العرب وتحديات الذكاء الاصطناعي

المُنْجَزاتُ العَرَبِيَّةُ في الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ خِلالَ 2025!

في عالَمٍ سَريعِ التَّطَوُّر، كَعالَمِنا المُعاصِر، تَتَسابَقُ فيهِ الدُّوَلُ المُتَقَدِّمَةُ نَحْوَ بَسْطِ نُفوذِها التِّكْنولوجيِّ الذَّكيِّ على الأَسْواقِ العالَمِيَّة، وَالمُنْتَجاتِ وَالخِدْماتِ بِأَنْواعِها؛ نَجِدُها تَسْعى بِاسْتِمْرارٍ لِلحِفاظِ على مَلامِحِ هَيْمَنَتِها على حَضارَةِ العَصْرِ بِصورَةٍ أَوْ بِأُخْرى. غالِبًا ما تُحاوِلُ تَعْميقَ وُجودِها الثَّقافيِّ وَهُوِيَّتِها وَخُصوصِيَّتِها، وَتَجْذيرَ ذَلِكَ في مُخْتَلِفِ كِياناتِ الدُّوَلِ وَالشُّعوبِ المُتَأَخِّرَة، لا فَرْقَ بَيْنَ كِيانٍ وَآخَر، ما دامَتْ جَميعُها باتَتْ رَهينَةً لِلتَّبَعِيَّةِ التِّقْنِيَّة، وَأَمْسى تَغَيُّرُها الاجْتِماعِيُّ مُرْتَبِطًا بِآلِيّاتِ التَّغْييرِ التِّكْنولوجيِّ لِلشَّرِكاتِ وَالمُؤَسَّساتِ العالَمِيَّةِ الكُبْرى المُنْتِجَةِ لِلذَّكاءِ المُصَنَّعِ الرَّهيب، بِكُلِّ ما لَهُ مِنْ تَأْثيرٍ في تَوْجيهِ العَقْلِ وَالتَّفْكيرِ الجَمْعيِّ لِلمُجْتَمَعاتِ البَشَرِيَّة.

المُنْجَزاتُ العَرَبِيَّةُ في الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ خِلالَ 2025!

في هَذا العالَم، الَّذِي نَعيشُهُ اليَوْم، أَصْبَحَ أَخيرًا، لا مَناصَ لِلعَرَبِ مِنْ خَوْضِ تَجْرِبَتِهِ الذَّكِيَّةِ الحالِيَّة، بِكُلِّ تَحَدِّياتِها وَمُخاطَراتِها. وَأَنْ يُحاوِلوا اللَّحاقَ بِالرَّكْبِ الدَّوْليِّ في مَجالِ الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ تَحْديدًا، ناهيكَ عَنِ المَجالاتِ الأُخْرى ذاتِ العَلاقَة، وَأَنْ تَكونَ لَهُمْ غاياتٌ وَأَهْدافٌ وَوَسائِلُ لِتَحْقيقِ ذَلِك.

لتحقيق التنمية والنهضة والتقدّم لا بد من بلوغ السيادة التقنية

لا شَكّ، أَنَّهُ مُنْذُ بِداياتِ القَرْنِ الحالِيّ، أَصْبَحَتِ الرُّؤى التَّنْمَوِيَّةُ العَرَبِيَّةُ تَتَّضِح، وَتَقْتَرِبُ مِنْ تِبْيانِ أَوْضاعِ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ بَيْنَ مُجْتَمَعاتِ العالَم، خُصوصًا فيما يَتَعَلَّقُ بِالرِّهاناتِ التِّقْنِيَّةِ في الصِّناعَةِ وَالتِّجارَةِ وَالإِدارَةِ وَالحَوْكَمَة، وَكُلِّ ما يَرْتَبِطُ بِوَسائِلِ التَّنْمِيَةِ العَرَبِيَّةِ الشّامِلَةِ في مُخْتَلِفِ بُلدانِنا شَرْقًا وَغَرْبًا. وَكانَتْ وَلَمْ تَزَلِ المُعادَلَةُ في غايَةِ الوُضوح: الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ المُتَخَلِّفَةُ في مُقابِلِ الدُّوَلِ الغَرْبِيَّةِ المُتَطَوِّرَة. وَمِنْ ثَمَّ، فَنَحْنُ العَرَبَ نَقَعُ في دائِرَةِ التَّبَعِيَّةِ التِّقْنِيَّة، وَالتي بِدَوْرِها تَعْني المَزيدَ مِنَ التَّبَعِيّاتِ الأُخْرى، شِئْنا أَمْ أَبَيْنا، خُصوصًا الاقْتِصادِيَّةَ وَالثَّقافِيَّةَ وَالسِّياسِيَّة.

لِذا، لا يَبْتَعِدُ المُفَكِّرونَ وَالباحِثونَ العَرَبُ اليَوْم، في هَذا المِضْمارِ خاصَّة، عَنِ الاتِّفاقِ على أَنَّهُ لِتَحْقيقِ آمالِنا في التَّنْمِيَةِ وَالنَّهْضَةِ وَالتَّقَدُّم، لا بُدَّ مِنْ بُلوغِ غايَةِ السِّيادَةِ التِّقْنِيَّة (الذَّكِيَّة)، وَالتي تَعْني أَيْضًا سِيادَةَ الهُوِيَّة، اللُّغَةِ وَالثَّقافَةِ العَرَبِيَّة... وَهَذِهِ بِدَوْرِها - كَما أَشَرْنا في أَكْثَرَ مِنْ مَقالٍ سابِق - لا تَتَحَقَّقُ مِنْ دونِ الاسْتِقْلالِيَّةِ التِّقْنِيَّة، وَالفِكاكِ مِنَ الاعْتِمادِ على الأَجْنَبيِّ الغَرْبيِّ المُتَقَدِّمِ في مَجالِ الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ على وَجْهِ الخُصوص.

على ذَلِك، لا يَخْفى على المُراقِبِ وَالمُتابِعِ لِلتَّطَوُّراتِ العَرَبِيَّةِ في السَّنَةِ الماضِيَة (2025)، أَنَّ هُناكَ أَهْدافًا وَمَساراتٍ وَنَشاطاتٍ بِعَيْنِها في هَذا الشَّأْن، يُمْكِنُ إِجْمالُها كَما يَلي:

تَتَرَكَّزُ الأَهْدافُ في خَمْسَةٍ رَئِيسِيَّة:

1. بِناءُ أَدَواتٍ عَرَبِيَّةٍ ذَكِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَمُنافِسَة.

2. دَعْمُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَلَهَجاتِها المُتَعَدِّدَة.

3. فَهْمُ الثَّقافَةِ العَرَبِيَّةِ وَالإِسْلامِيَّة.

4. الحِفاظُ على التُّراثِ العَرَبيِّ وَالإِسْلامِيّ.

5. نَشْرُ الثَّقافَةِ التِّقْنِيَّةِ وَالوَعْيِ بِالوَسائِلِ الذَّكِيَّةِ في المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّة.

أَمّا المَساراتُ البارِزَةُ لِتَحْقيقِ الأَهْدافِ المَذْكورَة، فَهِيَ على الأَقَلِّ سِتَّةٌ، بِمُخْتَلِفِ نَشاطاتِها، وَهِيَ:

1. إِنْشاءُ بُنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ لِلذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ.

2. تَطْويرُ قِطاعاتِ التَّنْمِيَةِ الأَساسِيَّة (التَّعْليمِ وَالصِّحَّةِ وَالأَعْمالِ وَالخِدْمات).

3. جُهودُ الاسْتِثْمارِ وَضَخُّ أَمْوالٍ طائِلَةٍ بِخُصوصِه.

4. رَقْمَنَةُ الثَّقافَةِ وَالتُّراث.

5. التَّشْجيعُ على تَخَصُّصاتِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعيِّ وَالمَعْلوماتِيَّة.

6. التَّعاوُنُ الكَبيرُ مَعَ الشَّرِكاتِ الأَجْنَبِيَّةِ المُتَخَصِّصَة.

بلدان عربية حققت نجاحات متفاوتة وبعضها تميّز عالميًا

وَالحَقيقَةُ أَنَّ البُلدانَ العَرَبِيَّةَ عُمومًا، بَذَلَتْ جُهودًا مُخْتَلِفَةً في هَذِهِ المَساراتِ الحَيَوِيَّة، وَحَقَّقَتْ فيها نَجاحاتٍ مُتَفاوِتَة، صَدَرَتْ بِشَأْنِها تَقاريرُ مَحَلِّيَّةٌ وَدَوْلِيَّة، وَبَعْضُها تَمَيَّزَ عالَمِيًّا مِثْلَ بَعْضِ المَشاريعِ الذَّكِيَّةِ الخَليجِيَّة.

نَذْكُرُ بَعْضَ أَهَمِّ الأَمْثِلَةِ العَرَبِيَّةِ في هَذا السِّياق، خاصَّةً المِنَصّاتِ وَالنَّماذِجَ اللُّغَوِيَّة، كَما أُعْلِنَ عَنْها أَوْ أُطْلِقَتْ خِلالَ العامِ المُنْصَرِم:

- بِدايَةً، طُرِحَتْ مُبادَراتٌ اسْتْراتيجِيَّةٌ وَطَنِيَّةٌ عِدَّة، مِنْ بُلدانِ الخَليجِ العَرَبِيِّ وَمِصْرَ وَالمَغْرِبِ العَرَبِيّ، وَمِنْها ما عُرِضَ في مُؤْتَمَراتٍ عالَمِيَّةٍ بارِزَةٍ في مَجالِ التِّكْنولوجْيا المُتَقَدِّمَةِ وَالذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، مِثْلَ "مَعْرِضِ الخَليجِ لِتِقْنِيَّةِ المَعْلومات" (GITEX) في دُبَي، وَ"القِمَّةِ العالَمِيَّةِ لِلذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ - قَطَر 2025" (World Summit AI).

- في ليبْيا، عُرِضَ مُلحَقُ الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ ضِمْنَ اسْتْراتيجِيَّةِ التَّعْليمِ العالي وَالبَحْثِ العِلْميِّ لِلعَشْرِيَّة (2025-2035)، إِلى جانِبِ مُلْحَقِ التَّعْليمِ الإِلِكْتْرونِيّ، وَمُلْحَقِ تِكْنولوجْيا المَعْلوماتِ وَالاتِّصالات.

- أُطْلِقَ تَطْبيقُ "عَلّام" لِلمُحادَثَة، كَنَموذَجٍ لُغَوِيّ، يُعْتَبَرُ الأَوَّلَ مِنْ نَوْعِهِ عَرَبِيًّا، مِنْ السُّعودِيَّة، مُخَصَّصًا لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَلَهَجاتِها، وَخِدْماتِ المُحْتَوى الرَّقْمِيّ، يُراعي الثَّقافَةَ وَالقِيَمَ العَرَبِيَّة.

- إِطْلاقُ قَطَرَ لِمِنَصَّةِ "فَنار 2.0" مُتَعَدِّدَةِ الوَسائِطِ لِلذَّكاءِ الِاصْطِناعيِّ التَّوْليدِيّ، لِتَعْزيزِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَمُعالَجَةِ اللَّهَجاتِ وَالنُّصوصِ وَإِنْتاجِ المُحْتَوى الرَّقْميِّ مُتَوافِقًا مَعَ البيئَةِ العَرَبِيَّة.

- أَمّا بِشَأْنِ الجاهِزِيَّةِ التِّقْنِيَّة، فيما يَتَعَلَّقُ بِالبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَالتَّعْليمِ وَالتَّدْريبِ وَالتَّطْويرِ في الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، صُنِّفَتِ الإِماراتُ "الأَكْثَرَ نُضْجًا" (Maturity)، في مَشاريعِها الذَّكِيَّةِ الحالِيَّةِ وَالمُسْتَهْدَفَة.

غَيْرَ أَنَّهُ بِالمَنْظورِ التَّقْييميِّ العامِّ لِأَهَمِّ المُنْجَزاتِ العَرَبِيَّةِ في مَجالِ الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ لِلعامِ الفائِت، تَبْرُزُ مُلاحَظاتٌ بِشَأْنِ المَخاطِرِ وَالتَّحَدِّياتِ لِهَذِهِ الإِنْجازاتِ على أَهَمِّيَّتِها الكَبيرَة، مِنْها:

الكفاءات والقدرات البشرية العربية لم تزل تُعاني من ضعف في التعامل مع التكنولوجيا المتقدّمة والتخطيط للمستقبل

- إِذا ما نَظَرْنا إلى مُسْتَوَياتِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الرَّقْمِيَّةِ لِهَذِهِ البُلدانِ العَرَبِيَّة، فَهِيَ عَمَلِيًّا لَيْسَتْ مُتَساوِيَة، وَضَعيفَةٌ نِسْبِيًّا، سِيَّما في سُرْعَةِ الإِنْتِرْنِت، وَمَراكِزِ البَياناتِ المُسْتَخْدَمَة، وَمَوارِدِ الحَوْسَبَة، ما يَنْعَكِسُ في ضَعْفِ تَفْعيلِ التَّطْبيقاتِ الذَّكِيَّةِ المُنْتَجَةِ وَأَدائِها لِخِدْماتِها المُتَوَقَّعَة، أَوْ نَشْرِها، أَوْ تَدْريبِها.

- نَقْصُ النُّصوصِ العَرَبِيَّةِ التي يَجِبُ تَوَفُّرُها بِكَمِيَّاتٍ ضَخْمَة، لِتَدْريبِ النَّماذِجِ الذَّكِيَّةِ المُصَنَّعَةِ عَرَبِيًّا. وَالواقِعُ أَنَّ هَذِهِ النَّماذِجَ تَعْتَمِدُ بِشَكْلٍ كَبيرٍ على النُّصوصِ الأَجْنَبِيَّةِ المُتَرْجَمَة.

- تَبْقَى أَيْضًا مَسْأَلَةُ تَوافُرِ الكَفاءاتِ وَالقُدُراتِ البَشَرِيَّةِ العَرَبِيَّة، التي لَمْ تَزَلْ تُعاني مِنْ بَعْضِ النَّقْصِ وَالضَّعْفِ في التَّعامُلِ مَعَ التِّكْنولوجْيا المُتَقَدِّمَةِ في الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، وَالتَّخْطيطِ لِلمُسْتَقْبَلِ في هَذا المَجال.

- هَذا، بِالإِضافَةِ إِلَى مَسْأَلَةِ التَّشْريعاتِ ذاتِ الصِّلَة، وَالدَّعْمِ الحَوْكَميِّ المَطْلوبِ لِتَنْظيمِ اسْتِخْدامِ الأَدَواتِ الذَّكِيَّة، وَحِمايَةِ الحُقوقِ وَالابْتِكارات، وَالخُصوصِيَّةِ المَعْلوماتِيَّة، وَالأَخْلاقِيَّات، فَضْلًا عَمّا يُلاحَظُ مِنْ تَباطُؤِ التَّحَوُّلِ الرَّقْميِّ العَرَبيِّ بِعامَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن