نَجِدُ الفَرْدَ الذي يُلَخِّصُ نَموذَجَ تَوَلّي السُّلطَةِ في البِلادِ العَرَبِيَّة، فاقِدًا لِأَيِّ اعْتِرافٍ اجْتِماعِيٍّ أَوْ أَيِّ حُضورٍ نَوْعِيٍّ يُذْكَرُ في دينامِيّاتِ هَذا المَجالِ العام. لِأَنَّهُ يَتَّكِئُ على رَوابِطَ لا شَرْعِيَّةٍ في المَنْظورِ الدّيموقْراطِيّ، وَهِيَ رَوابِطُ النَّسَبِ وَفَسادُ الوَساطَةِ وَلوبِيّاتُ الحِمايةِ التي تُوَطِّدُ لَهُ أَسْبابَ الصُّعودِ وَالتَّمَكُّن.
وَعَلَيْه، فَخَطَرُ هَذِهِ الرَّوابِطِ على الدَّوْلَةِ لا يَتَحَدَّدُ في إِفْسادِ المُؤَسَّساتِ فَقَط، بَل يَتَعَدّاهُ إلى مَنْحِ مَعْنًى مَغْلوطٍ لِمُمارَسَةِ السُّلطَةِ لَمّا تَتَحَدَّدُ بِقَراراتِ هَؤُلاءِ الأَفْرادِ المُنَصَّبينَ بِإِرادَةِ شَبَكاتٍ رَيْعِيَّةٍ نافِذَة. بِذَلِكَ نَكونُ أَمامَ بُنْيَتَيْنِ مُتَقابِلَتَيْن: بُنْيَةٍ رَيْعِيَّةٍ تَتَحَكَّمُ في العَلاقاتِ وَاحْتِكارِ السُّلطَة، وَبُنْيَةِ الدَّوْلَةِ التي تَظَلُّ في هَذِهِ الحالَةِ شارِدَة، لا تَتَنَبَّهُ إِلَّا لِمُمارَسَةِ العُنْفِ الذي يَتِمُّ غالِبًا بِإيعازٍ مِنْ هَذِهِ الشَّبَكَةِ كُلَّما هُدِّدَتْ مَصالِحُها الذّاتِيَّة. هَذا ما عَبَّرَ عَنْهُ الكَثيرُ مِنَ السِّياسِيّينَ "بِالانْقِلابِ على الدَّوْلَة" وَإِفْقادِها لِوَظائِفِها الرَّئيسَةِ في تَرْسيخِ المَنْفَعَةِ العامَّة. بِحَيْثُ باتَ يُرى في خِطابِ "المَصالِحِ العُمومِيَّة" شَكْلًا ديماغوجِيًّا وَفي مَعْنى "السُّلطَة" أَداةً لِتَحْقيقِ المَنافِعِ الذَّاتِيَّةِ وَالخَلاصِ الشَّخْصِيّ.
النخبة الريعية توغّلت داخل مفاصل الدولة عبر شبكات موسّعة تحكُمها الولاءات والخضوع لإرادتها
لَمْ تَعُدِ السُّلْطَةُ وَظيفَةً لِتَثْبيتِ مَنْزِلَةِ الدَّوْلَة، وَإِنَّما رَأْسَمالًا رَمْزِيًّا ذاتِيًّا في مِلْكِيَّةِ أَشْخاصٍ ذاتِيّينَ لِمُمارَسَةِ الهَيْمَنَةِ بِمُخْتَلَفِ مُسْتَوياتِها. بِذَلِكَ يَخْتَلِطُ حُكْمُ الدَّوْلَةِ بِتَضارُبِ المَصالِح، وَيَتَقَوّى نُفوذُ الشَّبَكاتِ الرَّيْعِيَّةِ وَالمافياتِ المُقَنَّعَة، وَبِهِ تَنْشأُ مَرْكَزِيَّةٌ نُخْبَوِيَّةٌ تَجْعَلُ مِنَ الرَّيْعِ وَالتَّحَكُّمِ في تَوْزيعِ المَناصِبِ خَريطَةً مِنْ خَرائِطِ مُمارَسَةِ السُّلطَةِ وَإِبْقاءِ الدَّوْلَةِ شَكْلًا رَمْزِيًّا تابِعًا لَها. وَمِنْ مَظاهِرِ ذَلِك، تَحَوُّلُ القَرارِ السِّياسيِّ مِنْ كَوْنِهِ قَرارًا صادِرًا مِنْ جِهازٍ داخِلِيٍّ مُحايِدٍ يُعَبِّرُ عَنْ مَكْنونِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ وَرَمْزِيَّةِ قُوَّتِها الشَّرْعِيَّة، إلى قَرارٍ سِياسِيٍّ مَصْنوعٍ وَمُتَحَيِّز، يَسْتَعْمِلُ الدَّوْلَةَ مِنَ الدّاخِل؛ لِأَنَّهُ موجَّهٌ مِنْ تِلكَ النُّخْبَةِ الرَّيْعِيَّةِ التي تَوَغَّلَتْ داخِلَ مَفاصِلِ الدَّوْلَةِ وَباتَتْ تُمَثِّلُها مِنْ خِلالِ مُؤَسَّساتِها عَبْرَ شَبَكاتٍ موسَّعَةٍ تَحْكُمُها الوَلاءاتُ وَالخُضوعُ لِإِرادَتِها.
لا يُصْبِحُ هُنا تَضارُبُ المَصالِحِ تَجاوُزًا لِلقانونِ وَإِضْرارًا بِكِيانِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ فَقَط، وَإِنَّما تَضَخُّمًا لِشَكْلٍ مِنْ أَشْكالِ السُّلطَةِ القائِمِ على المُقايَضَةِ وَإِنْتاجِ المَنافِعِ بِالقَدْرِ الذي يُثَبِّتُ مَوْقِعَ هَذِهِ النُّخْبَةِ وَيَخْلُقُ لَها فَضاءً موازِيًا لِلدَّوْلَة. سوسْيولوجِيًّا، يَظَلُّ النِّظامُ الإِدارِيُّ العامُّ الذي يَحْكُمُ كُلَّ عَمَلِيَّاتِ تَدْبيرِ وَتَسْييرِ مَرافِقِ الدَّوْلَة، وَفْقَ هَذا المَنْطِق، رَهِينَةً لِدينامِيّاتٍ سِياسِيَّةٍ يَتَمَأْسَسُ بِها تَبادُلُ المَنافِعِ وَيَتَوَطَّدُ الفَساد. وَهَكَذا تُصْبِحُ المَسْؤولِيَّةُ الإِدارِيَّةُ وَما يَتَرَتَّبُ عَنْها مِنْ قَرارات، فَضاءً غَيْرَ مَرْئِي، وَلَيْسَ مُوَثَّقًا، لِتَقْوِيضِ الجِدِّيَّةِ وَالمَسْؤولِيَّةِ المواطِنَةِ وَالاجْتِهادِ في التَّضْييقِ على الكَفاءاتِ وَذَوي النِّيّاتِ الحَسَنَة.
الطابع الشرعيّ للدول العربية يُبنى على انتقاء الأشخاص الأكثر ولاءً للشبكات الريعية
ما يُمْكِنُ تَحْصيلُه، أَنَّنا في بِلادِنا العَرَبِيَّةِ لَسْنا أَمامَ عَجْزٍ تِقْنِيٍّ أَوْ افْتِقارٍ لِلكَفاءاتِ وَرِجالاتِ دَوْلَةٍ نُظَفاء، بَل أَمامَ مَنْظومَةِ حُكْمٍ مَنْخورَة، تَقومُ أَساسًا على الجَمْعِ بَيْنَ المالِ وَالسُّلطَة، وَتَسْتَمِدُّ قُوَّتَها مِنْ هَيْمَنَتِها على أَجْهِزَةِ الدَّوْلَةِ وَتَوْلِيَةِ شَبَكاتٍ طَيِّعَةٍ لَها تَتَحَكَّمُ فيما هُوَ رَمْزِيٌّ وَتَسْتَثْمِرُهُ كَما هِوَ الحالُ في كُرَةِ القَدَم، اليَوْم، وَفي كُلِّ ما هُوَ اقْتِصادِيٌّ وَإِدارِيٌّ وَاجْتِماعِيٌّ وَسِياسِي، مُمَثَّلًا في الأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ وَالمُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ وَالصَّحافَة. هَكَذا يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الطَّابَعَ الشَّرْعِيَّ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ يُبْنى على انْتِقاءِ الأَشْخاصِ الأَكْثَرَ وَلاءً لِلشَّبَكاتِ الرَّيْعِيَّة، في تَناقُضٍ تامٍّ مَعَ شَرْعِيَّةِ المُؤَسَّساتِ وَالمَبادِئِ الأَصْلِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

