ربما لم يشهد العالم في تاريخه المعاصر نموذجا في الجشع والصفاقة كالذي يمثله الرئيس الأمريكي الحالي. فهو يعيش خارج النبل الإنساني واللباقة الشخصية المتوقّعة من أبسط مواطن في أي بلد، فضلاعن رئيس كبرى دول العالم. والأغرب من ذلك أن يستمر في نهجه محاطا بكبار الوزراء والمسؤولين بدون أن يحرّك أحدٌ منهم ساكنا للاحتجاج على تصرفاته أو سياساته. كما أن من المستغرب جدّا أن ينتخبه الشعب الأمريكي أكثر من مرّة، حتى ترسّخت قناعته بالفوز في كل دورة، وينوي ترشيح نفسه لدورة رئاسية ثالثة. والمشكلة أنه لم يتوقف قط عن تصريحاته ومبادراته التي تثير التقزز لدى الكثيرين. وأصبح واضحا أن لديه شخصية انتقامية خاصّة، إذ يكيل الصاع صاعين لمن تحدّثه نفسه بانتقاد سياساته أو شخصه.
وينطلق في مواقفه، ليس على أساس المبدأ بل بلحاظ مردود ذلك على شخصه. وعندما تقلّصت حظوظه في نيل اعتراف دولي بما يدّعيه من توجهات سلمية، تمخض غضبه عن طرح ادّعاءات غير حقيقية، وقال إنه ساهم في وقف سبع حروب، الأمر الذي لم يحدث. ويستغرب ذوو العقول الحصيفة من ممارسات شخص يرأس كبرى دول العالم، وله دور في تحديد أمن الكرة الأرضية أو دمارها. وحتى الآن لم يجرؤ أحد من أعوانه على التحدّث بصراحة عن هذه الشخصية المعقّدة التي تدور حول محور واحد: جمع الثروة وتحقيق الجاه بأية وسيلة.
وما أكثر الأمثلة التي تكشف بعض هذه الجوانب. ففي الوقت الحاضر، أصبح نيل جائزة نوبل عقدته الأساسية. فقد كان يعتقد أنه جدير بها، برغم اضطراب شخصيته وتفكيره وسياساته. وحين لم ينلها أصبح كالثور الهائج. وكان ذلك واضحا حتى لزعماء الدول. لذلك أقدمت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو على خطوة غير مسبوقة بإعلانها إعطاءه ميدالية جائزة نوبل التي حازت عليها. مع أن ذلك أمر غير مألوف، ولا تقرّه اللجنة الدولية التي تنظمها. لكنه يعلم أنها ليست جائزته ولا تقنع العالم بأنه رجل سلام معترف به دوليا. فهو يعيش ازدواجية خاصّة بشخصه، يمثل أحد وجهيها دوافعه الشخصية وما ينجم عنها من أعمال حرب أو سلم، ويمثل وجهها الآخر، غياب استيعابه لحقائق التاريخ والواقع، وعلى رأسها أن القانون الطبيعي يأخذ مجراه دائما، وأن محاولات تجاوزه أو التلاعب عليه لا تنجح وإن استمرت بعض الوقت.
فجائزة نوبل لا تُمنح جزافا، بل أن وراءها فريقا دوليا واعيا يتمتع بقدر من التجرّد والموضوعية تمنعه من تسييسها. فلو حدث ذلك لفقدت قيمتها ولأصبحت عبئا حتى لمن يحظى بها. ويُفترض أن يكون رئيس كبرى دول العالم واعيا لهذه الحقائق بدلامن تجاوزها أو القفز عليها. فالقوة العسكرية العملاقة التي تملكها الولايات المتحدة الأمريكية لها حدود، وأنها لن تكون فاعلة إلا إذا كانت مدعومة بدبلوماسية فاعلة ودوافع أخلاقية ثابتة. وها هي أمريكا تشهد اضطراب ساحاتها الخلفية، وكيف أن السباق الدولي على النفوذ كاد يحرمها من التسهيلات العسكرية التي تحظى بها في جزيرة غرينلاند الخاضعة للسيادة الدنماركية.
جاءت القمّة الاقتصادية في دافوس لتشهد كواليسها نقاشات محتدمة وتفاوضا بين الدول الغربية بما فيها دور أوروبا وأمريكا، وكان ترامب قد قرّر فرض ضرائب على ثماني دول أوروبية اعترضت على قراره بضم جزيرة غرينلاند. ولكنه قرّر عدم تنفيذ ذلك القرار على أمل أن تصل دول الناتو إلى "إطار لاتفاق مستقبلي" وهو أمر رفضته الدنمارك وبعض الدول الأوروبية قائلة بأن الناتو لا يملك صلاحية الدخول في صفقة من هذا النوع. والواضح أن هناك تباعدا مستمرا بين ضفّتي الأطلسي، وأن عهد ترامب يعتبر من أسوأ الفترات على صعيد التعاون بين هذه الدول. ولذلك عمد ترامب لتشكيل ما أسماه "مجلس السلام" كفكرة كانت تهدف في الأصل لهيكلة إعادة إعمار غزة، إلا أن "ميثاقا" كشفت عنه إدارة الرئيس ترامب، جعل هذا المجلس يضطلع بمهام تشمل المساهمة في حل النزاعات المسلحة عبر العالم. ولكن حتى الآن لا يبدو هناك حماس دولي لهذا المجلس.
فقد أثارت الفكرة مخاوف لدى بعض الحكومات الأوروبية من أن الأمر قد يؤثر سلبا على عمل الأمم المتحدة، التي اتهمها ترامب بعدم دعم جهوده لإنهاء صراعات في أنحاء العالم. وأُرسلت دعوات ترامب لعضوية مجلس سلام إلى زعماء فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمجر وأستراليا وكندا والمفوضية الأوروبية وقوى رئيسية في الشرق الأوسط. وتشمل خطة "مجلس السلام" عشرين نقطة تهدف لإنهاء الحرب في غزة. ولكن الواضح أن "إسرائيل" مستمرة في القتل وأنها قتلت 464 فلسطينيا منذ إعلان وقف إطلاق النار.
ثمة تشكيك كبير في حقيقة نوايا الرئيس الأمريكي التي يختلط فيها المصلحة الشخصية بالمشروع السياسي الذي يُفترض أن يكون عالميا ومعتدلا وينطوي على قدر من العدالة وعدم الانحياز. ولكن يصعب تجاهل الدوافع الشخصية لدى الرئيس ترامب، تلك الدوافع التي أعرب عنها بوضوح قبل عام واحد. ففي الرابع من فبراير 2025 أعلن أن لدى الولايات المتحدة نية للسيطرة على قطاع غزّة وطرد الفلسطينيين منها. وقال إنه يخطط لتحويل غزة إلى منطقة سياحية لتضاهي منطقة الريفييرا الفرنسية.
جوهر الخطّة إبعاد مليوني فلسطيني مما بقي من أرض فلسطين، وبهذا يكون قد أضاف خطوة أخرى على طريق إكمال المشروع الإسرائيلي الهادف لاحتلال فلسطين كاملة، ثم التوسع شرقا. وبهذا تصبح خطة الرئيس ترامب واحدة من أبشع الخطط في تاريخ القضية، وتنطوي على تدخلات وحروب تتناقض مع روح جائزة نوبل. فبدلا من كبح جماح الاحتلال، واتخاذ خطوات عملية لتنفيذ مشروع الدولة الفلسطينية، يسعى ترامب لرسم خط فاصل بشكل دائم بين الأرض وسكانها الأصليين. فهو مشروع يتفوق في قبحه وانعدام إنسانيته على المشروع الصهيوني. وبعد هذا الطرح يتوقع ترامب أن يُمنح جائزة نوبل للسلام، مستسخفا عقول البشر ومتلاعبا بمشاعر اللاجئين الذين يعيشون بين الأنقاض في غزة التي لم يبق بها بناء قائم.
ويقدّر وزن ذلك الركام بأكثر من 50 مليون طن، تحتاج إزالته سنوات عديدة. ومن المؤكد أن إعادة بناء غزّة ليس سهلا، فما ارتكبته قوات الاحتلال في الحرب الأخيرة ليس له نظير إلا ما جرى خلال الحربين العالميتين اللتين دمّرتا الأخضر واليابس. وستظل مشاهد الركام الهائل في غزّة ماثلة أمام من يتابع شؤون فلسطين ويتحرك على طريق ما سمّي "حلّ الدولتين". بينما ترفض حكومات العالم، خصوصا في الغرب، اتخاذ موقف واضح إزاء الاحتلال، أو مطالبته بوقف القتل اليومي ووقف تهجير السكان الأصليين والتخلّي تماما عن فكرة قضم قطاع غزّة بعد أن استعصى الفتق على الراقع. إن إعادة إعمار غزّة مشروع وهميٌّ جدًّا لأن مروّجيه حصروا نظرتهم بالجانب المادّي وتجاهلوا الوضع السياسي والأمني. فما جدوى أن يُعاد إعمار غزّة مع استمرار غياب السلام عنها؟ ما معنى التعاطي مع نتائج العدوان الإسرائيلي وتجاهل ذلك العدوان الذي يُتوقع استمراره في غياب حل عادل للقضية الفلسطينية؟
في عالم ما يزال يصرّ على التعامل مع القضايا المعقّدة بخطط سطحية، يصعب استشراف مستقبل هادئ تغيب عنه مشاهد القصف والتدمير وهيمنة من يملك القوة على مقدّرات الأطراف الاضعف عسكريا. فإذا كان هناك من لا يستوعب الدروس من فلسطين ومعنى الاحتلال وطبيعته، ويتجاهل المقولات (التي تتكرر حول تقرير المصير وإحلال السلام الدائم، والحفاظ على الحدود القائمة بين الدول وعدم اختراق سيادة الدول حتى لو كانت معتدية أو غاصبة) فعليه أن يعيد قراءة التاريخ المعاصر للتعرّف على الأطراف الفاعلة في المنطقة. ففي ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، فإن الأولوية يجب أن تركّز على إنهاء ذلك الاحتلال قبل أن يتم التعاطي مع الدمار الهائل الذي أحدثه ذلك الاحتلال. ولن يكون لخطّة ترامب نصيب من النجاح طالما استمر الاحتلال بسياساته التوسعية وشعوره بالقدرة على تمرير مشاريعه، وقناعته بعدم وجود إرادة دولية أو إقليمية لإنهائه.
(القدس العربي)

