في قَلْبِ هذا المَشْهَدِ المَأْزوم، تَعودُ القاهِرَةُ والرِّياضُ إلى الواجِهَةِ بِوَصْفِهِما آخِرَ دَوْلَتَيْنِ عَرَبِيَّتَيْنِ تَمْتَلِكان - على الرَّغْمِ مِنَ القُيود - مَزيجًا مِنَ الثِّقْلِ السِّياسِيّ، الرَّمْزِي، والقُدْرَةِ على التَّأْثيرِ في اتِّجاهاتِ الإِقْليم. غَيْرَ أَنَّ السُّؤالَ الحَقيقِيَّ لا يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِقُدْرَتِهِما على الفِعْل، بَل بِطَبيعَةِ هذا الفِعْل: هَل هُوَ فِعْلٌ إِنْقاذِيٌّ لِلنِّظامِ العَرَبِيّ، أَمْ مُجَرَّدُ إِدارَةٍ لِلتَّراجُع، أَمْ مُشارَكَةٌ - واعِيَةٌ أَوْ غَيْرُ واعِيَةٍ - في إِعادَةِ تَشْكيلِ إِقْليمِ ما بَعْدَ العُروبَةِ السِّياسِيَّة؟!.
لِلإِجابَة، لا بُدَّ مِنَ العَوْدَةِ إلى ثَلاثِ لَحَظاتٍ تاريخِيَّةٍ كاشِفَة: 1961، وَ1973، وَ2013. لَيْسَتْ هذِهِ السَّنَوات مَحَطّاتٍ زَمَنِيَّةً عابِرَة، بَل لَحَظاتُ اخْتِبارٍ حَقيقِيٍّ لِلعَلاقَةِ بَيْنَ مِصْرَ والسُّعودِيَّة، وَلِقُدْرَةِ النِّظامِ العَرَبيِّ على الصُّمودِ أَوِ التَّكَيُّف.
في حرب 1973 بدا أنّ النظام العربيّ قادر إذا توفّرت الإرادة على إنتاج معادلة توازن في مواجهة إسرائيل والداعمين لها
في عامِ 1961، كانَتْ مِصْرُ في ذُرْوَةِ مَشْروعِها القَوْمِيّ، والسُّعودِيَّةُ في ذُرْوَةِ قَلَقِها مِنْ هذا المَشْروع. تَفَكُّكُ الجُمْهورِيَّةِ العَرَبِيَّةِ المُتَّحِدَةِ لَمْ يَكُنْ فَقَطْ فَشَلًا لِوَحْدَةٍ سِياسِيَّة، بَل كانَ إِعْلانًا مُبَكِّرًا عَنْ حُدودِ النِّظامِ العَرَبيِّ القائِمِ على الشِّعاراتِ مِنْ دونِ مُؤَسَّسات. في تِلكَ اللَّحْظَة، ظَهَرَ التَّبايُنُ البُنْيَوِيُّ بَيْنَ القاهِرَةِ والرِّياض: مِصْرُ تَرى نَفْسَها قائِدًا ثَوْرِيًّا لِلنِّظامِ العَرَبِي، والسُّعودِيَّةُ تَرى نَفْسَها ضامِنًا لِلِاسْتِقْرارِ في مُواجَهَةِ الثَّوْرات. هذا التَّناقُضُ لَمْ يَكُنْ خِلافًا عابِرًا، بَل صِراعًا على تَعْريفِ النِّظامِ العَرَبيِّ ذاتِه. لَكِنَّ الرِّياضَ على الرَّغْمِ مِنْ تَحَفُّظاتِها المُمْتَدَّةِ على تَوَجُّهاتِ مِصْرَ آنَذاكَ لَمْ تَسْمَحْ بِهذا التَّحَفُّظِ أَنْ يُؤَثِّرَ على عافيةِ الدَّوْلَةِ المِصْرِيَّةِ أَيًّا كانَ مَنْ يَحْكُمُها...
غَيْرَ أَنَّ عامَ 1973 شَكَّلَ لَحْظَةً نادِرَةً لِتَجاوُزِ هذا التَّناقُضِ المُمْتَدِّ خِلالَ سِتّينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، فَحَرْبُ أُكْتوبَر/تِشْرينِ الأَوَّلِ لَمْ تَكُنْ فَقَطْ مُواجَهَةً عَسْكَرِيَّةً مَعَ إِسْرائيل، بَل كانَتْ لَحْظَةَ اسْتِعادَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لِفِكْرَةِ الفِعْلِ العَرَبيِّ الجَماعِيّ. لَعِبَتْ مِصْرُ الدَّوْرَ العَسْكَرِيَّ والسِّياسِيّ، بَيْنَما وَفَّرَتِ السُّعودِيَّةُ الغِطاءَ الاقْتِصادِيَّ والاسْتراتيجِيَّ عَبْرَ سِلاحِ النَّفْط. في تِلْكَ اللَّحْظَة، بَدا أَنَّ النِّظامَ العَرَبِيَّ قادِرٌ إِذا تَوَفَّرَتِ الإِرادَةُ على إِنْتاجِ مُعادَلَةِ تَوازُنٍ حَقيقِيَّةٍ في مُواجَهَةِ إِسْرائيلَ والداعِمينَ لَها. لَكِنَّ هذِهِ اللَّحْظَة، كَما أَثْبَتَتِ التَّطَوُّراتُ اللّاحِقَة، كانَتِ اسْتِثْناءً لَمْ يَسْتَمِرَّ طَويلًا أَكْثَرَ مِنْها قاعِدَةً مُمْتَدَّة.
إسرائيل راقبت تفكُّك الإقليم العربي وسعت إلى إعادة هندسة الإقليم عبر اختراق المنظومة العربية نفسها
ثُمَّ جاءَ عامُ 2013، لِيَكْشِفَ هَشاشَةَ ما تَبَقّى مِنَ النِّظامِ العَرَبِيّ. مِصْر، التي خَرَجَتْ مِنْ عَقْدٍ مُضْطَرِبٍ بَعْدَ 2011، كانَتْ على حافَّةِ الإِنْهاكِ السِّياسيِّ والِاقْتِصادِيّ. تَدَخَّلَتِ السُّعودِيَّةُ بِقُوَّةٍ لِدَعْمِ الدَّوْلَةِ المِصْرِيَّة، لَيْسَ فَقَطْ على الصَّعيدِ المالِيّ، وَلَكِنْ أَيْضًا وَرُبَّما على نَحْوٍ أَكْثَرَ عُمْقًا على الصَّعيدِ السِّياسِيّ، حَيْثُ التَّعْليماتُ المَلَكِيَّةُ لِوِزارَةِ الخارِجِيَّةِ السُّعودِيَّةِ هِيَ التَّنْسيقُ الشّامِلُ مَعَ مِصْر. لَمْ يَكُنْ هذا مَوْقِفَ المَلِكِ عَبْدِ اللهِ في هذا التَّوْقيتِ بِدافِعِ التَّضامُنِ فَقَط، بَلِ انْطِلاقًا مِنْ إِدْراكٍ اسْتراتيجِيٍّ بِأَنَّ سُقوطَ مِصْرَ أَوْ تَفَكُّكَها يَعْني انْهِيارَ ما تَبَقّى مِنَ النِّظامِ العَرَبِيّ. في تِلكَ اللَّحْظَة، لَمْ يَكُنِ الدَّعْمُ السُّعودِيُّ لِمِصْرَ تَعْبيرًا عَنْ تَحالُفٍ إِيدِيولوجِيّ، بَلْ عَنْ تَوافُقٍ مَصْلَحِيٍّ عَميقٍ على أَوْلَوِيَّةِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ في مُواجَهَةِ الفَوْضى.
غَيْرَ أَنَّ ما تَغَيَّرَ بَعْدَ 2013 لَمْ يَكُنْ فَقَطْ شَكْلَ العَلاقَةِ المِصْرِيَّة - السُّعودِيَّة، بَلِ السِّياقَ الإِقْليمِيَّ بِأَكْمَلِه. إِسْرائيل، التي راقَبَتْ تَفَكُّكَ الإِقْليمِ العَرَبِيّ، بَدَأَتْ تَتَحَرَّكُ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ لِإِعادَةِ تَعْريفِ مَوْقِعِها. لَمْ تَعُدْ تَكْتَفي بِإِدارَةِ الصِّراعِ مَعَ الفِلَسْطينِيّين، بَل سَعَتْ إلى إِعادَةِ هَنْدَسَةِ الإِقْليمِ عَبْرَ اخْتِراقِ المَنْظومَةِ العَرَبِيَّةِ نَفْسِها: تَطْبيع، شَراكاتٌ أَمْنِيَّة، انْدِماجٌ اقْتِصادِيّ، وَتَقْديمُ نَفْسِها كَقُوَّةِ اسْتِقْرارٍ في بَحْرٍ مِنَ الفَوْضى.
القاهرة والرياض قادرتان إذا توافرت الرؤية والتنسيق على منع انهيار النظام العربي
في هذا السِّياق، لا يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ القاهِرَةَ والرِّياضَ قادِرَتانِ على إِنْقاذِ النِّظامِ العَرَبيِّ بِصِيغَتِهِ الكْلاسيكِيَّة، كَما عَرَفْناهُ في السِّتِّينِيّاتِ والسَّبْعينِيّات، لَكِنَّهُما قادِرَتانِ إِذا تَوافَرَتِ الرُّؤْيَةُ والتَّنْسيقُ على مَنْعِ انْهِيارِهِ الكامِل، وَمَنْعِ إِعادَةِ هَنْدَسَةِ الإِقْليمِ بِالكامِلِ وَفْقَ الرُّؤْيَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ أَوْ غَيْرِ العَرَبِيَّة. إِنَّهُما لا تَبْنِيانِ نِظامًا عَرَبِيًّا جَديدًا بِقَدْرِ ما تُحاوِلانِ الحِفاظَ على حَدٍّ أَدْنى مِنَ التَّماسُك، يَمْنَعُ تَحَوُّلَ المِنْطَقَةِ إلى فُسَيْفِساء، مِنَ التَّحالُفاتِ المُتَصارِعَةِ بِلا مَرْجِعِيَّةٍ جامِعَة.
أَمّا بِنْيَةُ النِّظامِ العَرَبِيِّ نَفْسِه، فَرُبَّما تَشْهَدُ تَآكُلًا إِضَافِيًّا في العَمَلِ العَرَبيِّ الجَماعِيّ، يُقابِلُهُ صُعودٌ مُتَزايِدٌ لِصِيَغِ التَّنْسيقِ الثُّنائيِّ أَوِ الثُّلاثِيّ. في هذا السِّياق، سَتَظَلُّ القاهِرَةُ والرِّياضُ مِحْوَرًا أَساسِيًّا، لَكِنْ مِنْ دونِ القُدْرَةِ على إِعادَةِ إِنْتاجِ مُؤَسَّساتِ العَمَلِ العَرَبيِّ التَّقْلِيدِيّ، حَيْثُ تُحافِظُ الجامِعَةُ العَرَبِيَّةُ على كَوْنِها إِطارًا شَكْلِيًّا أَكْثَرَ مِنْها فاعِلًا، بَيْنَما سَتَتَقَدَّمُ شَبَكاتُ المَصالِحِ المَرِنَةِ كَبَديلٍ عَمَلِيّ.
هذا السّيناريُو لا يَعْني غِيابَ الدَّوْرِ العَرَبيِّ تَمامًا، بَل تَحَوُّلَهُ مِنْ نِظامٍ مُؤَسَّسِيٍّ إلى تَوازُناتٍ ظَرْفِيَّةٍ يَتِمُّ إِدارَتُها وَفْقَ المَلَفاتِ لا المَبادِئ. وَهُوَ سيناريُو يَحُدُّ مِنْ قُدْرَةِ إِسْرائيلَ على فَرْضِ هَيْمَنَةٍ كامِلَة، لَكِنَّهُ في الوَقْتِ ذاتِهِ لا يَسْمَحُ بِبِناءِ رَدْعٍ عَرَبِيٍّ جَماعِيٍّ مُؤَثِّرٍ لِصالِحِ النِّظامِ الإِقْليميِّ العَرَبِيّ!.
(خاص "عروبة 22")

