأكيد أن نجاح مجلس السلام في مهامه سيدفع الولايات المتحدة للتحرك نحو تعميم تجربته، وإعادة بناء سرديات سياسية وأمنية واستراتيجية، تتعلق بما هو مطروح أميركياً ويعمل عليه الرئيس ترامب بقوة في بناء نظام دولي يواجه تعثر دور الأمم المتحدة، ويتجاوز نمط الشراكة في "الناتو".
إن الصراع المكبوت داخل "الناتو" بين الولايات المتحدة وبقية الأعضاء يدفع الرئيس الأميركي للدخول في خيارات أخرى واسعة، مع تجريب نهج بناء البدائل والانخراط في تنويع السياسات، مما يؤكد قدرةَ الولايات المتحدة على التحرك لتحقيق أهداف كبرى وفق سيناريوهات محكمة ستبدأ باستحقاق اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة.
(الاتحاد الإماراتية)

