تَفْسيراتٌ كَثيرَةٌ أُعْطِيَتْ لِاعْتِقالِ رَئيسِ فِنِزْويلا، بَيْنَها تَحَكُّمُ الإِدارَةِ الأَميرْكِيَّةِ بِالنَّفْطِ الفِنِزْويليِّ بَيْعًا وَتَسْعيرًا وَمُحاصَصَة. فالسَّيْطَرَةُ على النَّفْطِ والغازِ الفِنِزْويليِّ تُشَكِّلُ ضِمْنًا ضَرْبَةً نَفْطِيَّةً اسْتِباقِيَّةً تَهْدِفُ لِلحَدِّ مِنِ اضْطِراباتِ الأَسْواقِ العالَمِيَّة، إِذا ما أَغْلَقَ الحَرَسُ الثَّوْرِيُّ الإيرانِيُّ مَضيقَ هُرْمُز، كَرَدٍّ مُرَجَّحٍ على العُدْوانِ الأَميرْكِيّ.
اعتقال مادورو كان "بروفة" برسم الهدف "التالي"
لَكِنَّ الرِّسالَةَ الأَبْرَزَ لاعْتِقالِ مادورو، تَمَثَّلَتْ بِكُلِّ ما حَمَلَتْهُ مِنْ عَناصِرِ الصَّدْمَةِ والذُّهولِ اللَّذَيْنِ لَفّا العالَمَ جَرّاءَ اسْتِعْراضِ القُوَّةِ الأَميرْكِيَّةِ غَيْرِ المَسْبوقِ الذي نَفَّذَهُ تْرامْب وَأَشْهَرَهُ كَتَهْديدٍ صارِخٍ يُحْتَذى ضِدَّ كُلِّ الخارِجينَ على مَشيئَتِه، وَعلى رَأْسِهِم المُرْشِدُ الإيرانِيُّ عَلي خامِنَئي الذي قَرَأَ مَصيرَ مادورو كَبْروفَةٍ حَتْمِيَّةٍ تَسْتَهْدِفُهُ لِسَوْقِ إيرانَ وَضَمانِ خُضوعِها لِلإِمْلاءاتِ الأَميرْكِيَّة.
وَفي حَمْأَةِ التَّصْعيدِ ضِدَّ إيران، كَشَفَ دونالد ترامب عَنْ "سِلاحٍ سِرِّيٍّ مُرْبِك" اسْتُخْدِمَ في اعْتِقالِ مادورو والسَّيْطَرَةِ على فِنِزْويلا. إِذًا ما حَصَلَ في فِنِزْويلا كانَ اسْتِعْراضًا لِلقُوَّةِ التِّكْنولوجِيَّةِ السِّرِّيَّةِ القائِمَةِ على المَوْجاتِ الصَّوْتِيَّةِ الفَتّاكَةِ بِالجِهازِ العَصَبِيّ، وَهَذِهِ العَمَلِيَّةُ وَجَّهَتْ رِسالَةً تَقولُ بِأَنَّ القِيادَةَ والسَّيْطَرَةَ هِيَ مِلْكُ مَنْ يَتَحَكَّمُ في "التَّرَدُّد"، وَأَنَّ اعْتِقالَ مادورو كانَ "بْروفَة" بِرَسْمِ الهَدَفِ "التّالي".
لا داعِيَ لِلسُّؤالِ عَنْ فَعّالِيَّةِ الرّاداراتِ والصَّواريخِ والأَسْلِحَةِ الرّوسِيَّة - الصّينِيَّة في الدِّفاعِ عَنْ فِنِزْويلا وَحِمايَةِ مُنْشَآتِها السِّيادِيَّةِ وَقِلاعِها الدِّفاعِيَّة، كَما أَنَّهُ لا داعِيَ لِإِسْقاطِ السُّؤالِ على إيرانَ وَدِفاعاتِها. فَحَرْبُ الاثْنَتَيْ عَشَرَ يَوْمًا مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة وَإِسْرائيل، كَشَفَتْ عَنْ اسْتِباحَتِهِما واخْتِراقِهِما لِلأَجْواءِ والمُدُنِ الإيرانِيَّة، تَمامًا كَما كَشَفَتْ عَنْ قُدْرَةٍ صَاروخِيَّةٍ إيرانِيَّةٍ مُدَمِّرَةٍ أَصَابَتْ قَلبَ الكِيانِ الإِسْرائيلِيِّ فَدَفَعَتْ دونالد ترامب لإيقافِ الحَرْبِ مَعَ إيران.
تأجيل الضربة استغلّه البنتاغون في تحديث بنك الأهداف الإيراني
ما بَيْنَ حَرْبِ الاثْنَتَيْ عَشَرَ يَوْمًا، والحَرْبِ المُرْتَقَبَةِ اليَوْم، جَرَتْ مِياهٌ كَثيرَة، وَبَلَغَ الاسْتِعْدادُ الإيرانِيُّ لِلرَّدِّ على الحَشْدِ الأَميرْكيِّ الضَّخْمِ حَدًّا كَبيرًا بِحَسَبِ جِنِرالاتِ إيران، تَوازِيًا مَعَ كَلامٍ عَنْ تَقاطُرِ عَشَراتِ طائِراتِ الشَّحْنِ الرّوسِيَّةِ والصّينِيَّةِ المُحَمَّلَةِ بِمَنْظوماتٍ دِفاعِيَّةٍ وَتِكْنولوجِيَّةٍ جَديدَةٍ إلى إيران، ما قَدْ يُخْفي الكَثيرَ مِنَ المُفاجَآتِ الحَرْبِيَّة، التي يُقالُ إِنَّ بَعْضَها ساهَمَ في تَعْطيلِ أَقْمارِ "سْتارْلينْك" وَكَشْفِ شَبَكاتِ الموسّاد، وَأَدّى لِإِجْهاضِ "رَبيعِ إيران".
وَباتَتْ إِعْلاناتُ ترامب عَنْ ضَرْبِ إيران، ثُمَّ تَأْجيل الضَّرْبَةِ إِفْساحًا في المَجالِ لِمُفاوَضاتٍ تُريدُها طَهْران، أَشْبَهَ بِأَسْهُمِ البورْصَةِ المُتَراقِصَةِ على إيقاعاتِ ترامب. فَلَمْ يَعُدْ سِرًّا أَنَّ تَأْجيلَ الضَّرْبَةِ فَرَضَتْهُ أَسْبابٌ بَيْنَها ظُروفٌ مُناخِيَّةٌ عَطَّلَتْ خُطوطَ الإِمْدادِ الرَّئيسِيَّةَ مِنْ قاعِدَةِ "فورْت هود" الأَميرْكِيَّةِ المَعْنِيَّةِ بِتَغْذِيَةِ عَمَلِيّاتِ القِيادَةِ الأَميرْكِيَّةِ الوُسْطى، تَأْجيلٌ اسْتَغَلَّهُ البِنْتاغون في تَأْمينِ حَشْدِ المَزيدِ مِنَ الأُصولِ والمَوارِد، كَما وَفي تَحْديثِ بَنْكِ الأَهْدافِ الإيرانيِّ تَوَسُّلًا لِتَضْمينِهِ مُفاجَآتٍ نَوْعِيَّةً تَتَحَكَّمُ بِتَحْديدِ ساعَةِ الصِّفْر.
تَوازِيًا مَعَ تَحْضيراتِ مَسْرَحِ الحَرْب، ثَمَّةَ تَحْضيراتٌ جِيوسِياسِيَّةٌ شَهِدَتْها المِنْطَقَةُ انْطِلاقًا مِنَ التَّحَوُّلاتِ السّورِيَّةِ والتي أَصابَتْ "قُوّاتِ سورْيا الدّيمقْراطِيَّة" (قَسَد) بِمَقْتَلٍ أَدّى إلى تَحْجيمِ قُوَّتِها العَسْكَرِيَّة، فَضْلًا عَنْ خُروجِها مِنَ المُحافَظاتِ العَرَبِيَّةِ في سورْيا، وَهُوَ التَّحْجيمُ الذي وَصَفَهُ توماس بارّاك بِانْتِهاءِ صَلاحِيَّةِ الشَّراكَةِ مَعَ "قَسَد" لِمُحارَبَةِ "داعِش"، في ظِلِّ حُضورِ الدَّوْلَةِ السّورِيَّةِ الجَديدَةِ التي باتَتْ على تَماسٍّ مُباشِرٍ مَعَ الحُدودِ العِراقِيَّةِ المُثْقَلَةِ بِالتَّحَوُّلاتِ السّورِيَّة، وَآخِرِ تَداعِياتِها، نَقْلُ مَساجينِ "داعِش" مِنْ سورْيا إلى العِراق.
الحرب على إيران تمرّ حتمًا باستهداف أذرُعها في العراق والعودة المزدوجة لداعش والمالكي تشي باندلاع الفتنة
عَوْدَةُ "داعِش" المَحْمولَةِ جَوًّا بِالطّائِراتِ الأَميرْكِيَّةِ إلى العِراق، قَرَعَ جَرَسَ الإِنْذارِ لَدى العِراقِيِّينَ عامَّة، وَجَماعَةِ "الحَشْدِ الشَّعْبيّ" والفَصائِلِ المُوالِيَةِ لِإيرانَ خاصَّة، وَهُما القُوَّتانِ اللَّتانِ اسْتَمَدَّتَا شَرْعِيَّتَهُما مِنْ فَتْوى المَرْجِعِ الشّيعيِّ عَلي السِّيسْتاني لِمُواجَهَةِ تَنظيمِ "داعِش"، الذي لَطالَما احْتَفَلَتِ الحُكوماتُ العِراقِيَّةُ مَعَ قُوّاتِ التَّحالُفِ الدَّوْلِيّ، بِسَحْقِهِ وَإِعْلانِ النَّصْرِ عَلَيْهِ مَراتٍ عِدَّة. لَكِنَّ مُجَرَّدَ إِعْلانِ عَوْدَةِ عَناصِرِ "داعِش" إلى العِراق، وَلَوْ كَمَساجين، ساهَمَ في بَثِّ الرُّعْبِ والذُّعْرِ في نُفوسِ أَعْدائِهِمُ الدّينولوجِيّين.
وَكَما كانَ شَطْبُ "هَيْئَةِ تَحْريرِ الشَّام" وَزَعيمِها (أَبو مُحَمَّدٍ الجولاني) عَنْ لَوائِحِ الإِرْهابِ الأَميرْكِيَّةِ مُفاجِئًا، فَإِنَّ إِعادَةَ "داعِش" إلى العِراقِ تُمَثِّلُ مُفاجَأَةً مُماثِلَة، سِيَّما أَنَّ التّْرامْبِيَّةَ المُتَجاوِزَةَ لِلبْراغْماتِيَّةِ تَتَوَخّى كُلَّ السُّبُلِ بِهَدَفِ تَحْقيقِ أَهْدافِها وَمَصالِحِها، وَفي لَحْظَةِ الحَرْبِ على إيران الجَميعُ يُدْرِكُ أَنَّ هَذِهِ الحَرْبَ تَمُرُّ حَتْمًا بِاسْتِهْدافِ أَذْرُعِ إيران وَفَصائِلِها في العِراق، خصوصًا بَعْدَ خُروجِ "كَتائِبِ حِزْبِ اللَّهِ العِراقِيَّة" بِبَيانٍ دَعَتْ فيهِ إلى التَّعْبِئَةِ الشّامِلَةِ والجِهادِ ضِدَّ القُوّاتِ الأَميرْكِيَّةِ التي باتَ مَفْهومًا أَنَّ انْسِحابَها مِنْ "قاعِدَةِ عَيْنِ الأَسَد" يَأْتي في إِطارِ التَّحْضيرِ لِمَسْرَحِ الحَرْبِ على إيران، ما يَعْني أَنَّ الضَّرْبَةَ الأَميرْكِيَّةَ المُرَجَّحَةَ على إيران سَتَمُرُّ بِالضَّرورَةِ في العِراق.
غزو العراق غيّـر وجه المنطقة والحرب على إيران ستُغيّـر وجه العالم
المُفارَقَةُ أَنَّ العِراقَ المُتَوَجِّسَ مِنْ عَوْدَةِ "داعِش" إِلَيْه، تَوَجَّسَ أَيْضًا مِنْ عَوْدَةِ نوري المالِكي إلى رِئاسَةِ الحُكومَةِ بَعْدَ تَرْشيحِ الإِطارِ التَّنْسيقيِّ لَه. فالمالِكي هُوَ الذي ارْتَبَطَ اسْمُهُ بِابْتِلاعِ "داعِش" لِنِصْفِ العِراق، وَهَذِهِ العَوْدَةُ المُزْدَوِجَةُ لِلطَّرَفَيْنِ لا تَشي سِوى بِانْدِلاعِ فِتْنَةٍ حاوَلَ المالِكي المَدْعومُ مِنْ إيران، والمُدَجَّجُ بِأَوْسِمَةِ إِعْدامِ صَدّام حُسَيْن، حاوَلَ إِشْعالَها لَحْظَةَ دُخولِ "الجولاني" إلى دِمَشْق بَعْدَ انْهِيارِ النِّظامِ السّورِيّ، داعيًا إلى دُخولِ سورْيا لِإِجْهاضِ الانْقِلابِ الاسْتْراتيجيِّ الذي اسْتَهْدَفَها.
ضَرْبَةُ إيران إِذًا، اسْتَلزَمَتْ بِالضَّرورَة تَحْضيراتٍ كَبيرَةً مُتَواصِلَةً وَمُتَبادَلَةً على كامِلِ المَسْرَحِ الجِيوسْتْراتيجيِّ في المِنْطَقَة. وَلَعَلَّ في غاراتِ العَدُوِّ الإِسْرائيليِّ الكَثيفَةِ والنَّوْعِيَّةِ على جَنوبيِّ لُبْنانَ والبِقاع، واسْتِخْدامِهِ قَنابِلَ نَوْعِيَّةً مِثْلَ "GBU 31- GBU39" الخارِقَةِ لِلتَّحْصيناتِ ما أَوْحى بِأَنَّ الحَرْبَ الكُبْرى قَدِ انْطَلَقَتْ أَوِ اقْتَرَبَت.
إِذا كانَ غَزْوُ العِراقِ واحْتِلالُهُ عامَ 2003 بِمَثابَةِ الزِّلزالِ الكَبيرِ الذي غَيَّرَ وَجْهَ المِنْطَقَة، فَإِنَّ الحَرْبَ المُقْبِلَةَ على إيران سَتُغَيِّرُ وَجْهَ العالَم، خُصوصًا مَعَ إِطْلاقِ ترامب مِنْ دافوس، نَسَقًا دَوْلِيًّا جَديدًا بِاسْمِ "مَجْلِسِ السَّلام" بِرِئاسَتِهِ بَعيدًا عَنِ القانونِ الدَّوْليِّ وَمُؤَسَّساتِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ بِهَدَفِ إِخْضاعِ العالَمِ مِنْ كَنَدا إلى غْرينْلانْد... لكن يبقى سُؤالٌ مُفادُه: ماذا لَوْ أَثْبَتَتْ إيران أَنَّها لَيْسَتْ فِنِزْويلا؟!.
(خاص "عروبة 22")

